الخيانة سبب مصائبنا

إن أمتنا الإسلامية تمرُّ بمحَنٍ عظيمة ونوازلَ شديدة ، ونكَبات ساهم فيها بشدة تعرّض الأمة لخيانات متعدّدة، تارة من أعدائها، وتارات من أبنائها ولقد أحسن القائل :
يُخادعني العدو فلا أبالي وأبكي حين يخدعني الصديق
فالخيانة قاسية ومريرة ، ولكن الأقسى ، أن يخونك من تتوقّع منه العون، فبسلاح الغدر والخيانة ، تجرعت الأمة ، وتتجرع بسببه المرارات ، ولهذا جاء التحذير من الخيانة، في قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ الأنفال 27. لأن الخيانة ، متى ظهرت في قوم ، أذنت عليهم بالخراب، فلا يأمن أحد أحدًا ويحذر كلُ واحد من الآخر، وتنعدم الثقة ، والمودة الصادقة ، فيما بين الناس، جاء في الأثر: ( لا تقوم الساعة حتى لا يأمن المرء جليسه ) وينقطع المعروف فيما بين الناس ، مخافة الغدر والخيانة ، ومن قصص العرب : أن رجلاً كانت عنده فرس ، معروفه بأصالتها سمع به رجل ، فأراد أن يسرقها منه، واحتال لذلك ، بأن أظهر نفسه ، بمظهر المنقطع في الطريق ، عند مرور صاحب الفرس ، فلما رآه نزل إليه وسقاه ، ثم حمله ، وأركبه فرسه، فلما تمكن منه ، أناخ بها جانبًا وقال له: “الفرس فرسي وقد نجحت خطتي وحيلتي” فقال له صاحب الفرس: لي طلب عندك ، قال: وما هو؟ قال: إذا سألك أحد: كيف حصلت على الفرس؟ فلا تقل له: احتلت بحيلة كذا وكذا ولكن قل: صاحب الفرس أهداها لي، فقال الرجل: لماذا ؟ فقال صاحب الفرس: حتى لا ينقطع المعروف بين الناس، فإذا مرّ قوم برجل منقطع حقيقة يقولون: لا تساعِدوه ، لأن فلانًا قد ساعد فلانًا فغدر به ، فنزل الرجل عن الفرس ، وسلمها لصاحبها ، واعتذر إليه ومضى.
والخيانة مذمومة حتى مع الكفار والخونة، قال تعالى : ﴿ وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ ﴾ الأنفال 58 ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك ) ، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يرضَ أن يتَّخذ الخيانة وسيلة ، حتى في حقِّ كافر محارب لله ورسوله فإذا كان النهي عن الخيانة ، في حق كافر محارب فما مدى جرم أولئك ؟ الذين لا تكون خيانتهم إلا مع المسلمين؟! وكيف بالذين لا تكون خيانتهم إلا في حق مؤمنين موحدين، لا يرقبون فيهم إلا ولا ذمة؟!
إن ظاهرة الخيانات في العالم العربي ، تستحق الوقوف عندها ، والتعامل معها بجدية ، فهي ظاهرة متكررة ، تمتد إلى أبعاد تاريخية ، وترجع في مستوياتها السياسية ، إلى طابع الكثير من نظم الحكم المعاصرة ، التي قامت أصلا على الخيانات من خلال انقلابات على أنظمة سبقتها ، لتأتي بنظم لا تثق الشعوب في حكامها ، لأنهم يعرفون أن الحاكم الذي تأتي به هذه الانقلابات ، عندما ينظر في المرآة ، لا يرى سوى نفسه ، وأن كلامه عن مصالح شعبه ، واهتمامه بهم ، مجرد كلام للاستهلاك المحلي ليس إلا ، قالوا في الحكايات : أن حاكماً عربياً ، وجد مصباح علاء الدين ، ولما خرج له العفريت ، قال له الحاكم: عاوزك ترجع لي أبويا ، اللي مات من عشر سنين ، فقال له العفريت : هذا صعب جداً فقال له الحاكم طيب أنا عاوز أكون حاكم محبوب ،كل الشعب يسبح بحمدي ، رد عليه العفريت ساخراً: لا أجيب لك أبوك أسهل “.
وقد دلت الوقائع التاريخية على أن الخيانات السياسية ،كانت من أشد الخيانات ، لأنها لا تؤثر فقط ، على مجموعة أفراد أو مجتمعات ولكنها قد تؤثر على مصير أمم بأكملها ، ونذكر هنا على سبيل المثال ، حوادث فاصلة في تاريخ أمتنا ، بدءً بابن العلقمي، ومروراً بالمعلم يعقوب ووصولاً إلى بعض الزعماء المعاصرين، وابن العلقمي، اسم يدل على الخيانة والغدر، فقد كان وزيراً للخليفة العباسي المستعصم، وكان هذا الوزير الرافضي ، يخطط للقضاء على دولة الخلافة، وإبادة أهل السنة، وإقامة دولة على مذهب الرافضة، فاستغل منصبه، وغفلة الخليفة لتنفيذ مؤامراته ضد دولة الخلافة، كاتب التتار وأطمعهم في احتلال البلاد، وسهل عليهم ذلك وحكا لهم حقيقة الحال ، وكشف لهم ضعف الرجال ، ونهى عن قتال التتار، وثبط الخليفة والناس ، وهكذا فتح هذا الخائن ، أبواب بغداد لجيوش هولاكو ، التي دمرت الحضارة العباسية وقتلت مليونين من المسلمين
أما يعقوب النصراني فقد تواطأ مع الحملة الفرنسية ضد مصر، وكوّن كتيبة مقاتلة انضمت إلى القوات الفرنسية، ليحارب المصريين المسلمين ، الذين نشأ بينهم ، وأكل من خير بلدهم ولم يغفل التاريخ دور نفر من أصحاب القرار المعاصرين ، ونقلهم الأخبار الهامة والسرية للعدو الصهيوني ، فهو معروف ومتاح للجميع ويتحدث عنه القاصي والداني .
إن قضية فلسطين ، قضية كل مسلم، وإن خيانة هذه القضية ، ليست جديدة ، فقد اطلعت على بعض الوثائق حول التاريخ الخياني ، والذي يدل على أن التاريخ يعيد نفسه في غزة ، قرأت رسالة من أحد أصحاب القرار ، إلى الرئيس جونسون وهى وثيقة حملت تاريخ 27 ديسمبر 1966 الموافق 15 رمضان 1386 ، وهي من الوثائق المحفوظة في مركز الوثائق التابع للمكتبة البريطانية
هذه الوثيقة ، تكشف علاقة بلاده بالمخابرات الأمريكية بشكل عام ، باعتبارها من تسلم أمر بلاده ، من المخابرات البريطانية ، بعد الحرب العالمية الثانية ،وتكشف الوثيقة ، علاقات بلاده بإسرائيل ، بل إنه يطلب من الولايات المتحدة مساعدة إسرائيل ، لضرب بعض البلاد العربية بسبب دعوتها لمنهج الوحدة العربية ، كما تبذل بلاده جل جهدها ، لتقويض أي عمل عربي مشترك ، ولتقويض فكرة الوحدة العربية التي كانت ناشطة في ذلك العصر (عصر الستينات والسبعينات) وجاء في الوثيقة دعوة إسرائيل للاستيلاء على الضفة الغربية ، كي لا يفسح المجال للفلسطينين ، بالمطالبة بحقوقهم. أما الخيانات الفردية ، في ظل الاستضعاف العربي فهي بمثابة ذريعة ، لضرب شعوب بأكملها، تلك الشعوب العاجزة ، نتيجة القهر والاستبداد ، عن أن تفرق بين الحق والباطل، وبين العدو والصديق هناك مقولة للسير ونستون تشرشل- عندما سئل عن رأيه بالشعوب- قال جملة تاريخية ، ولم يلتفت إليها احد ، إلا بعد ما يقارب قرن من الزمان قال : ” إذا مات الانجليز تموت السياسة وإذا مات الروس ، يموت السلام ، وإذا مات الطليان ، يموت الإيمان ، وإذا مات الفرنسيون يموت الذوق ، وإذا مات الألمان ، تموت القوة وإذا مات العرب ، تموت الخيانة ” ولا أدل على ذلك ، من عجز الجيش الذي دمر القدرات العسكرية المصرية في ستة أيام ، واحتل الضفة والجولان ، هذا الجيش أثبت عجزه عن النيل من القدرات العسكرية للمقاومة ، بعد قرابة شهر من القصف والتدمير ، وهي تتصدى للعدوان الصهيوني ، الذي جن جنون قادته ، وأصابهم الصرع ، من صمود المقاومة ، وقيامها بعمليات بطوليه نوعيه ،لم تكن في حساباتهم ، وحسابات من تآمر معهم ، من أصحاب المواقف المخجلة المتخاذلة ، والمتآمرة مع العدو الصهيوني وستبقى المقاومة الفلسطينية ، بما تسطره من بطولات ، هي من يحمل مصباح الكرامة ، لتنير به الطريق ، لمن أراد السير فيه ، وسيبقى أهل غزه عنوان العزة ، للعرب مادام للعزة بقيه ، وكما تأبى الخيانة أن تفارق أهلها ، فإن الكرامة تأبى أن تفارق أهلها . وإننا لندعوا الله أن ينصر المقاومة في غزه ، وان يثبت أقدامهم ، وان يهزم اليهود ومن والاهم وأيدهم شر هزيمة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *