الرجال الذين يحبهم الله

 

الرجولة وصف اتفق العقلاء على مدحه والثناء عليه، ويكفيك إن كنت مادحا أن تصف إنسانا بالرجولة ، أو أن تنفيها عنه لتبلغ الغاية في الذم . ومع أنك ترى العجب من أخلاق الناس وطباعهم ، وترى مالا يخطر لك على بال، لكنك لا ترى أبدا من يرضى بأن تنفى عنه الرجولة .

لنا اليوم وقفة مع الرجال الذين يحبهم الله  وهل لهم صفات معينة ؟ أم أن الذكورة في الرجال تكفي لأن يقف الإنسان موقفاً مشرفاً ؟ ولكن ليس كل ذكر رجل ، لان الذكورية تخصيص نوع ، والمرجلة تخصيص أفعال ،  وهناك فرق بين الرجولية والذكورة قال تعالى :﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ﴾ الأحزاب 23. و هنا تبين الآية أن هناك رجالاً  وليس كل المؤمنين، لأن من هنا للتبعيض وقد حددت الآية صفات للرجال ، ولم تقل الآية من المؤمنين ذكور، وليس كل ذكر رجلاً، وليس كل المؤمنين رجالاً، ولا كل أصحاب العضلات المفتولة رجالاً، فوصف الرجال في القرآن منح لصنف معين من الناس ، وهم الذين صدقوا ولم يغيروا ولم يبدلوا، ولم يهادنوا ولم يداهنوا ولم ينافقوا، ولم يتنازلوا عن حكم  من الأحكام الشرعية قال تعالى :﴿ رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ ﴾ النور 37 . فالالتزام بشرع الله هو للرجال بالنسبه لنا كمسلمين  قال تعالى :﴿ وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ ﴾ يس 20.

وقال تعالى :﴿ وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ ﴾ القصص 20 . فالنصح للرجال قال تعالى : ﴿ وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ ﴾ غافر 28 . هذا الرجل الذي لم يخشَ فرعون تمثلت فيه الرجولية الحقة ، هؤلاء الرجال الذين ذكرهم الله سبحانه وتعالى في الآيات لهم صفات معينة ، هذه الصفات هي مقومات الرجولة ، وجاء في الأحاديث الشريفة : ( ورجل تصدق بصدقة فأخفاها، ورجل ذكر الله خالياً، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، ورجلان تحابا في الله ) هذه هي الرجولية الحقيقية التي تحمل هذه الصفات ، وقد ورد عن سيدنا علي أنه قال: ” أحمد ربي على خصال خص بها سادة الرجال: لزوم صبر، وترك كبر، وصون عرض، وبذل مال ” فالرجولية الحقيقية الصحيحة عند المسلمين هي الالتزام بالشرع الإسلامي، وانعدام الرجولية تعني ضعف الإيمان .

وفي الآية الكريمة:﴿ أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ الشعراء 165 . فلم يَقُل الرجال؛ لأن الرجال لا تفعل مثل هذه الأفعال، فالآية تبين هنا الفعل ، فهؤلاء أشباه الرجال وليسوا رجالاً، هم ذكور وهي صفة خَلقية ، وعندما سمعت تلك المرأة حديث قومها والذين لم يقفوا الموقف الصحيح ، فخرجت إليهم فعابوا عليها خروجها فقالت :

ما كانت الحسناء لترفع سترها   لو أن في هذي الجموع رجالا

وقال الشاعر:

فكم من رجل يعد بألف رجل    وكم من ألف تمر بلا عداد

فموقف هذه المرأة موقف رجال ، والرجال هم أصحاب المبادئ الملتزمين بها، أصحاب القناعات والمفاهيم الصحيحة ، هم الذين جاء وصفهم بالآيات ، فإذا وجدت هذه الصفات فيك ، فأنت رجل وإلا فأنت ذكر فقط   فأصحاب المصالح الشخصية والمواقف المخزية ليسوا رجالاً  فكثرة الأموال وكبر الحجم وطول الشنب لا وزن له في مقياس الرجولية ، وفي الحديث الشريف: ( يأتي الرجل السمين العظيم   عند الله لا يزن جناح بعوضة ) .

وعند الحديث عن المواقف في وقتنا الحالي، فإن الانسان يشعر بالمرارة والأسى من الفرق الكبير بيننا وبين أسلافنا من اختلاف في المواقف . صحيح أن الأمة لا تخلو من بذرة الخير ، ولا من المواقف البطولية ، ولكنها قليلة إذا قورنت بمن سبقنا في الدعوة إلى الله ، فالأمر محرج أن نبقى نتغنى بالأمجاد ونفتخر بها ، لقد أصابنا الوهن وأصبحنا غثاء كغثاء السيل ، لا قيمة لنا سوى أننا حطب لنيران يشعلها أعداؤنا، إنهم يصولون ويجولون في أرض الإسلام ، ولا يجدون من يمنعهم ويقف أمامهم ، فانتعش الظالمون وتعطلت أحكام الشرع ، والتاريخ سوف يكتب ويسجل ويربط الأحداث بالأشخاص تبعاً لمواقفهم ، فإذا عرف الموقف عرف الرجل ، ولقد صنعت الأمة الإسلامية تاريخها بيدها، فسطرت أروع الصور  وسجلت أفضل المواقف  وشهد على ذلك العدو قبل الصديق، فكانوا إذا ذكرت الحادثة ذكر الشخص ، وإذا ذكر الشخص ذكرت الحادثة؛ لأنهم وقفوا مواقف رجولية ، خوفاٍ من ربهم والتزاماً بدينهم لا يخافون في الله لومة لائم ، كانوا يقولون الحق مهما كانت النتائج ، فلا يقفون على الحياد ، لأن الساكت عن الحق شيطان أخرس ، فهذا عمر بن الخطاب ارتبط اسمه بفتح بيت المقدس والعهدة العمرية ، إذا ذكر هذا الحدث العظيم ذكر عمر، وهذا خالد بن الوليد وأبو عبيدة ، يذكِّرانا بفتح الشام والقضاء على الروم ، وهذا محمد الفاتح ارتبط اسمه بالقسطنطينية ، وهذا موسى بن نصير وطارق بن زياد ، ارتبط اسمهما بفتح الأندلس وهذا صلاح الدين ، ارتبط اسمه بتحرير القدس ودحر الصليبيين   وهذا المعتصم يذكِّرنا بوامعتصماه، وهذا العز بن عبد السلام ارتبط اسمه بمحاسبة الحكام وبلقب بائع الملوك، وإذا ذكر هؤلاء لا تذكر أموالهم ولا أولادهم ولا تجارتهم، وإنما يذكرون بمواقفهم البطولية التي خلدت أسماءهم .

وهذا خيلفة المسلمين السلطان عبد الحميد قد وصل الى سمعه أن مؤلفًا غربيًا ألف رواية يطعن فيها برسول الله صلى الله عليه وسلم على زواجه من زينب بنت جحش ، بعد أن طلقها زيد بن حارثة ,كما وتعرض المؤلف لبعض الصحابة وعزمه على عرضها في أحد المسارح الفرنسية فأرسل رسالة احتجاج على عرضها للحكومة الفرنسية فامتنعت عن عرضها ,وانتقل المؤلف إلى بريطانيا وسمحت له بعرضها ولم تأخذ برسالة الاحتجاج لفرنسا وقالت إن بريطانيا ليست فرنسا ، وأنها تحترم حرية الرأي وبيعت التذاكر…فماذا تتوقعون أن فعل السلطان  _رحمه الله_ إزاء هذه الفعلة النكرة لحكومة بريطانيا ، هل شجب واستنكر ؟وهل استجدى واستعطف دول الغرب …لا والله ، لقد بعث برسالة إلى حكومة بريطانيا مهددًا بإعلان الجهاد , فما كان من الحكومة البريطانية إلا أن أوقفت العرض  علينا أن نحرص على أن نقف الموقف الصحيحة ؛ لأن الرجل موقف كما قيل ، فقد يكون الموقف كلمة حق تقال ، أو عملاً جليلاً يقوم به الإنسان يخلد اسمه ، ويصبح مثلاً يحتذى به وسنة حسنة إلى يوم القيامة .

وهذا يتطلب من المسلم أن يكون عالماً بدينه واعياً سياسياً وعلى دراية بما يجري حوله من أحداث ، وأن يعلم أن صراعنا مع غيرنا هو صراع حضاري عقائدي ، وأن ملة الكفر واحدة  وأن يعلم أن أمة الإسلام ليس مكتوباً عليها أن تظل تحت نير الاحتلال إلى الأبد ؛ وأن يبادر للتضحية والبذل والعطاء لخدمة دينه وأمته ، فنحن بحاجة إلى جيل قادر على الوقوف مواقف تخلد أسماءهم ، ووضع آليات لإعداد الرجال إعداداً طبيعياً من خلال التزامنا بديننا ، فالذي يسمع قول رسول الله  صلى الله عليه وسلم : (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ) وقوله صلى الله عليه وسلم : ( ومن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم ) .  فالذي يفهم ذلك ويطبقه وتكون هجرته لله ويعلم أن الرزق بيد الله ، ويخشى الله ولا يخشى الناس ، ويتحمل مسؤوليته ، يكون ممن  وقف مواقف الرجال ، وقديماً قيل “إنما الرجال مواقف” هذا مثل عربي ينم عن مدى إحترام العربي لرجولته وذلك من خلال المواقف التي يتخذها إزاء أمور تحدث معه في حياته, وكما يدل على أن الرجل_  وليس الذكر_ يُعرف من مواقفه وليس من موقعه أو شكله أو هندامه ، فليست الرجولية بقصر الثوب ولا بكثافة الشعر ، ولكنها بتطبيق المنهج ، وما علم من يتشبه بالنبي  صلى الله عليه وسلم في ظاهره فقط ، بأنه مصدرًا من مصادر الصد عن سبيل الله ، لأنه لابد من التشبه بالنبي صلى الله عليه وسلم ظاهرًا وباطنًا، وسيرة وسريرة ، وهم يجهلون أن أفعاله  صلى الله عليه وسلم الجارية على وفق العادات  كلباسه وطول شعره ونحو ذلك ، هذه الأفعال لا يقال إن متابعته  صلى الله عليه وسلم فيها سنة ، لأنه لم يقصد بفعلها التشريع ولم يتعبد بها ، وموافقته صلى الله عليه وسلم  في هذه الأفعال بنية التأسي به يثاب عليها فاعلها ، ولا يعاقب تاركها . ثم إن الرجولة مضمون قبل أن تكون مظهرًا ، فابحث عن الجوهر ودع عنك المظهر؛ فإن أكثر الناس تأسرهم المظاهر ويسحرهم بريقها ، فمن يُجلّونه ويقدرونه ليس بالضرورة أهلا للإجلال والتوقير، ومن يحتقرونه ويزدرونه قد يكون من أولياء الله وعباده الصالحين ، وقد ثبت عن سهل بن سعد رضي الله عنه أنه قال : مر رجل على رسول الله  صلى الله عليه وسلم  فقال: (ما تقولون في هذا؟) قالوا : حري إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يشفع، وإن قال أن يسمع . قال: ثم سكت، فمر رجل من فقراء المسلمين، فقال: (ما تقولون في هذا؟) قالوا: حري إن خطب أن لا ينكح، وإن شفع أن لا يشفع ، وإن قال أن لا يسمع . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (هذا خير من ملء الأرض مثل هذا ) رواه البخاري . وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( رب أشعث مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره ) رواه مسلم . فلا يغرّك من الرجل ما يفعل من صلاة وصوم وصدقة ، إنما الرجل الذي يراعي شيئين : حفظ الحدود وإخلاص العمل ، فكم رأينا متعبداٍ يخرق الحدود بالغيبة والنميمة ، وفعل ما لا يجوز مما يوافق هواه ، فالرجل هو الذي يراعي حدود الله ، فيكون عمله وقوله خالصاً لله ، لا يريد به الخلق ولا تعظيمهم له ، فرب خاشع ليقال ناسك ، وتارك للدنيا ليقال زاهد ، ولقد كانت الرجولة إرثا يتوارثه الناس لا تعدو أن تكون بحاجة إلا إلى مجرد التهذيب والتوجيه  أما اليوم فقد أفسدت المدنية الناس، وقضت على معالم الرجولة في حياتهم فنشكو إلى الله زمانا صرنا فيه بحاجة إلى التذكير بالشيم والمكارم وأخلاق الرجال الذين وجدوا لذة العيش مع الله والأنس في قربه ، والأمن في إتباعه ، والنجاة في امتثال أمره  والغنى في الاقتداء به ، فاستجابوا لله ورسوله ، تلبية لقوله تعالى : ﴿ استجيبوا لله وللرسول ﴾ .

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *