الدخان بين التحريم والإباحة


الفريق الذي يحرّم الدخان يعطيه حكم الخبائث ، والدخان من الخبائث ، ومعيار هذا الفريق للخبائث معيار عقلي ، أي ما يعتبره العقل خبيثاً فهو خبيث ، وما يعتبره طيباً فهو طيب ولذلك يعتبرون الدخان حراما بدليل قوله تعالى : ﴿ ويحل لهم الطيبات ويحرّم عليهم الخبائث ﴾ .
أما الفريق الذي يبيح الدخان ، فيعطيه حكم الإباحة ، استناداً إلى القاعدة ” الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد دليل التحريم ” ولا يعطيه حكماً خاصاً به ، لعدم ورود نص خاص به ، ولا يقيسه على شيء من المطعومات ، لأنها لا تعلل ، والقياس لا يكون إلا فيما يلتمس له عله ، ولا يُلْحقه بالخبائث ، لأن معياره للخبائث ، معيار شرعي ، والشرع لا يعتبر الشيء خبيثاً إلا إذا كان محرّما بنص خاص به ، ويستدلون لرأيهم بإباحة الدخان بقوله تعالى : ﴿ ألم تر أن الله سخّر لكم ما في الأرض جميعا ﴾ ومعنى تسخير الله جميع ما في الأرض للإنسان هو إباحته لكل ما في الأرض ، من حيوان وشجر وحجر ، ولا يصبح واحد منها حراما ، إلا إذا ورد نصٌ خاصٌ به يحرّمه ، أو نصٌ عامٌ يشمله ويحرّمه ، كما ورد النص بالتحريم في قوله تعالى : ﴿ حرّمت عليكم الميتتة والدم ولحم الخنزير ﴾ وهذه مستثناة من حكم الإباحة ، واكتسبت حكم التحريم بالنص على تحريمها ولما سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن تحريم الجاهلية للبحيرة والسائبة والوصيلة والحام _ والبحيرة : الناقة تشق أذنها وتخلى للطواغيت إذا ولدت خمسة أبطن آخرها ذكر ، والسائبة : الناقة تسيب للأصنام لنحو برء من مرض أو نجاة في حرب ، والوصيلة : الناقة تترك للطواغيت إذا بكّرت بأنثى ثم ثنّت بأنثى ، والحام : الفحل لا يركب ولا يحمل عليه إذا لقح ولدُ ولده _ ثم تلى عليهم قوله تعالى : ﴿ قل لا أجد فيما أوحي إلىّ محرّما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتتة أو دماً مسفوحا أو لحم خنزير ﴾ وهكذا ظل التحريم مقتصراً على الأشياء الثلاثة : الميتتة والدم ولحم الخنزير ، وما سألوا عنه ليس بحرام لأن الأصل فيه الإباحة ولم يرد فيه نص يحرّمه ، ثم نزلت الآيات تستثني أفراداً أخرى من حكم الإباحة فتخرجها من الطيبات وتلحقها بالخبائث المحرّمة فقال تعالى : ﴿ حرّمت عليكم الميتتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام ذالكم فسقٌ اليوم يئس الذين كفروا من دينكم ……..الآية ﴾ المائدة 2 – الدمُ : الدم المسفوح وهو السائل ، لحمُ الخنزير : يعني الخنزير بجميع أجزائه ، ما أُهل لغير الله به : ما ذُكر عند ذبحه اسمُ غيره تعالى ،المنخنقة : الميتةُ بالخنق ، الموقوذة : الميتةُ بالضرب ، المتردية : الميتةُ بالسقوط من علو ، النطيحة : الميتةُ بالنطح ، ما أكل السبع : ما أكل منهُ فمات بجرحه ، ما ذكيتم : ما أدركتموه وفيه حياة فذبحتموه ، النصب : حجارة حول الكعبة يعظمونها ، تستقسموا : تطلبوا معرفة ما قُسم لكم ، بالأزلام : قداحٌ معلمةٌ معروفةٌ في الجاهلية ، ذلكم فسق : خروج عن طاعة الله إلى معصيته ، اضطُرًّ : ألجَأته الضرورة للتناول منها ، مخمصة : مجاعة شديدة ، مُتجانف لإثم : مائل إليه بتجاوز قدر الضرورة – ثم حرّم النبي صلى الله عليه وسلم كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير وحرّم لحوم الحمر الأهلية ، ولم يرد ذكر نوع من النباتات يندرج تحت شجرة الدخان فظل الدخان على أصل الإباحة وعل هذه الآية بنى الشافعي تحليل كل مسكوت عنه أخذاً من حصرها تحريم هذه الأشياء ، إلا ما دل عليه الدليل واعتبار الدخان من الخبائث غير وارد عندهم ، لأن الطيبات والخبائث التي وردت في الآية معناها الحلال والحرام ، فلفظة الطيبات كما قال الشافعي مختصةٌ فيما حلله الشرع في المحرّمات بالشرع ، ولذلك حتى نعطي الدخان وصف الخبث ، لا بد وأن يكون تحريمه سابقاً لوصفه ، ولا يكون الشيء حراما إلا إذا ورد نصٌ بتحريمه ولذلك فالدخان حتى نعطيه وصف الخبث لا بد أن يكون تحريمه سابقً لوصفه ، ولا يكون الشيء حراما بتا لا بد أن يكون تحريمه سابقً لوصفه ، ولا يكون الشيء حراما إلا إذا ورد نص ٌبتحريمه ، ولذلك لا يوصف بانه خبيث ، ولا يجوز إلحاقه بالخبائث ، بل يظل على حكم الأصل وهو الإباحة ، ولا يخرج عن هذا الأصل إلا إذا أوصل شربه إلى ضرر ، عندها يصبح حراما لقوله عليه السلام : ( لا ضرر ولا ضرار ) وعملاً بالقاعدة الشرعية التي تنص على أن : ” الفرد من أفراد المباح إذا أوصل إلى ضرر يمنع ” .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *