الحُلْمُ : ما يراه النائم في نومه ، أما الحِلْمُ فهو العقْل ، والحِلم موضوعنا ، وهو خُلُقٌ عظيم من أخلاق الإسلام، والحِلم : ضبطُ النفس عند الغضب، وكفُّها عن مقابلة الإساءة بالإساءة، مع تحكيم المسلم دينَه وعقله عند إيذاء الآخرين له، مع قدرته على ردِّ الإيذاء بمثله، إنه ثباتك أمام من ينهرك , وثقتك بنفسك قِبَلَ من يستصغرك , وسلاحك لمن أرد أن يقتلك ، والحِلم هو كظمك الغيظ وعفوك عن المخطئ , وصبرك على الإساءة قال تعالى : ﴿ والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين ﴾ آل عمران134 . بل هو عنوان الصفح والعفو قال تعالى : ﴿ خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين ﴾ الأعراف 119. وهو سيّد الأخلاق ، وعلامة الصابرين المحتسبين , وصفةٌ محبوبةٌ لرب العالمين ، وهو أساس الرفق , قال صلى الله عليه وسلم : ( إن الرفق لا يكون في شيءٍ إلاّ زانه , ولا يُنـزع من شيءٍ إلاّ شانه ) رواه مسلم . وهو أصل الرفعة والأنفة قال الشافعي : ” ولو لم تكن نفسي عليَّ عزيزةٌ لمكّنتها من كل نذلٍ تحاربه ” إنه طبع الكرماء ، وترجمان الأوفياء ، وقد قيل : من عادة الكريم إذا قَدِرَ غفر , وإذا رأى زلةً ستر ، والحليم هو الذي لا يعشق الانتقام ، ولا يحمل في قلبه الحقد والضغينة , ولا يأبه بهفوات الساقطين من الناس ، وقد قيل : ليس من عادة الكرماء الغضب والانتقام ، وقيل ” الحليم عليم والسفيه كليم “وقال الشافعي :
يخاطبني السفيه بكل قبحٍ فأكره أن أكون له مجيبا
يزيد سفاهةً فأزيد حلماً كعودٍ زاده الإحراق طيبا
وهذا لا يعني أن يرضى الإنسان بالذل أو يقبل الهوان ، وإنما هو الترفع عن شتم الناس وتنـزيه النفس عن سبهم ، والحلم عمود الأخلاق وذروة سنامها،به تستكمل الفضائل،وتحصل المعالي ، وما أحوجنا اليوم إلى دخول مدرسة الحلم ، بعد أن أصبح الغضب ، يعكر صفو الحياة ، وغاب صوت العقل عن المجتمعات الإسلامية، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم أحلم الناس، فلا يضيق صدره بما يصدر عن بعض المسلمين من أخطاء ، فقد كان صلى الله عليه وسلم يغضب للحق إذا انتهكت حرماته ، وإذا غضب فلا يقوم لغضبه شيء ، حتى يهدم الباطل وينتهي ، وفيما عدا ذلك فهو أحلم الناس عن جاهل لا يعرف أدب الخطاب ، أو مسيء يمكن إصلاحه ، أو منافق يتظاهر بغير ما يبطن ، قال صلى الله عليه وسلم لأحد الصحابة : ( إِنَّ فِيكَ خَلَّتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ الْحِلْمُ وَالأَنَاةُ ) وفي الأثر: إنما العلم بالتعلم و إنما الحلم بالتحلم و من يتحر الخير يعطه ومن يتق الشر يوقه ” يُحْكَى أن رجلا آذى أبا بكر الصديق بكلام في أثناء جلوسه مع النبي صلى الله عليه وسلم ، فصمت أبو بكر ، ثم شتمه الرجل مرة ثانية ، فسكت أبو بكر، ولما شتمه للمرة الثالثة ، رد عليه أبو بكر ، فقام النبي صلى الله عليه وسلم من المجلس ، فأدركه أبو بكر وقال له: أغضبتَ على يا رسول الله؟ فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم أن ملكًا من السماء نزل يرد عنه، ويدافع عنه، فلما رد هو انصرف الملك وقعد الشيطان. ولم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم ليجلس في مجلس فيه الشيطان “، وما أحسن توطين النفس على لزوم الحلم ، والعفو عن الناس إذ لا سبب لتسكين الإساءة ، أحسن من الإحسان، ولا سبب لنماء الإساءة وتهييجها أشد من الاستعمال بمثلها ، وأغنى الناس عن الحقد ، من عظم عن المجازاة، وأجل الناس مرتبة ، من صد الجهل بالحلم، وما الفضل إلا لمن يحسن إلى من أساء إليه ، فأما مجازاة الإحسان إحساناً ، فهو المساواة في الأخلاق وهناك فرق بين حلم الذل والعجز والمهانة وبين حلم الاقتدار والعزة والشرف :
كُلُّ حِلمٍ أَتى بِغَيرِ اِقتِدارٍ حُجَّةٌ لاجِئٌ إِلَيها اللِئامُ
بلغ عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ أن جماعة من رعيته اشتكوا من عماله؛ فأمرهم أن يوافوه ، فلما أتوه ، قام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس، أيتها الرعية، إن لنا عليكم حقاً: النصيحة بالغيب ، والمعاونة على الخير، أيتها الرعاة ، إن للرعية عليكم حقاً فاعلموا أنه لا شيء أحب إلى الله ، ولا أعز من حلم إمام ورِفْقه، وليس جهل أبغض إلى الله ، ولا أغم ، من جهل إمام وخرقه “. وقال رضي الله عنه: ” تعلموا العلم وتعلموا للعلم السكينة والحلم ” ، قد يكثر مالك وولدك ، ولكن الخير أن يكثر علمك ويعظم حلمك ، وأن لا تباهي الناس بعبادة الله، وإذا أحسنت حمدت الله تعالى وإذا أسأت استغفرت الله تعالى. وقال معاوية بن أبي سفيان : لا يبلغ العبد مبلغ الرأي ، حتى يغلب حلمه جهله، وصبره شهوته، ولا يبلغ ذلك إلا بقوة العلم ، وسأل عمرو بن الأهتم: أي الرجال أشجع؟ قال: من رد جهله بحلمه، قال فأي الرجال أسخى؟ قال من بذل دنياه لصالح دينه. وقال أكثم بن صيفي: دعامة العقل الحلم وجماع الأمر الصبر. وقيل : ليس الحليم من ظلم فحلم ـ حتى إذا قدر انتقم، ولكن الحليم ، من ظلم فحلم ، حتى إذا قدر عفا. قال أبو الدرداء : لرجل أسمعه كلاما: يا هذا لا تغرقن في سبنا، ودع للصلح موضعا، فإنا لا نكافئ من عصى الله فينا ، بأكثر من أن نطيع الله عز وجل فيه. حكي عن الأحنف بن قيس أنه قال: ما عاداني أحد قط ، إلا أخذت في أمره بإحدى ثلاث خصال: إن كان أعلى مني عرفت له قدره، وإن كان دوني رفعت قدري عنه، وإن كان نظيري تفضلت عليه . وأنشدوا :
وللكف عن شتم اللئيم تكرماً أضر له من شتمه حين يشتم
والحلم صفة تكسب المرء محبة الله ورضوانه، ودليل كمال العقل وسعة الصدر وامتلاك النفس، وفيه إعانة الناس لصاحبه ووقوفهم في صفه، وفي الحلم تآلف القلوب ونشر المحبة بين الناس ، ولقد أحسن
متاركة اللئيم بلا جواب أشد عَلَيْهِ من مر العذاب
اشتهر رجال على مر التاريخ بالحلم حتى عجب الناس من حلمهم، كان من مشاهيرهم معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه ، وهو الذي كان يقول:” لا يبلغ العبد مبلغ الرأي حتى يغلب حلمه جهله، وصبره شهوته، ولا يبلغ ذلك ، إلا بقوة العلم ” كان لعبد الله بن الزبير مزرعة في المدينة ، مجاورة لمزرعة يملكها معاوية بن أبي سفيان , وفي ذات يوم دخل عمّال مزرعة معاوية ، إلى مزرعة ابن الزبير فغضب ابن الزبير وكتب لمعاوية في دمشق وقد كان بينهما عداوة : “من عبد الله ابن الزبير ، إلى معاوية ابن هند آكلة الأكباد ، أما بعد :” فإن عمالك دخلوا إلى مزرعتي فأمرهم بالخروج منها , أو فو الذي لا إله إلا هو ليكوننّ لي معك شأن ، فوصلت الرسالة لمعاوية وكان من أحلم الناس فقرأها , ثم قال لإبنه يزيد : ما رأيك في ابن الزبير أرسل لي يهددني ؟ فقال له ابنه يزيد : أرسل له جيشاً أوله عنده وآخره عندك يأتيك برأسه ، فقال معاوية: بل خيرٌ من ذلك زكاة وأقرب رحما ، فكتب رسالة إلى عبد الله بن الزبير يقول فيها : من معاوية بن أبي سفيان إلى عبد الله بن الزبير ابن أسماء ذات النطاقين أما بعد : فو الله لو كانت الدنيا بيني وبينك لسلمتها إليك ، ولو كانت مزرعتي من المدينة إلى دمشق ، لدفعتها إليك ، فإذا وصلك كتابي هذا فخذ مزرعتي إلى مزرعتك ، وعمالي إلى عمالك ، فإن جنّة الله عرضها السموات والأرض ” فلما قرأ ابن الزبير الرسالة بكى حتى بلها بالدموع وسافر إلى معاوية في دمشق وقبّل رأسه وقال له : “لا أعدمك الله حلماً , أحلك في قريش هذا المحل”. هذه هي مواطن ضبط النفس ، إزاء مثيرات الغضب وهي من أشرف السجايا ، وأعز الخصال ودليل سمو النفس، وكرم الأخلاق، وسبب المودة والإعزاز وقد مدح الله الحكماء والكاظمين الغيظ، وأثنى عليهم في محكم كتابه الكريم ، وخص الله بالحلم الكرماء الذين جعلهم أهلها، فخفف عليهم حملها وسوغهم فضلها، وحظرها على السفلة لصغر أقدارهم عنها، وبعد طباعهم منها ونفورها منهم. قال علي -رضي الله عنه-: ليس الخير أن يكثر مالك وولدك ولكن الخير أن يكثر علمك ويعظم حلمك”
