الخوارق ليست دليل الصلاح


قال تعالى : ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد ﴾ الحشر18. واحذروا أن تكونوا ممن قال الله فيهم : ﴿ استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أُوْلَئكَ حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون ﴾ المجادلة 19 . إن من نواقض الإسلام السحر ، وإن ظاهرة السحر والشعوذة تزداد نفوذا في بلاد المسلمين لضعف الإيمان في نفوسهم ، إذ الإيمان الدعامة الكبرى ، والوقاية العظمى من كل فتنة وشر ومكروه : ﴿ ومن يؤمن بالله يهد قلبه ﴾ التغابن11. وفى الحديث : ( إن الإيمان ليَخلََق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب، فاسألوا الله أن يجدد الإيمان في قلوبكم ) فحين يضعف الرجاء بالله، ويقل الخوف منه ويهتز جانب التوكل على الله ، والرضاء لما قدر ، واليقين بما قسم يتسامح بعض الناس بالذهاب للسحرة والمشعوذين فيزيدهم ذلك وهنا على وهنهم ، وتستلب أموالهم وعقولهم . وذلك يرجع لجهلهم بأحكام الشريعة ، وما جاء فيها من زواجر عن الذهاب إلى هؤلاء السحرة والعرافين، وما ورد في ذلك من ضرر على المعتقد والدين قال صلى الله عليه وسلم : ( من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة ) الحديث . أما إن سألهم وصدقهم فالخطب أكبر ، والخطر أعظم ، فقد روى الحاكم بسند صحيح عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من أتى عرافا أو كاهنا فصدقه فيما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ) وعند البزار بسند صحيح عن ابن مسعود موقوفا قال : ( من أتى كاهنا أو ساحرا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ) ولا يتعامل مع السحرة والمشعوذين إلا من جهل حالهم فتراهم فيذهبون ليستطبون عندهم ، وهم في الحقيقة لا يملكون من أنواع العلاج إلا ما يضر ولا ينفع ، تخرصات وأوهام وتمتمات وطلاسهم وكتابات تباع بغالي الأثمان ، وهي لا تساوي فلسا عند أولي الألباب بل ولو ذهبت ترقب أحوال هؤلاء المشعوذين الدينية والخلقية لرأيت العجب العجاب ، ولأيقنت أنهم أحوج الناس إلى العلاج ، وإن نصّبوا أنفسهم على هيئة الشيوخ وحذاق الأطباء والمصيبة في ظن أولئك المرضى أن شفاءهم يتم على أيدي السحرة والمشعوذين فراحوا يطرقون أبوابهم ويدفعون أموالهم وينتظرون الشفاء على أيديهم ، فكانوا كالمستجير من الرمضاء بالنار ، لأن هؤلاء المشعوذين ، غالباً ما يكونون ممن يعانون من ظروف اليأس والفقر والبطالة وممن يدّعون الكرامات الزائفة ، والهمم الباطنية التي لا تخلو من الدس الشيطاني فيتخذون شياطين الجن أولياء من دون الله ويدعون أنهم أولياء وأصحاب كرامات وأصحاب طرق ينسبونها للصوفية ويتخذون الجن أولياء من دون الله ، ويعرف هؤلاء بسلوكهم الذي يعتمد ضرب السيف وضرب الشيش والغيبوبة التي يتبعها التشنج وقراءة العزائم ، التي ما انزل الله بها من سلطان وكذلك الأقسام ، والممارسات التي تتنافى مع الشريعة نصا وروحا وما هي إلا طرائق شيطانية وشعوذة ، ولا علاقة لها بالكرامات والمشعوذ أو الساحر لة تعاون مباشر مع شياطين الجن والطواغيت منهم ، وهم جميعا داخل دائرة شيطانية ، يتبرأ الساحر فيها من الله وملائكته وكتبه ورسله ويعلن ولاءه الكامل لإبليس اللعين الذي له مئة اسم من الأسماء التي تدخل في العزائم التي يقرأها الساحر وله أسرار توزيع الخدمة وهي الطلاسم ، وعددها مئة وهي همزة الوصل لكل من دخل هذه الدائرة الشيطانية . ويقوم عُبّاد إبليس بذبح القرابين له ولمساعديه ، وهي عبارة عن ذبح لا يسمى عليه ، ويكون على نية شيطانية ويدهنون أجسامهم بدم هذه القرابين . وفروض عبادتهم تعظيم أسماء إبليس وتعظيم طلاسمه وتعظيم عرشه الفاني . كما أن أذية عباد الله ، والتلذذ بمعصية الله وتدنيس القرآن عندهم عبادة ، كما أنهم يعظمون الأسماء الشيطانية والطلاسم ، ويعرفونها من خلال الكتب والمكائد ويعملون بها ، ومنهم المنجم الذي يتوقع الغيب والعراف الذي يضرب الرمل ويقرأ الكف ويقرأ الفنجان ومنهم صاحب ألعاب السيم والمشي على الجمر وكلهم يدعي بأن ما يمارسونه علم ، نعم إنه علم ولكنه علم شيطاني ، وتلك أحوال شيطانية باطلة ، وأكثر أحوالهم من باب الحيل والبهتان ، ومن أراد أن يدخل النار فليدخل أولاً إلى الحمام ، وليغسل جسده بالماء الحار غسلاً جيدا ، ويدلكه بالخلّ والأُشنان لأنهم يطلون جسومهم بأدوية يصنعونها من دهن الضفادع ، وباطن قشر النارنج وحجر الطلق ، ثم يدخل بعد ذلك على النار إن كان صادقاً ، ولو فرض أن أحدا من أهل البدع دخل النار بعد أن يغتسل ، فإن ذلك لا يدل على صلاحه ولا على كرامته ، ولا يدل على صحة ما يدّعونه من مخالفة الشرع ، فقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أن الدجال الأكبر يقول للسماء أمطري فتمطر ، وللأرض أنبتي فتنبت وللخربة أخرجي كنوزك فتُخرج كنوزها تتبعه ، ويقتل رجلاً ثم يمشي بين شِقَّيه ، ثم يقول له : قم فيقوم ، ومع هذا فهو دجال كذّاب ملعون لعنه الله .
قال يزيد البسطامي : لو رأيتم الرجل يطير في الهواء ويمشي على الماء فلا تغتروا به ، حتى تنظروا كيف وقوفه عند الأوامر والنواهي .
وقد كثر في زماننا هذا من يقومون بأعمال مشكوك فيها منها الضرب بالشيش، وأكل الزجاج، والضرب بالخنجر ويدعون بأنهم أولياء لله ، ويعتبرون هذه الأعمال كرامات وهي في الحقيقة من أعمال الشعوذة والسحر والتلبيس على الناس المحرمة شرعا ، والتي يجب إنكارها والقضاء عليها، وليست تلك الظواهر الغريبة من الكرامات التي يظهرها الله تعالى على يد أوليائه المؤمنين تكريما لهم ولا علامة على صلاح من ظهرت على يده؛ لأن أولياء الله هم أهل الإيمان والتقوى المعروفون بطاعة الله ورسوله كما قال تعالى : ﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ﴾ . وهنا سؤال هل مجرد خرق العادة يدل على ولاية من وقع الخارق على يديه ؟ يقول الحافظ ابن حجر : إن الذي استقر عند العامة من خرق العادة يدل على أن من وقع له ذلك من أولياء الله تعالى, وهو غلط ممن يقوله فان الخارق قد يظهر على يد المبطل من ساحر وكاهن وراهب, فيحتاج من يستدل بذلك على ولاية أولياء الله تعالى إلى فارق, وأولى ما ذكروه أن يختبر حال من وقع ذلك على يديه ، فان كان متمسكا بالأوامر الشرعية والنواهي كان ذلك علامة ولايته ومن لا فلا . فتح الباري: 7 442 كما أكثر ابن تيمية القول وهو يذكر أحوال أقوام قد تطير بهم الشياطين, وتنقلهم من مكان إلى آخر, وقد تتجسد في هيئات بعض المشائخ أمام مريديهم وتلاميذهم مع بعد المسافات بينهم, إلى غير هذا من صور خوارق العادات, وأرجع ذلك كله إلى أن الشياطين هي التي تقوم بهذه الأعمال, لا يبعد أن يكون من أسباب وقوع خوارق العادات على أيدي المبطلين والمدعين, الاستعانة بالجن وقد سمعت من أكثر من واحد من أصحاب التجارب مع بعض “الشيوخ” حول حقيقة ما يسمى بالكرامات, كالطعن بالسيوف والخناجر, والضرب بالشيش وأكل الزجاج, أو مكاشفة الحجب حتى تتراءى لهم الكعبة, أو يروا الملائكة, أن كل ذلك يقع بفعل الاتصال بالجن وهم الذين يقومون بهذه الأفعال على الحقيقة ، نحن لا ننكر أن هناك عجائب خارقة تقع للناس. بيد أنها تقع للمؤمن والكافر، والبر والفاجر. فلو أن رجلاً سار على الماء دون أن تبتل قدماه ما دل ذلك على صلاحه، لأن مناط الصلاح بما شرع الله من عمل وإيمان ، وإن كرامات الأولياء ليست كخوارق السحرة والكهنة والعرافين، وإذا كان بين كرامات الأولياء وخوارق السحرة والكهنة والعرافين فرق فمن باب أولى الفرق بين معجزة النبي وخوارق السحرة ولهذا فإن الخوارق التي يدعيها الكهان والعرافون والرمالون لا بد أن يصاحبها الكفر؛ لأنها خضوع لشياطين الجن، ومعلوم أن الجن لهم من الاقتدار على الأشياء ما ليس لبني آدم فيتحركون حركة هي في نظر الجن حركة معتادة ، وتكون في نظر الإنس حركة خارقة قال تعالى: ﴿ قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ ﴾ النمل 39 .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *