ليس كل الذكور رجالاً ، ولا كل المؤمنين رجالاً ، وبالرغم من كثرة المسلمين في هذا الزمان فإن أكبر أزمة تعانيها الأمة الآن – بعد أزمة الإيمان – هي أزمة رجولة وقلة رجال ، والرجولة وصف لم يمنحه الحق تبارك وتعالى إلى كل الذكور، ولم يخص به إلا نوعًا معينًا من المؤمنين لقد منحه لمن صدق منهم العهد معه ، فلم يغير ولم يبدل ، ولم يهادن ، ولم يداهن ، ولم ينافق ، ولم يتنازل عن دينه ومبادئه ، وقدم روحه شهيدًا في سبيل الله ، نفهم هذا من قول الله عز وجل: ﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ﴾ الأحزاب 23 . فقد بين سبحانه صفات الرجولة بعد أن أكد أنه من المؤمنين رجال وليس كل المؤمنين رجالاً.
فالرجولة وقوف في وجه الباطل، وصدع بكلمة الحق ودعوة مخلصة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، واستعلاء على الكافرين، وشدة على المنحرفين ، وابتعاد عن النفاق والتملق واستعداد للتضحية بالغالي والنفيس من أجل نصرة الحق وإزالة المنكر وتغييره ، وهذا يفهم من موقف مؤمن آل فرعون الذي كان يكتم إيمانه ، لكنه لم يستطع السكوت عندما علم بعزم فرعون على قتل نبي الله موسى – عليه السلام -وقرر الوقوف في وجه الظلم ، ومناصرة الحق ، ولم يخش على حياته التي توقع أن يدفعها ثمنًا لموقفه ، ولم يخش على منصبه الكبير عند فرعون ، فنهاه عن قتل موسى – عليه السلام – وتوجه إلى موسى وأخبره بما يخطط له فرعون ونصحه بالخروج من مصر فاستحق هذا المؤمن وصف الله له بالرجولة فقال سبحانه: ﴿ وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ ﴾ غافر 28 . وأكد على وصفه بالرجولة في موضع آخر فقال تعالى: ﴿ وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ ﴾ القصص20. كما يفهم من موقف الرجل الصالح (حبيب النجار) الذي سمع أن قومه قد كذبوا المرسلين وهموا بقتلهم جميعً فلم يسكت عن هذا المنكر والظلم الذي سيقع على المرسلين وقرر نصرتهم ، فجاء مسرعًا من أقصى المدينة، ودعاهم إلى الحق، ونهاهم عن المنكر. وقد فعل هذا وهو يعلم أن موقفه سيكلفه حياته، فحقق صفة الرجولة واستحقها من الله تعالى، إذ قال سبحانه : ﴿ وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ ﴾ يس20. ودفع هذا المؤمن الرجل ثمن موقفه كما توقع ، فقتلوه ، وقد استحق بسبب رجولته وغضبته لله أن يغضب الله له وينتقم من أعدائه ويدمرهم:﴿ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ إِنْ كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ ﴾ يـس 28 . والرجولة ثبات على الحق ، ومحافظة على العبودية لله ، وصمود أمام مغريات الدنيا وشهواتها، وكل ما يلهي عن ذكر الله تعالى وطاعته والتقرب إليه ، وفي هذا النوع من الرجال يقول الله تعالى : ﴿ رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ النور37. والرجولة القوامة على النساء ، ومن لا يملك هذه القوامة ويرضى بأن تكون المرأة قوامة عليه حاكمة له ، ويدعها تفعل ما تمليه عليها أهواؤها فهو لا يستحق وصف الرجولة، وإنما وصف الذكورة فقط ، لأن الحق جل وعلا أكد أن الذي يملك القوامة هم أصحاب الرجولة حيث قال:﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ النساء 34. والرجولة تحريض على الجهاد، وتشجيع على مواجهة الباطل، وابتعاد عن التثبيط والتعويق للصف المؤمن – ولو بالكلمة – نفهم هذا من قصة موسى عليه السلام عندما بعث نفرًا من قومه لاستطلاع أحوال الجبابرة قبل خوض القتال معهم ، فرجعوا يروون لبني إسرائيل ما رأوه من قوتهم فأخافوهم ، بينما كتم اثنان منهم أخبار قوة الجبابرة، ولم يخبرا إلا موسى – عليه السلام – وأخذا يشجعان قومهما على الجهاد في سبيل الله ، وقد استحق هذان المؤمنان على موقفهما هذا صفة الرجولة من الله تعالى الذي قال: ﴿ قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ ﴾ المائدة 23.
وعند التأمل في واقع المسلمين اليوم على ضوء مفهوم الرجولة في القرآن الكريم ، يتبين لنا أن الأمة تعاني فعلاً من أزمة رجولة؛ فالسكوت عن المقدسات التي تدنس ، والدماء التي تنزف ، والكرامات التي تمتهن والأعراض التي تنتهك، والأرضي التي تحتل، والثروات التي تسرق، ناتج عن انعدام الرجولة أو ضعفها ، فضلاً عن ضعف الإيمان, لأن الرجل الحقيقي لا يستطيع أن يلتزم الصمت وهو يرى ما يحل بالمسلمين ، لقد كان العرب في الجاهلية رجالاً بالرغم من كفرهم ، فتجدهم يموتون دفاعًا عن أعراضهم وكرامتهم وشرفهم وأموالهم ، وقديمًا قال أحد شعرائهم زهير بن أبي سلمى:
ومن لا يذد عن حوضه بسلاحه يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم
وقال عنترة بن شداد:
لا تسقني ماء الحياة بذلة بل فاسقني بالعز كأس الحنظل
والرجال هم الذين وهبوا النقص للفضل، والإساءة للإحسان ، فصفت سرائرهم، ونصعت سيرهم، وسلمت صدورهم ، كان يقال لأحدهم: إن فلانا من الناس يقع فيك فيقول:﴿ وَلاَ يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ ﴾ وكان يقال له وقد ظُلم وبُهِت وسُبَّ وشتم : ألا تدعو على من ظلمك وسبك وشتمك؟ فيقول: من دعا على ظالمه فقد انتصر، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:( اصبروا حتى تلقوني على الحوض ) ، يُسبُّ أحدهم ويشتم بما ليس فيه فيقول : إن كنت صادقًا فغفر الله لي، وإن كنت كاذبًا فغفر الله لك ، ويقال للثالث: إن فلانًا يقع فيك ويقول فيك كذا وكذا، ويذكرك بسوء، فيقول: رجل صالح ابتلي فينا فماذا نعمل؟ من تعدى حدود الله فينا لم نتعد حدود الله فيه، العفو أفضل ، ما ينفعك إن يعذب أخوك المسلم بسببك؟ لكن تعفو وتصفح وتغفر فيغفر الله لك فمكانة المؤمن أعز من أن يتساوى في الظاهر مع ظالمه بل يرى أن من الدين والمروءة أن يدعى إلى أن يشمخ ويترفع على من يبدي الإسفاف ، أو يتخذ أخاه هدفًا يجمع الجموع ليرجموه معه ، فيجرح ويعدل ويشي .
وليس مَلامِي عَلَى مَنْ وشَى ولكنْ ملامي عَلَى مَنْ وَعَى
اللوم على من يمنح الآذان الصاغية للوشاة ، فليس من الدين أن يسود عرف التفاضح، وتسترخى أيدي التصافح ، وليس من الدين أن تنال لقبًا بتجريح إخوانك إنما الدين أن تحب لغيرك ما تحبه لنفسك ، فلا حقد ولا حسد لخلق الله ولم لا نكن كسلفنا الذين كانوا يعلِّمون الجاهل، ويُنبِّهون الغافل .
فهذا أبو الدرداء يمر بجماعة تجمهروا على رجل يضربونه ويشتمونه، فقال لهم : ما الخبر؟ قالوا: وقع في ذنب كبير، قال: أرأيتم لو وقع في بئر أفلم تكونوا تستخرجونه منه؟ قالوا: بلى، قال: فلا تسبوه ولا تضربوه، لكن عِظُوه وبصِّروه، واحمدوا الله الذي عافاكم من الوقوع في مثل ذنبه، قالوا: أفلا تبغضه؟ قال: إنما أبغض فعله، فإذا تركه فهو أخي، فأخذ الرجل ينتحب ويعلن توبته وأوبته ليكون في ميزان أبي الدرداء يوم يقف بين يدي الله : ﴿ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ ﴾ إنها الرجولة الحقيقية بمعناها العميق العظيم والتي يتصف بها المؤمنون وهي : إيقاظ القلب وتحريك الجوارح ، لإعلاء دين الله رغم أنوف الكافرين والمنافقين والجاحدين والمعاندين من أجل كلمة الحق ، من أجل (الله أكبر)، من أجل (لا إله إلا الله) ، هذه هي الرجولة التي يجب أن نتربى عليها وأن نتعلمها من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين اجتمعوا يومًا من الأيام فقال عمر رضى الله عنه: تمنوا ، فقال عثمان رضى الله عنه: أتمنى لو أن لي مثل هذه الدار مملوءة ذهبًا ولؤلؤا وزبرجدًا وجوهرًا أنفقه في سبيل الله وأتصدق به.
وأما علي رضي الله عنه فقال: أتمنى أن أضرب بالسيف والصوم بالصيف، وإكرام الضيف.
وأما خالد رضى الله عنه فقال : أتمنى ليلة شديدة البرد كثيرة الجليد يصبِّح منها العدو ليجاهد في سبيل الله .
وأما عمر رضي الله عنه فيقول: أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة برجال مثل أبي عبيدة أستعملهم في طاعة الله ، يتمنى عمر هذه الأمنية في وقت امتلأت فيه الساحة الإسلامية برجال عز نظيرهم، وقل مثيلهم
فكم نحن بحاجة إلى أمين كأبي عبيدة بعد أن استشرت الخيانة ، كم هي حاجتنا ماسة إلى رجل كأبي عبيدة يرفع لواء الجهاد بعد أن استنوق الجمل، وعاثت في الأرض الغربان ، واستنسر في سماء الأمة بغاث الطير ، كم نحن بحاجة لأمين كأبي عبيدة في غيبة الأمناء، حتى صارت الأمة أضيع من الأيتام على مأدبة اللئام ، تداعت علينا الأمم، وتداعى الأكلة على قصعتها، لا من قلة والله ولكن غثاء كغثاء السيل، أحببنا الدنيا، وكرهنا الموت، فكان ما كان ، أن يُذهب الله تبارك وتعالى النصر والعز والتمكين ويورث الأمة الذل والخسارة والضياع ، كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا تركتم الجهاد وتبايعتم بالعينة وأخذتم بأذناب البقر، سلط الله عليكم ذلاً لا يرفعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم ) وهذا هو الوهن الذي أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم وهو حب الدنيا وكراهية الموت .
الرجولة الحقيقية
