قال تعالى : ﴿ ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ﴾ البقرة 217 . هذا إعلام من الله عن الحقد الذي يحمله الأعداء في قلوبهم للإسلام ، إنه حقد دائم ضد الإسلام ، وإن مجرد وجود الإسلام في الأرض كافٍ لتحريك ضغائنهم وباعث لهم على التحرك ضد المسلمين ليردوهم عن دينهم إن استطاعوا . كما أن حقدهم موجه لكل مؤمن بل للإيمان ذاته كما هو معهود من أعداء الدين على مدار التاريخ قال تعالى : ﴿ قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله ﴾ . إن قصة الاعتداء أصيلة فيهم ، تبدأ من نقطة كرههم للإيمان ، وصدودهم عنه وتنتهي بالوقوف في وجهه ، وتربصهم بالمؤمنين وإن المسلمين يواجهون أعداءً يتربصون بهم ولا يقعدهم عن الفتك بهم بلا شفقة ولا رحمة إلا عجزهم عن ذلك ، وإن حقيقة المعركة الطويلة بين الإسلام وأعدائه تصوره هذه الآية القرآنية الكريمة : ﴿ كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلاّ ولا ذمة ﴾ التوبة 8 . يوماً بعد آخر ، يتبين للعالم أجمع ، مدى الحقد الغربي عموماً ، على كل ما يمت إلى الإسلام ، عقيدةً ، وثقافةً ، وأرضاً ، وتاريخاً ولقد نال العرب من هذا الحقد الصليبي الأعمى ، النصيب الأوفى .! ولقد ظهر هذا الحقد على أوجه في الثمانين سنة الماضية وبالتحديد منذ سقوط الخلافة الإسلامية كما أخذ أشكال مختلفة ، ومظاهر متنوّعة ابتداءً من الاحتلال العسكري لبلاد العرب والمسلمين ، وكان اقتطاع الغرب لفلسطين قلب العروبة والإسلام ، وتسليمها لليهود ليعيثوا فيها قتلاً وتشريداً وتخريباً، واحداً من أهم مظاهر ذلك الحقد الصليبي الأسود ، ثم مروراً بالغزو الثقافي والفكري ، ومحاولاتهم المستميتة لطمس هوية الأمة الحضارية وتسويق أنماطهم الأخلاقية المنحطّة إلى بيوت العرب والمسلمين عبر وسائلهم الإعلامية الخبيثة ، التي تديرها أخطر عصابات المافيا في العالم ، وذلك تحت شعارات لم تعد تنطلي على أحد ، من أمثال : العولمة والحريّة ، والتحضّر ، ولعل من أبرز مظاهر ذلك الحقد الصليبي أيضاً ، ما مارسه الغرب من سرقات مفضوحة لنتاج الشعوب العربية والإسلامية وذلك إبان الاحتلال الصليبي الغادر لبلاد تلك الشعوب المظلومة ، ولا نتعدّى الحقيقة إذا قلنا : بأن أساس مدنية الغرب ورفاه شعوبه ، إنما قام على حسابنا ، فلقد سرقوا منا أصول البحث العلمي ، ومناهج التفكير التجريبي ، التي هي من أهم مفاخر العرب والمسلمين ، كما سرقوا الأفكار والتجارب والمخطوطات والمكتبات ، وسرقوا مرتكزات الاقتصاد العربي والإسلامي ، سواء الظاهرة على سطح الأرض ، أو المدفونة في جوفها كالنفط والمعادن والآثار وغيرها ، وما يحصل في العراق أكبر دليل على ذلك ، ومن أبشع مظاهر حقد الغربيين على العرب والمسلمين ما مارسوه ويمارسونه يومياً من مظاهر الظلم والاعتداء على حريّة الفرد العربي المسلم وكرامته ، تلك الحرية التي كفلتها كل القوانين والشرائع الأرضية والسماوية ، ولعل أبسطها ، حرية العيش الآمن على أرض الوطن بدون ضغوطات أو تهديدات خارجية وحرية اختيار طريقة الحياة ونظام الحكم بما ينسجم مع العقيدة والدين الإسلامي وحرية الثقافة والكتابة والنقد وإبداء الرأي وتداول السلطة بصورة سلمية بدون أية عقد أو تداعيات أو مؤامرات .
ومن العجيب أن يتسع مفهوم الحرية في الغرب ، حتى ليمنحونها للقطط والكلاب بينما يستكثرونها على العرب والمسلمين حتى ليحرمونهم من شرب الماء النقي واستنشاق الهواء الصافي ، وأخيراً وليس آخراً تفجّر حقدهم الأسود على شكل حروب مهووسة طالت الكثير من البلاد العربية والإسلامية ، ابتداءً من فلسطين الحبيبة فالصومال ، فالسودان ، فأفغانستان ، ثم استداروا على العراق ، فاحتلوا أرضه وذبحوا شعبه ، ودمروا مرتكزاته وسرقوا ثرواته وها هي جرائمهم المؤلمة في المدن العراقية تدلل على مدى حقدهم واستهتارهم ووحشيتهم ولا يزال تهديدهم للأمة مستمراًً ، ولا تزال القائمة مفتوحة والله وحده هو العالم ، على من سترسو ماكنة الموت والدمار الصليبية في الأيام القادمة ، ولا أظنني بحاجة لكي أذكّر بأن الغرب الصليبي نفسه ، كان قد زحف على العراق الصابر ، بقضّه وقضيضه ، في حرب كونية حاقدة ، ألقوا فيها كل ما تراكم لديهم عبر التاريخ من الحقد والشر والهمجية ، وتفتّقت عقولهم المريضة ونفوسهم الشريرة ، عن كل وسائل الغدر والعدوان ، بما فيها الوسائل المحرّمة دولياً وذات التدمير الشامل .
ولقد استهدفوا بحقدهم الأسود كل شواخص الأمة في العراق ورموزها ، ولم تسلم من غدرهم وحقدهم ، حتى المدارس والمساجد وملاعب الأطفال ، بل لقد وصل غدرهم وحقدهم وخسّتهم ، إلى الحقول المزروعة وقطعان الأغنام ، ولقد شهد العالم أجمع قبل سنوات قليلة جرائمهم القذرة في أفغانستان المسلمة ، البلد الأفقر في العالم ، الذي يموت أبناؤه من المرض والبرد والجوع في الطرقات العامة ، وبدلاً من أن يقدّم له من يسمي نفسه بالعالم المتحضر المساعدات الإنسانية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الأرواح البريئة التي هدّها المرض وأنهكتها الحاجة ، إذا بهم يلقون عليه آلاف الأطنان من المتفجرات الحاقدة التي أتت على البقية الباقية من مفردات الحياة لديه ، وليعلم كل ذي عقيدة أن سنة الله توحي بعد هذه المظالم المريرة التي مرَّ ويمرُّ بها المسلمون بشيئين لا ثالث لهما : إما الهداية وإما الضلال . وإن الجاهليات تظلُّ تعيشُ بمقدار ما فيها من خير متناثر حتى يغلب ما فيها من شرٍّ طاغٍ فيختنق الخير ، ولا يكاد يستطيع أن يتنفس وحين تصل الأمور إلى هذا الحد من السوء تتدخل إرادة الله لتحدث التغيير ، وذلك يكون من خلال سعي البشر وحركتهم قال تعالى: ﴿ إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ﴾ الرعد 11 . فإذا لم يتم التغيير تتدخل إرادة الله تدخلاً حاسماً ، لتخسف الأرض بالطغيان كله ، أو تهدي الناس إلى الله ، ونحن على أبواب تدخلٍ من تدخلات الإرادة الإلهية الحاسمة لأن الطاغوت الحاكم في الأرض وصل إلى حدٍ لا يطاق ، ولن يخلص الناس من ضلال الكفار واضطرابهم إلا الإسلام ، الذي يعطي الوضع الصحيح لكل انحراف في التصور والسلوك والسياسة والاقتصاد والأخلاق ، وكل شيءٍ في حياة الإنسان ، ومهما يكن أمر المسلمين اليوم … فالإسلام ليس مقيداً بهم ولا متوقفاً عليهم لأنه نورُ الله لكل البشرية قال تعالى : ﴿ وما أرسلناك إلا كافةً للناس بشيراً ونذيرا ﴾ سبأ 28 . وأخيراً لا ننسى بأننا على ثقة تامة من عدل الله ، وأن الله يمهل ولا يهمل ، وأنه للظالمين بالمرصاد ، فهو يملي لهم لحكمة يعلمها هو – ولعل من حكمته سبحانه تمحيص الأمة وفرز عناصرها ، ومعرفة الصادقين من الكاذبين فيها – ولكنّه إذا أخذهم في النهاية فلن يفلتهم ، وإن أخذه أليم شديد ، وسيأتي اليوم الذي تنتصر فيه يد القدر الجبارة لملايين المظلومين من أمتنا الذين حرمهم الظلم الصليبي من أبسط مقوّمات الحياة : ﴿ ويسألونك متى هو .!؟ قل : عسى أن يكون قريبا ﴾ .
الحقد الغربي على الإسلام
