كان لتاريخ التآمر على فلسطين ، ذكرى الخامس عشر من أيار ، التي كانت بداية لإنشاء دولة اسرائيل على أرض فلسطين ، فقد احتلت العصابات الصهيونية فلسطين سنة 1948 ، وسجلت نصراً على سبع دولٍ عربيةٍ وتكررت المؤامرة لاحتلال الباقي من فلسطين سنة 1967 إذ سجلت نصراً آخر على ثلاث عشرة دولة عربية .
وقد علق السيد عرفات حجازي في كتابه الخامس عشر من أيار قائلاً : ” إن ما تم لإسرائيل كان بفضل من قدم لهم المساعدة وزور الحقائق والأسباب ، ولكن الحقيقة الصادقة حيةٌ لا تموت ولا تندثر، ولا بد لها من أن يأتيها يوم لتنشر فيعرف العالم الحقيقة المجردة الساطعة ، مهما بَعُدَ هذا اليوم أو قصّر ويتابع قوله : ستكشف أوراقٌ طالما بقيت مطوية ، واسرارٌ لم يكن مقرراً لها أن تنشر من قبل لفضح تلك الحقائق ” ، وقد جاء بالفعل هذا اليوم الذي قال عنه الكاتب .
إن نكبة الشعب الفلسطيني ، لم تقع في اليوم الخامس عشر من أيار ، لكنه اليوم الذي انتهى فيه تمثيل أدوار المؤامرة على فلسطين وشعبها ، فقد ساعد العالم اسرائيل ، باسم قرارات الامم المتحدة ، في سلب عرب فلسطين وطنهم وباسم الشرعية والقانون الدولي ، فكانت النكبة التي تمت بإشراف ووعود السياسيين الغريبين ، وعلى رأسهم الإتحاد السوفياتي وقد ربح اليهود قرار التقسيم بصوت واحد ، فلو حجب الإتحاد السوفياتي صوته عن اسرائيل لربح العرب المعركة ولما كانت هناك دولة اسرائيل ، وجاءت على العرب فترةٌ تجاوزوا فيه عن دور الإتحاد السوفياتي وشراكته للغرب في إقامة دولة اسرائيل ولم يكن موقفه الذي دخل الى قلوب العرب عن طريق التهديد للغرب إكراماً للـعرب ، ولم يكن حتى مجرد موقف عدائي من الغرب ، لأنه في ذلك الوقت كان يلجأ إلى التهديد من أجل تغطية حوادث دامية لم يشهد لها التاريخ مثيلا كتهديداته أثناء الاعتداء الثلاثي على مصر ، ففي الوقت الذي أُذيعت هذه التهديدات ، كانت الدبابات السوفياتية تجتاح المتظاهرين في شوارع بودابست عاصمة المجر ، ولا أبالغ إذا قلت بأن العرب قد تجاوزوا في ذلك الوقت عن دور الإتحاد السوفياتي وشراكته للغرب في إقامة دولة اسرائيل ، ذكر زهير الشلق في كتابه في قفص الاتهام قبل حزيران عن مسئولٍ سوفياتي قوله : لم نقدِّم للعرب السلاح إلا بما يكفي لحاجات الدفاع لا الهجوم وعلى الشعب في اسرائيل أن يتذكر أن الإتحاد السوفياتي كان أول من دعا الى حظر توريد السلاح الى الدول العربية ، وان موسكو تريد سلامة اسرائيل ولا تسمح باستعمال السلاح الذي باعته للعرب ضد اسرائيل ، وإن المتتبع للأحداث في تلك الفترة يجد أن السلاح السوفياتي الذي هجّر نحو نصف مليون يمني خارج الحدود اليمنية ، واستعمل لمطاردة الفلاّحين باسم القضاء على بقايا الاقطاع ، وفي قصف المساجد واغتيال الناس بالجملة باسم القضاء على الرجعية وفي مطاردة بعض الحركات الإسلامية باسم التطرف . فقد كان لهذه الاسلحة الدفاعية الأثر البالغ في ايذاء اسرائيل عندما لم يقتصر على الأمور الدفاعية وكان ذلك في معركة تل النيرب في عهد ما يسمى بالانفصال في بعض الدول العربية إذ استطاع السلاح السوفياتي أن يسوق الدبابات الاسرائيلية الى ساحات العاصمة لتعرض على المواطنين ، وما حصل فقد أبعد أبطال تلك المعركة عن السلاح بعضهم بالإحالة الى التقاعد وقضى الآخرون شهوراً طويلةً وراء القضبان .
وقد قال محاضرٌ شيوعيٌ يومها معلقاً على المصير الذي لقيه أبطال تلك المعركة : إن حركات التحرير اليسارية في العالم العربي تحتاج الى السلاح لكي تكافح الرجعية العربية ، لأن القضاء عليها سيزيل عن اسرائيل خطر العدوان العربي وقال : إن شعار الاشتراكيين العرب في كل مكان هو السلام والتعايش السلمي
لقد ترتب على وعد بلفور ضياع فلسطين والذي يمكن أن يعتبر من الصفحات السوداء في تاريخ أمتنا . إننا لنذكر هذا التاريخ ، لا لنبكي على عزيز افتقدناه ، ولا على وطنٍ ضيعناه ، إنما املاً بأن يستيقظ النيام ، الذين نسوا أن هناك عدواً يتربص ، وأن هناك مخططات أخرى لا تنتهي للتوسع والاحتلال والاغتصاب .
إننا نتذكر ما تحسه الضمائر الحية المخلصة المؤمنة من مرارة حلقات الرجس في المؤامرة التي قام بها الكفرةُ ، يساعدهم في ذلك الأتباع الخونة من أبناء أمتنا الذين لم نَرَ في ظل حكمهم ، وتحت شعاراتهم ، إلا الخزي والعار والهزائم .
لقد أعطى بلفور وعده ، وكأنه يتصرف في مزرعة لأبيه ، لا إيماناً بحق الشعب اليهودي فحسب ، بل حفاظاً على مصالح سياسة وعسكرية واقتصادية لبلده أعطى هذا الوعد على حساب أهل فلسطين ، مما يوجب علينا أن نتذكر حقيقةً لا بد منها ، وهي أن المعركة الفاصلة مع هذا المغتصب لأرضنا ، أمرٌ حتمي لا بد منه ، وأن الإعداد بجميع ألوانه المادية والمعنوية فرضٌ لازم لقوله تعالى: ﴿ واعدوا لهم ما استطعتم من قوة ﴾ . وعلى هذا فإن الدماء التي تصبغ أرضنا على دربنا الطويل ، والدموع التي تبلل ثرانا صباح مساء ، والمشاعر المقلقة المخزية التي تكاد تملك علينا منافذ الحياة . ذلك ليس ضياعاً ولا هملا ، لأن علينا ونحن نحمل أعباء الجروح واثقال النكبة ، أن نفتح أعيننا على أمورٍ كثيرةٍ منها ، أن العدو هو العدو ، مهما اختلفت الأسماء لأن المسمى واحد ، والماء الآسن الذي يَرِدُهُ الجميع من الحقد والبغضاء وحب التسلط والاستغلال واحد والاتجاهات التي يرجعون اليها عند الحكم على هذه الأمة في ماضيها أو حاضرها أو عند تداول شأن من شؤونها واحدةٌ أيضا . ونحن نعيش هذه الأيام ، واحدة من ذكرياتنا المريرة ، تنـزل بسوادها الكالح على قلوبنا وهي ذكرى وعد بلفور فيجب أن نعلم أن كل اعدائنا صانعون كذلك ، بل وأشنع مما هنالك وامرٌ آخر جدير بالعناية ، هو أن تاريخنا مع اليهود ، بعيد المدى عميق الجذور ، وإذا كانت اليهودية قد تحالف معها الاستعمار واتباعه من أبناء أمتنا ، حتى أقام لها وطناً في أرضنا وعلى أشلائنا أولا . ثم عمل على تمييع القضية فاستبدل تحرير فلسطين بالبحث عن حلول أخرى للتّلَهي ليس إلا…والأمر ما يزال باقياً بيننا وبين اليهودية على ما هو عليه ، غصباً لأرضنا ، وتشريداً لأهلنا واخواننا وانتهاكاً لحرمات مقدساتنا ومآثرنا.
لقد كشف القرآن عن حقيقتهم وأظهر زيفهم وقدمهم للإنسانية كلها على ما هم عليه ، فقد أعطى الأحكام على اليهود ، وبيان من هم في عقيدتهم وسلوكهم ومُثُلِهِمْ التي لها يخضعون ، وإن الأمر لا يقتصر في تحديد المفهومات ورسم أبعادها عبر التاريخ ، على أن تكون قصةً تروى أو كلاماً مكرراً يعاد لكنه قرآنٌ يُتْلى ، وسنةٌ صحيحةٌ تتبع . وهكذا فإن المتتبع لآي الكتاب ونصوص السنه ووقائع السيرة ، يرى في اليهودية نموذجاً واضحا ، لألد خصم للحقيقة التي هي عقيدة التوحيد وشريعة الاسلام وسلامة السلوك ، بل وألد خصم لرسالة السماء ، ولكل ما فيه سعادة الانسان وكرامته .
والى جانب زيفهم الذي كشف عنه القرآن ، وما كان من سلوكهم المعوج المنحرف ، ترى وثيق التعاون بينهم ، وبين الوثنية والمنافقين ، تماماً كالذي حدث ويحدث اليوم من تعاونهم الملطخ بالأذى مع الاستعمار وسدنته ، وعندما كشف الإسلام عن حقيقة اليهود جنّد أبناءه للمعركة على أساس من العقيدة والوعي وحب التضحية في سبيل الله ، وصقل نفوسهم وهيأها لتحمل العبء ، مهما طال الطريق ، ولتظل على خط البناء تحمل القرآن ، وتتابع الطريق وتجدد العزم من أجل مواجهة الممارسات اليهودية الحاقدة وألا يقتصر ذلك على الشعب الفلسطيني وحده ، بل إن ذلك واجب على كل مسلم ، أن يهب لمساعدة المرابطين حول أكناف بيت المقدس ، والذين وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم في رباط حتى تقوم الساعة .
إن على المسلمين اليوم أن يُثْبِتوا ، أن ستين عاماً من الاحتلال ، لم تنسهم واجبهم نحوها . ولكن من المؤسف أن من بيدهم القيادة في هذه الأيام يتنافسون على إرضاء اليهود ، وتقديم التنازلات والاعترافات لهم ، رغم تماديهم وتجبرهم واهانتهم الضعفاء ، وانتهاكهم الحرمات وقتلهم الأبرياء .
فراحوا يقتلون إخواناً لنا في الدين ، وشركاءً لنا في الانسانية ، لا لشيء إلا لأنهم عَبَّروا عمّا أصابهم في مثل هذا اليوم ، الذي شُرِّدوا فيه ، من قبل هؤلاء الطغاة الذين أعمتهم شهواتهم عن طريق الحق ، وفتنتهم أهواؤهم عن جادة العدالة والصواب ، وأضلهم الشيطان سواء السبيل ، وزين لهم ما يعملون ، فراحوا يطلقون النار على الشعب الأعزل ، ليستحلوا دماءهم ويرتكبوا من الفظائع والمنكرات ما تقشعِّر منه الأبدان ، لقد أعملوا في رقاب إخوان لنا القتل واطلقوا في قلوبهم النار. لقد ساموهم من القتل ما لم تره الحيوانات في الجبال والغابات ، وكل ذلك بغير حق ، إلا أن يقولوا هذه ذكرى اغتصاب أرضنا ومقدساتنا ، الأمر الذي رفضه لصوص الانسانية وجزاري البشر وتجار المروءة وليت المصيبةَ قاصرةٌ على ذلك ، فمما يدعو للأسى ، أن ذلك يقابل بالصمت المخزي ، من قبل قادة العرب والمسلمين ، وكأنهم حيال ما يجري ، ضاربين صفحاً عن الإنسانية وكرامتها، وعن الدين وحرمته ، وعن الله ولقائه يوم يقال لهم ولأمثالهم ذوقوا ما كنتم تعملون .
أوما علم هؤلاء ، أن للضعفاء رباً قهاراً عزيزا ذي انتقام ، إن شاء قصم ظهورهم وأذل اعناقهم ، وزلزل الأرض من تحت أقدامهم ، وإن أمهلم فهو لا بد آخذهم مصداقا لقوله تعالى: ﴿ والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة حبطت أعمالهم هل يجزون إلا ما كانوا يعملون ﴾ الأعراف 147 . وقال تعالى : ﴿ وأملى لهم إن كيدي متين ﴾ الأعراف 183 .
الخامس عشر من أيار
