نظرتُ في دُنيا الناسِ فرأيتُ أعظمَ ما يَشغلُهم الكلام عن الناس ، ولو اشتغل الناسُ بذكر الله، وصرَفوا لذلك مِنْ أوقاتهم وأعمارهم ما يَصرفونه بذكر الناس وحكاياهم وقصصهم وأمورهم – حلالاً وحرامًا – لصاروا مِنْ كبارِ العُبَّادِ والصالحين، وارتفعتْ منازلُهم عالية في مراتِب المقرَّبين ـ قال الإمام أحمد بن حنبل يخاطب بعض أصحابه: “اعلموا أن الرجل من أهل العلم ، إذا منحه الله شيئاً من العلم، وحُرِمَهُ قرناؤه وأشكاله حَسَدوه، فرموه بما ليس فيه، وبئستِ الخصلةُ في أهل العلم” . فإذا حصل هذا من (بعض) أهل العلم، فلا يُستغرب حصوله ممّن هو دونهم ، سأل الإمام أحمد بن حنبل حكيماً فقال : يا حكيم كيف أسلم من الناس أخبرني . قال الحكيم: بثلاث ، تعطيهم ولا تأخذ منهم ، تقضي حقوقهم ،ولا تطالبهم بحقوقك ، وتصبر على أذاهم وتحسن إليهم ولا تسؤهم . فقال الإمام أحمد : إنها لصعبة ، فقال الحكيم : وليتك تسلم ” وليت للتمني فقد تسلم وقد لا تسلم , وهذا التوصيف كان في زمن الإمام أحمد بن حنبل !! أما في زماننا ، فلن تسلم ، بل تفتح على نفسك أبواباً من كلام الناس فمن الناس إذا رضوا مدحوا ، وإذا سخطوا شتموا ، فإرضاء الناس غاية لا تدرك . احرص على ما ينفعك ودع كلام الناس تأملتُ حال الناس فإذا بهم تطاولوا وتكلموا على كل شيءٍ ، يقول الإمام الشافعي : ” من يظن إنه يسلم من كلام الناس فهو مجنون ، قالوا عن الله ثالث ثلاثة ، وقالوا عن نبينا محمد ساحر ومجنون ، فما ظنك بمن هو دونهما ؟ ” . فكلام الناس مثل الصخور ، إمّا أن تحملها على ظهرك فينكسر أو تبني بها برجًا تحت أقدامك فتعلو وتنتصر”! احتفِظ بكرامتك ، قدّس هدُوءك وتجاهل ما يقوله النّاس عنك ، دعهم يُثرثرون بما يريدون ، الأهم أن ترضيَ الله ، كُن اصم عن كلام الناس ، ابكم عن عيوبهم ، اعمى عن عوراتهم ، من اعتز بمنصبه فليتذكر فرعون ، ومن اعتز بماله، فليتذكر قارون ، ومن اعتز بنسبه، فليتذكر ابو لهب إنما العزة والجلالة لله وحده سُبحانه..” وفي مجتمعاتنا ، المطلقة ، تخشى كلام الناس الأرملة تخشى كلام الناس العاطل عن العمل ، يخشى كلام الناس ، الفقير يخشى كلام الناس ، العانس تخشى كلام الناس ، فما الحل ؟ الحل أن ننزّه ألسنتنا عن الخوض اعراض الناس ، وأن نتثبّت فيما نقوله عن الناس ،روى أبو نعيم في الحلية : “عن أبي قلابة قوله: إذا بلغك عن أخيك شيءٌ تكرهه فالتمس له العذر جُهْدَك فإن لم تجد له عذراً فقل في نفسك: لعلّ لأخي عذراً لا أعلمه”. وقال الشافعي : “ليس إلى السلامة من الناس سبيل، فانظر الذي فيه صلاحُك فالْزمْه”.
الخوف من كلام الناس، ظاهرة اجتماعية خطيرة، وهي قضية اهتم بها الدين، وحذّر منها الشرع الحكيم، وأثبتت في كتاب الله عز وجل، وفي سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، يقول الله تعالى ﴿ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ، وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾. فهذه وصفة ربانية، وعلاج ناجع لمن ضاق صدره من كلام المغرضين، والسفهاء المثبطين .
إن الناس بسبب بعدهم عن امتثال أمر الله عز وجل ونهيه، لا يتورعون عن تسليط ألسنتهم على غيرهم، ولا يكترثون بما يقولونه عن مسلم من إخوانهم، ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ)، وقد صدق صلى الله عليه وسلم، كيف تكون مسلماً حقيقياً، ولسانك يتسبب في ضيق صدر إخوانك، تغتابهم، وتحط من قدرهم، وتكذب عليهم، وتصفهم بما هم منه براء ، فهذا من قول الزور الذي حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم، كما في الحديث، الذي رواه البخاري في صحيحه، قال صلى الله عليه وسلم يسأل الصحابة: (أَلاَ أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الكَبَائِرِ؟» ثَلاَثًا، قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ – وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا فَقَالَ – أَلاَ وَقَوْلُ الزُّورِ»، قَالَ راوي الحديث: فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ).
إن الخوف من كلام الناس، قضية يجب على المسلم، أن لا يأبه بها، ولا يجعلها مانعاً له من فعل ما يقربه من الله عز وجل، وما يبعده عن غضبه يقول الله تعالى: ﴿ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ ، وفي الحديث الذي صححه الألباني يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (مَنِ الْتَمَسَ رِضَا اللَّهِ بِسَخَطِ النَّاسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَأَرْضَى النَّاسَ عَنْهُ، وَمَنِ الْتَمَسَ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ اللَّهِ سَخَطَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَأَسْخَطَ عَلَيْهِ النَّاسَ). وفي حديث آخر صحيح، عن عائشة رضي الله عنها تقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (مَنِ الْتَمَسَ رِضَا اللَّهِ بِسَخَطِ النَّاسِ، كَفَاهُ اللَّهُ مَئُونَةَ النَّاسِ، وَمَنِ الْتَمَسَ سَخَطَ اللَّهِ بِرِضَا النَّاسِ، وَكَلَهُ اللَّهُ إِلَى النَّاسِ). فاحرص على ما ينفعك، ودع الناس وكلامهم:
لا تلتفت إلى تخذيل حاسد ولا إلى شماتة هامز
فالإنسان لا يسلم من كلام الناس وخاصة من الغيورين والحاسدين ومن جعل همه كلام الناس فلن ينجح في حياته إذ إنه من الصعب والعسير إرضاء جميع الناس!! ومن جعل كلام الناس مبعث همه الوحيد، عاش عيشة ضنكا وخسر الأهل والأقرباء
وفي الصحيحين مِن حَدِيثِ أَبِي شُرَيحٍ العَدَوِيِّ رضي اللهُ عنه: أَنَّ النَّبِيَّ صلى اللهُ عليه وسلم قَالَ: “مَن كَانَ يُؤمِنُ بِاللَّهِ وَاليَومِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيرًا أَو لِيَصْمُتْ” . وروى الإمام أحمد في مسنده مِن حَدِيثِ عَبدِ اللهِ ابنِ عَمرٍو رضي اللهُ عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: “مَن صَمَتَ نَجَا” . وروى الترمذي في سننه مِن حَدِيثِ عُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ رضي اللهُ عنه قَالَ: قُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا النَّجَاةُ؟ قَالَ: “أَمْسِكْ عَلَيكَ لِسَانَكَ، وَلْيَسَعْكَ بَيتُكَ، وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ” . قال الإمام النووي: اعلم أنه ينبغي لكل مكلف أن يحفظ لسانه عن جميع الكلام إلا كلامًا تظهر المصلحة فيه، ومتى استوى الكلام وتركه في المصلحة فالسنة الإمساك عنه لأنه قد ينجر الكلام المباح إلى حرام أو مكروه، بل هذا كثير وغالب في العادة، والسلامة لا يعدلها شيء. اهـ
أنه ينبغي للمؤمن أن يكون جادًا في حياته، حافظًا لوقته، مشتغلًا بما ينفعه، كما وَرَدَ فِي الحَدِيثِ: ( احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ ) وأن يكون بعيدًا عن سفاسف الأمور، مترفعًا عن الرذائل، وما يثلم المروءة .
