الذل بين الأمس والحاضر

قال تعالى :﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ﴾ يمكننا أن نفهم من الآية أن فقه الاستضعاف غير مقبول وأن تعميمه على الأمة بعبارات الذل والهوان مرفوض وغير مقبول وقديماً قال الشاعر :
لا تسقني ماء الحياة بذلة بل فاسقني بالعز كأس الحنظل
كم هو بليغ ذلك البيت الذي يصف مدى مرارة حياة الذل وأنها أشد على الإنسان من كأس من الحنظل , إنها أشبه بالموت بل إن الموت للإنسان أشرف منها .
قد يعيش الإنسان عيشة الذل بعد العز ، يروي التاريخ كيف عاش البرامكة في العصر العباسي عيشة العز ، وما آل إليه حالهم ، كما هو حال عصابة الفساد في العصر الحديث ، ظلم وطغيان وتجبر وتكبر وفساد وانحلال ، واستغلال سلطتهم لسرقة شعوبهم واستخدام وسائل القهر لتكميم أفواههم وكبت حريتهم .
ذكر الذهبي في كتابه الكبائر: لما حُبس خالد بن برمك وولده قال: يا أبتي بعد العز صرنا في القيد والحب ، فقال: يا بني دعوة المظلوم سرت بليل غفلنا عنها ، ولم يغفل الله عنها ، ومن الجدير بالذكر أن البرامكة عاثوا في الأرض فساداً وظلما وطغوا وبغوا وتكبروا وتجبروا ، ونهبوا خيرات البلاد واستولوا على أموال العباد وأذاقوهم مرارة الذل وجرعوهم كأس الأسى والظلم .. فكان مصيرهم أن زجوا في غياهب السجن ومعاناة آلامه.
ما كان يخطر ببال خالد البرمكي يوما ً أن ينسحب البساط من تحت قدميه ، ويودع في السجن لذا قال لأبيه: “بعد العز صرنا في القيد والحبس ، وما كان يخطر بباله يوما ً أن يترك الترف والنعيم والسؤدد والحكم ، ويوضع في القيد والذل فقال:”بعد العز صرنا في القيد والحبس ، ما كان يخطر بباله يوما ً أن يترك عيشة القصور والمبيت على الحرير ، وينام في مكان مظلم بلا غطاء ولا أنيس فقال: ” بعد العز صرنا في القيد والحبس .
لقد أعاد التاريخ نفسه معلما ً للأجيال ، أن كل ظالم لابد له من نهاية أليمة ، ومذكرا ً بسنن الله في كونه ، إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة ولا يقيم الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة ، نعم أعاد التاريخ مبشرا ،ً أن دولة الظلم ساعة ودولة العدل إلى قيام الساعة ، وقد أعاد التاريخ نفسه واعظا ًمصداقاً لقول القائل :
هي الأمور كما شاهدتَها دول من سرَّه زمنٌ سـاءته أزمانُ
وهذه الدار لا تبقى على أحد ولا يدوم على حال لها شان
لقد أعاد التاريخ نفسه ، وزج بالكبراء والوزراء في غياهب السجن لخيانتهم الأمانة ، وغدرهم للعهود ونقضهم للمواثيق ، من أجل مصالحهم الشخصية فصاروا في القيد والذل ، بعدما كانوا يأمرون فيطاعون ، من كان يظن أن برامكة العصر الحديث يودعون السجون ، ومن كان يظن أن من كان حرا ً طليقا ً يتنقل متى شاء ، وإلى أين شاء ، وكيفما شاء ، يصبح مكبلا ً بالحديد وراء الأسوار العالية والحصون المنيع ، من كان يظن أن من كان يأمر وينهى ، ويقتل ويشرد ويسجن ويعذب ، يشرب من نفس الكأس التي سقى منها الألوف المؤلفة.
نسوا أن الله يمهل ولا يهمل وأنه يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته نسوا أن الله يخذل الظالم وينصر المظلوم ولو بعد حين ، فكم هلكت دول وزالت أمم وتهاوت عروش ، بسبب دعوة مظلوم سرت بليل وصدق الشاعر إذ يقول :
أما والله إن الظلم شوم وما زال المسيء هو الظلوم
ستعلم يا ظلوم إذا التقينا غدا عند المليك من الملوم
لقد ارتكب الظلمة مآسي ومجازر راح ضحيتها الآلاف من الأبرياء ، حيث مرغت الكرامة في التراب ، وكبلت الأرواح الكريمة بسلاسل القهر والظلم، وذاقت النفوس الأبية قسوة الذل والمهانة، وهتكت الأعراض ، والأدلة كثيرة والشواهد عديدة والذاكرة غنية بصور ما حدث وما جرى ، والأخبار تتحدث عن حجم المآسي وعمليات التقتيل وجرائم الإبادة الجماعية ، وقد وصل الأمر بالطغاة طلب الركوع لصورهم ، وإلا أدخلوا الرصاص في رؤوسهم ، وهناك من فرض جنوده على المتظاهرين تحوير شهادة الإسلام ، “لا إله إلا بشار” كاعتداء سافر على قدسية الخالق الأوحد ، فمن يركع لغير الله دخل خانة الكفر حسب تعاليم الإسلام ، الذي يحكمون باسمه ، وما درى الأسد الجريح أن شعبه كسر عليه طوق استئساده ، وقدم أغلى قرابين اللاعودة ، وما عليه إلا أن يبادر إلى إقامة “حفلات العزاء المسبقة قبل أن يتنكر له أقرانه مثلما فعلوا مع ملك ملوك الطغاة . لقد نسي كما نسى من قبله أن الشعوب المستضعفة لن تبقى كذلك ، بل إن الإمعان في إهانتها واستذلالها هو الذي سيحيها بإذن الله ، وما أجمل قول الشاعر :
وإذا الذئاب استنعجت لك مرَّة فحذار منها أن تعود ذئابا
وإن حياة الذل ليست أبدية ما دام هناك إسلام قال عمر بن الخطاب : “لقد كنا أذلاء فأعزنا الله بالإسلام فإذا ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله ”

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *