الحكمة من تأخير عذاب من كَفَر وظَلَم

يقف العالم اليوم في منعطف خطير، خطير لما وصل إليه الكفر من عنجهية واستكبار وكفر بالله الواحد القهار، وخطير لما وصل إليه حال المسلمين اليوم من ذلة وفرقة واختلاف ، فما السبب وما المخرج، وما الذي أوصلنا إلى ما نحن فيه من ضروب الذلة؟ وما هو مصير الأمم الكافرة الباغية المتجبرة؟ وهل هي أشد على الله من الأمم التي أهلكها؟ ومتى يصيبها ما أصاب السابقين؟ ، اقتضت حكمة الله عز وجل أن يعجل عقوبة بعض الذنوب في الدنيا، وقد يكون ذلك من باب الاعتبار والاتعاظ بما يصيب العصاة ، كما هو الحال في الظالمين ، وقد يكون تعجيل العقوبة من باب إرادة الخير بالمؤمن لأن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة ، أما الكفار فإنَّ المركزَ الأصيل لعقوبتهم هي الدَّارُ الآخرة، وقد يَظهر شيءٌ منها في الحياة الدنيا لحكمٍ ربَّانيَّة ، إن قاموا بما يَستوجبُ تعجيلَ العقوبةِ في الدُّنيا، كالظُّلم مثلًا، فقد قُوبلوا بأنواع من العقوبات والنَّكبات في حياتهم الدُّنيا قبل الآخرة، وما قَصص الدُّولِ والأمم البائدة المذكورة في القرآن عنَّا ببعيد، قال صلى الله عليه وسلم: ( إِنَّ اللهَ تَعَالَى لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ، قَالَ: ثُمَّ قَرَأَ: ﴿ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيد ﴾ هود 102
وهذا لا يعني بحال من الأحوال ، أن نقف مكتوفي الأيدي أمام ظلم الظالمين وتجبر الكافرين ونقول : للبيت رب يحميه ، قال تعالى: ﴿ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ الحج40، فقد اقتضت حكمة الله تبارك وتعالى أن تكون هناك سنة للتدافع في هذه الحياة الدنيا بين الخير والشر، بين المؤمنين والكافرين ، يقوم بمقتضاها الكافرون بفتنة المؤمنين عن دينهم بنشر الشبهات والاستهزاء بشرعهم ونبيهم، وهنا يطلب من المؤمنين أن يدافعوا عن أنفسهم ودينهم وعقيدتهم؛ ولا ينتظروا قصاص الله العاجل ، ممن يظلم ويسيء لدين الله ونبيه ، وقد ترك الله الدفاع عن دينه ونبيه وشريعته وقرآنه للمسلمين ، ليدافعوا عن دينهم وعقيدتهم، دون تدخل من السماء؛ وذلك لتفعيل سنة التدافع بين الخير والشر، وليتخذ الله من المؤمنين أولياء وشهداء بخلاف ما كان عليه الحال قبل بعثته صلى الله عليه وسلم، فعندما جاء أبرهة الحبشى؛ ليهدم الكعبة، قال عبد المطلب جد النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم الذى كان يعبد الأصنام من دون الله: (للبيت رب يحميه) فأراد الله تبارك وتعالى وقد خلت الدنيا من الموحدين وأتباع الرسل ، أن يبين لهؤلاء المشركين أنه -حقًا- للبيت رب يحميه وليثَّبت هذه الحقيقة في قلوبهم، أرسل الله الطير الأبابيل التي تحمل حجارة من سجيل للقضاء على المعتدى الظالم، أما بعد بعثة النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم ووجود الموحدين وأتباع الرسل، فقد ألقى الله على عاتقهم عبء حماية الدين والعقيدة ، من كيد الكائدين واستهزاء المستهزئين؛ ليكون هناك دفع ، وليتخذ الله من المؤمنين المدافعين عن شريعته ودينه شهداء ولتتحقق سنة الله في الأرض ﴿ لِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء ﴾ آل عمران140 ، قال ابن كثير : “ذكروا أن رجلاً من جرهم يُقال له: إساف بن بغى وامرأة يقال لها: نائلة بنت وائل ، اجتمعا في الكعبة فكان منه إليها الفاحشة ، فمسخهما الله حجرين فنصبهما الناس قريبًا من البيت؛ ليعتبروا بهما” فالله تبارك وتعالى أبَانَ للناس قبل مبعث النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم عقوبة من يعبث في هذا البيت، وأثبت لهم (أن للبيت ربًّا يحميه) أما بعد بعثته صلى الله عليه وسلم فالحماية ملقاة على عاتق المسلمين؛ ليدافعوا عن دينه وبيته وشريعته فهم خلفاؤه في الأرض ، واليوم نرى مخالفات شرعية من مثل فعل إساف ونائلة بالبلد الحرام، والعناية الإلهية لم تتدخل أبدًا بالمسخ أو الحرق أو العقاب الفوري؛ لأن الله تبارك وتعالى أقام شرعه في الأرض ليقوم المسلمون بتطبيقه وتنفيذه ، وقد اقتضت حكمة الله ، أن يكون هناك شرع يأمر بالعدل والإحسان ، وينهى عن الظلم والعدوان، وأن يتولى المسلمون الدفاع عن هذا الدين ، بإعداد القوة والضرب على يد المعتدي الظالم، لا أن يقولوا (للبيت رب يحميه) . وها هي إسرائيل تعيث في الأرض فسادًا، وها هي أمريكا تساعدها في غيها وضلالها ، وهما في الكفر سواء، ومع كفرهم وظلمهم وبغيهم في الأرض لم ينزل الله عليهم صاعقة من السماء، أو يرسل عليهم طيرًا أبابيل ، ترميهم بحجارة من سجيل، لأن الله تبارك وتعالى ، اقتضت حكمته أن يترك تصريف مثل هذه الأمور ، لخلفائه في الأرض من المسلمين الموحدين ، ليعدوا لهم ما استطاعوا من قوة وبأس.
أما أصحاب ثقافة (للبيت رب يحميه) فهؤلاء كُثر في هذه الأمة ، التي أصبحت غثاءً كغثاء السيل ، فلم تعد لهم شوكة ولا يخشاهم أعدائهم .
وأصحاب هذه الثقافة لم يتربوا على القرآن والسنة ولم يعلموا أن نبينا صلى الله عليه وسلم حثنا على العمل والجهاد لطلب معالي الأمور وعدم الركون إلى الأحلام الوردية، فقال صلى الله عليه وسلم: ( اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ ). وهذا النمط من التفكير يختلف تمامًا عما جاء به النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم، فقد كان يعمل ويجاهد في الحياة الدنيا، فقد كان يجاهد بنفسه في الغزوات، ويأمر أصحابه بالاستعداد الكامل ، ففي بدر كان صلى الله عليه وسلم يضرب أروع الأمثلة في الجهاد والصبر على قتال المشركين، وفي أُحُدٍ كاد أن يُقتل لولا عناية الله به فما وقف وقال : إن للدين ربًّا يحميه ، بل قال: للدين ﴿ رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا﴾ .
وفى الخندق حفر بنفسه الشريفة مع أصحابه ولم ينتظر حل السماء بل حمل على عاتقه التراب، وجاع واشتد جوعه؛ فعل كل هذا ليُعلِّم أصحابه العقيدة الصحيحة في الدفاع عن الدين بالنفس والمال ، فما قالوا : للدين رب يحميه ، بل كان قولهم: لتكن إحدى الحسنيين؛ إما النصر أو الشهادة . بهذه العقيدة الحية فتحوا الدنيا ، وخضعت لهم الأرض، أما عقيدة للبيت رب يحميه فقد انزوت بالمسلمين في خندق الموت، علماً بأن الكفار يسعدون بهذا النمط من التفكير والتعامل مع الأحداث ، ولا نجاة منه إلا بالعودة الصحيحة لمنهج القرآن والسنة والعقيدة الصحيحة ، بذلك يدفع المسلمون عن أنفسهم الذل والخنوع ؛ ويحرزوا خيري الدنيا والأخرة.
وعندما نستعرض تاريخ المخازي والخطايا والأخطاء من طغيان روحي وفكري ومالي وسياسي وعلمي وفساد خلقي وانحراف فكري وسلوكي ومساندة للظلم في جميع ألوانه ، وتخذيل للمصلحين وتخدير للمظلومين ، وصد عن سبيل الله وتشويه لصورة دينه دون رد فعل من المسلمين ، الأمر الذي يغري الطغاة بالاستمرار في طغيانهم ، ظانين أن الأمور ستظل في أيديهم أبدا ، وأنها غير قابلة للتغيير .
ولكن عبر التاريخ قائمة لمن يريد أن يعتبر وما يعتبر إلا أولو الألباب ، أما الطغاة فمطموسو البصيرة وأني لهم أن يعتبروا ؟ قال تعالى : ﴿ قل انظروا ماذا في السموات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون ﴾ ولكن النفوس تخضع لجبروت الطغيان خوفا وطمعا في أول الأمر ، لان الطغاة يحمون جبروتهم ، بشتى وسائل الحماية ، من ترغيب وترهيب .. ثم تتبلد النفوس من جهة ، ويأخذ الطغيان صورة الأمر الواقع من جهة، فيستقر في الأرض فترة تطول أو تقصر ، فيتخيلون فيها أنهم باقون للأبد ، ولا يمكن زحزحتهم ولا تبديل الأحوال التي مكنت لهم في الأرض . وعندما تتململ الشعوب ، يلجأ الطغاة إلي جبروتهم ويستخدمون وسائل الإرهاب لوقف تململهم واحتجاجهم ، وتأديب الخارجين ، لكي يكونوا عبرة الآخرين ، وتلك بداية النهاية ، فعندما يشتد الجبروت تتولد المقاومة المتزايدة له في داخل النفوس وبمقدار ما يشتد ويمعن في الطغيان ، يحدث الانفجار ويكون كالطوفان ! فكانت الثورات بكل ما تضمنت من ألوان العنف والبطش والقتل وإسالة الدماء ، تهز النائمين ليصحوا ، وتزيل ما تبلد في نفوسهم وتشعرهم أن التغيير ممكن وأن النصر مع الصبر تحقيقا لقوله تعالى : ﴿ واعلم أن النصر مع الصبر ﴾ .

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *