الخوف على الإسلام من المحرّفين

من الناس من تنطبع في نفوسهم الحقيقة كاملة فإذا تحدثوا كان كلامهم مصداقاً لها ، وإذا عرضت عليهم قضية كان فصلهم فيها تجاوباً مع الحقيقة فهم كما قال تعالى ﴿ أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ﴾الأعراف . وهناك ناسٌ يحرّفون الحقيقة فلا تسمع منهم إلا قرقعة وقرقعة وقد تفهم منهم شيئا أو لا نفهم شيئا ، ومهما ناقشتهم فلن تخرج إلا بصداعٍ في راسك ، لأن الحقيقة لا تصيب من قلوبهم هدفا ولا تجد بها مقرا ، فهم كما قال تعالى :﴿ أمواتٌ غيرُ أحياء ﴾النحل .نرى كثيراً ممن يؤدون الفرائض المكتوبة والعبادات الرتيبة وهم في شبه غيبوبة لا يدركون معانيها ، ولا تحصل في نفوسهم حكمتها ، لأنهم يعرفون القليل ويجهلون الكثير ولا يتقون الله فيما يعرفون وكثيراً ما يرتكبون الإثم ويثيرون الفتن ، جاهلين أن قيمة الإنسان في الدنيا والآخرة ترتبط بمدى صلاحية قلبه للعبادة الصحيحة والحكم الصحيح ، لا في حالة معينة ، بل في كل شئون الحياة كلها فتقدم الأمة وتأخرها منوطٌ بمدى ما لديها من أصحاب هذه القلوب الواعية ، التي تتصل بالعالم وأحداثه ، والأمة تواجه أعداءً حاقدين فهل نلقاهم برجالنا الواعين ، أم بأنصاف المتعلمين ، ليقودوا الأمة إلى الهاوية ؟ الذين يتركز محور نشاطهم على القشور ، التي تتعلق ببعض الأحكام الفرعية ، فيؤثرون فيها رأياً ويقاتلون الرأي الآخر ، وقد يرون العادة عبادة والنافلة فريضة ، والشكل موضوعا ، ولعل ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم : ( ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب ) فيه إشارة إليهم وإلى أصحاب القلوب الواعية النقية ، بأن يكون قلباً محباً للناس عطوفاً عليهم ، لا يفرح في زلتهم ، ولا يشمت في عقوبتهم ، بل يحزن لخطئهم ويتمنى لهم الصواب ، فالدين إن لم يكن وجهاً طليقاً ، وروحاً سمحة ، وسيرةً جذابة ، وافتقاراً إلى الله ، ورجاءً في رحمته الواسعة ، فماذا يكون ؟ أما علم أن القلب القاسي والغرور الغالب هما أدل شيءٍ على غضب الله ، والبعد عن صراطه المستقيم ، من السهل أن يرتدي الإنسان لباس الطاعات الظاهرة ، على كيانٍ ملوث ، وباطن معيب ، ليس لديه فقه وليست لديه تربية ، يرى أن الدين كله لديه وأن الفسق والفجور عند معارضيه ، ونحن نعلم أن من يقرأ القرآن ويحفظه ، ويقيم الصلوات ويدعو إلى إقامتها ، ويحترم حدود الله ويكره اعتداءها ، لا يتهم بالفسق ، فما هذا بإسلام وما يُخْدم الإسلام بهذا الأسلوب ، ورحم الله علياً رضي الله عنه عندما قال : قصم ظهري رجلان ” عالم فاجر وعابدٌ جاهل ” نعم فقد أفسد الدينَ أنصافُ المتعلمين ، فلا هم جهلة حتى يسألوا ، ولا هم علماء حتى يفقهوا ويدركوا ، فمن يعرف جزءاً من الحق ويجهل جزءاً آخر ، ينطبق عليه قول القائل :
فقل لمن يدعي في العلم معرفةً حفظت شيئاً وغابت عنك أشياء
فلماذا لا يعرف المرء ويتفقه في الدين ، ويزداد علماً بالكتاب والسنة ، بدلاً من أن ينحصر في حظه التافه من المعرفة ، ويتحصن داخله لقذف المخالفين بالأحجار ، ذكر الراغب الأصفهاني هذه القصة :” سأل رجلٌ جاهل حكيماً عن مسألة دينية ، فأعرض عنه ولم يجبه فقال له السائل : أما سمعت قول الرسول صلى الله عليه وسلم ( من سئل عن علمٍ يعلمه فكتمه ألجم بلجامٍ من نار يوم القيامة ؟ ) قال الحكيم بل سمعته ، أترك اللجام هاهنا واذهب ، فإن جاء من ينفعه علمي ، وكتمته فليلجمني به ” والحق أن هناك أناساً يتكلمون في الإسلام ، يود الدين لو خرسوا ، فلم يسمع لهم صوت . فهذه هي الظاهرة القاصمة لعرى الوحدة والأخوّة بين المسلمين , فكلامهم يخالف منهج النبوة وأحكام الشريعة ، وتعاليم الإسلام جملةً وتفصيلاً، لأنها تغري العداوة والبغضاء ، وتكسر شوكة الأمة ، وتسقط هيبتها ، وتسهّل على العدو ضربها واستئصالها ، وهذا كله يخالف صريح قول الله تعالى :﴿ ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعدما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم ﴾ وقوله سبحانه : ﴿ ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم﴾ فالدعوة تكون بالتي هي أحسن ، باللفظ اللين وبإيضاح الحجة ، والإيغال في البيان، ونفي الشبهات ،ورد التساؤلات ، وتزييف الخرافات ونقض ساقط الاعتراضات ، بالأساليب اللائقة بالمخاطبين ، مع بعد عن التقعر والتنطع ، مما كانت العقول تتقبله ، والفطر السليمة تستسيغه ، فلم يكن في الدعوة تعنيف ولا تشدد ، بل تفتح وسعة صدر ، ورقة في الأسلوب ، مع ضرب الأمثال ، وسرد البراهين وبيان الحجة بالحجة. ومما ذكره الإمام النووي في هذا الباب قوله : ” واعلم أن مذهب أهل الحق أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة بذنب ولا يكفر أهل الأهواء والبدع ، وأن من جحد ما يعلم من دين الإسلام بالضرورة ، حُكم بردّته وكفره , إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام ، أو نشأ ببادية بعيدة ونحوه “شرح مسلم .
لقد خلق الله الإنسان ، ليكون خليفةً في الأرض ، يعمرها بالخير والفضيلة والهدى ويدعو إلى العدل والمساواة ، والعطف والرحمة والأخذ بيد الضعيف ، وإغاثة الملهوف وتوجيه المجتمع بقدر ما يستطيع ، إلى وسائل الفلاح والصلاح ، ولكي تتحقق الحكمة الإلهية في خلق الإنسان ، فإنه لا بد لقوة الخير في الإنسان ، من مدد يعينها ويقويها على سد منافذ الشر والطغيان ، وعلى استخدام الشهوة والغضب ، فيما يحفظ له نوعه وكيانه ، ولا شك أنه لو تُرك الإنسانُ ونفسه ، فانه لا يستطيع أن يحفظها من الاندفاع إلى الشر وسبيل الضلال ، بما ركب فيه من شهوة وغضب ، اندفاعا يصل في كثير من المواطن إلى حد استباحة انتهاك الأعراض ، وسفك الدماء ، وسلب الحقوق ، ملبياً ومستجيباً لبريق الدنيا وزخرفها وشهواتها ومغرياتها فيغلب شرُه خيره ، وفسادُه صلاحه ، عاجزاً عن تحقيق التوازن ، بين دواعي الخير ، ودواعي الشر وتنعكس عندئذ حكمة خلق الإنسان وجعله خليفة في الأرض ، وإن التغيير المنشود الذي تنتقل به الأمم من الفساد إلى الصلاح ومن الانحراف إلى الاستقامة، ومن الضعف إلى القوة، لا يتم إلا بتغيير الإنسان من داخله كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾الرعد11. وهذا ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم مع العرب ، غيّر ما بأنفسهم، فغيّر الله ما بهم ، غيّر معتقداتهم ومفاهيمهم وأفكارهم وقيمهم وأهداف حياتهم ، فأنشأهم خلقا آخر، وأصبح عربيّ الإسلام غير عربيّ الجاهلية، في أهدافه وأخلاقه وسلوكه وعلاقاته. وبهذا انتقلوا من رعاة للغنم إلى رعاة للأمم، وأخرجوا الناس من عبادة الأشياء والأشخاص، إلى عبادة الله وحده ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ووسطيتة : ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ ﴾ البقرة 143 .

 

 

 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *