الرجولة وعلو الهمة

الهمة العالية هي السر وراء وصول بعض الناس دون غيرهم إلى مرتبة الرجولة، فالرجال لا تحملهم الأقدام وإنما تحملهم الهمم ، يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ( لا تصغرن هممكم، فإني لم أر شيئاً أقعد بالرجل من سقوط همته)التذكرة الحمدونية 1/142 . ويقول ابن عيينة :” لا تتم الرئاسة للرجال إلا بأربع : علم جامع، وورع تام ، وحلم كامل، وحسن تدبير فإن لم تكن هذه الأربع : فمائدة منصوبة، وكف مبسوطة، وبذل مبذول ، وحسن المعاشرة مع الناس فإن لم تكن هذه الأربع : فبضرب السيف، وطعن الرمح، وشجاعة القلب ، وتدبير العساكر ، فإن لم يكن فيه من هذه الخصال شيء ، فلا ينبغي أن يصل إلى الرئاسة ” . ما أحوج امتنا إلى رجال تتوفر فيهم هذه الخصال ، كما توفرت عند أسلافنا الذين ضربوا أروع الأمثلة في الرجولة والهمة العالية ، فهذا عنترة يقول :
لا تسقني ماء الحياة بذلة بل فاسقني بالعز كأس الحنظل
وهذا الإمام الشافعي رحمه الله يقول :
أنا إن عشتُ لست أُعدمُ قوتاً ولئن متُّ لستُ أعدمُ قبراً
همتي همةُ الملوكِ ونفسي نفسُ حر ترى المذَّلةَ كُفْرا
فإذا ما قَنَعْتُ بالزادِ يوماً فلماذا أخاف زيداً وعَمَرا
وقد ُأثر عن الإمام علي كرم الله وجهه :”علو الهمة من الإيمان ” .
جلس عمر إلى جماعة من أصحابه فقال لهم:” تمنوا ؛ فقال أحدهم: أتمنى لو أن هذه الدار مملوءةٌ ذهباً أنفقه في سبيل الله ، ثم قال عمر: تمنوا، فقال رجل آخر: أتمنى لو أنها مملوءة لؤلؤاً وزبرجداً وجوهراً أنفقه في سبيل الله وأتصدق به ، ثم قال: تمنوا، فقالوا: ما ندري ما نقول يا أمير المؤمنين؟ فقال عمر : ولكني أتمنى رجالاً مثلَ أبي عبيدة بنِ الجراح، ومعاذِ بنِ جبلٍ، وسالمٍ مولى أبي حذيفة فأستعين بهم على إعلاء كلمة الله ” . رحم الله عمر ، لقد كان خبيراً بما تنهض وتحيا به الأمم ، فهي كما يرى بحاجة إلى الرؤوس المفكرة التي تستغلها، والقلوب الكبيرة التي ترعاها ، إنها تحتاج إلى الرجال ، فقد تمنى رجالا لأن الناس على كثرتهم لا تتوفر فيهم شروط الرجولة الكاملة ، لذا فإن وجود الرجل ، عزيزاً في دنيا الناس، حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إنما الناس كإبل مائة، لا تكاد تجد فيها راحلة) رواه البخاري . فالناس على كثرتهم قد لا تتوفر فيهم شروط الرجولة الكاملة ، كما أن مائة من الإبل ، قد لا تجد فيها مطية تتوفر فيها شروط الارتحال ، لذا فنحن بحاجة إلى الرجولة لبناء النفوس وطبع أبنائها على خلق الرجولة ، لأن الرجل سر حياة الأمم ، ومصدر نهضتها ، وإن تاريخ الأمم هو في الواقع تاريخ ما ظهر بها من الرجال الأقوياء لأن قوة الأمم أو ضعفها إنما يقاس بالرجال الذين تتوفر فيهم شروط الرجولة ، فقد يستطيع الرجل إذا صحت رجولته ، أن يبني أمة أو يهدمها ، لذا كان الرجل الكفء عماد الرسالات، وروح النهضات ومحور الإصلاح ، فيمكن إعداد معامل السلاح والذخيرة، ولكن الأسلحة لا تقتل إلا بالرجل المحارب ، لأن القوة ليست بحد السلاح ، بقدر ما هي في قلب الجندي ، فلله ما أحكم عمر بن الخطاب ، حين لم يتمن فضة ولا ذهباً، ولا لؤلؤاً ولا جوهراً ، ولكنه تمنى رجالاً ، لأن رجلاً واحداً قد يساوي مائة، ورجلاً قد يوازي ألفاً، ورجلاً قد يزن شعباً بأسره ، ولذلك قيل: رجل ذو همة يحيي الله به أمة . حاصر خالد بن الوليد ( الحيرة ) فطلب من أبي بكر مدداً، فما أمده إلا برجل واحد هو القعقاع بن عمرو ، وقال : لا يهزم جيش فيه مثله، وكان يقول: لصوت القعقاع في الجيش خير من ألف مقاتل! ولما طلب عمرو بن العاص المدد من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في فتح مصر كتب إليه : (أما بعد : فإني أمددتك بأربعة آلاف رجل، على كل ألف : رجل منهم مقام الألف : الزبير بن العوام، والمقداد بن عمرو، وعبادة بن الصامت ومسلمة بن مخلد ) . فقد فهم عمر ما عناه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : ( ليس شيء أحب من ألف مثله إلا الإنسان ) مجمع الزوائد . وما أجمل قول من قال :
إذا كان في ألف من القوم فارس مطاعٌ فإن القوم في ألف فارس
وقال بعض الحكماء : ” ألف ثعلب يقودها أسد خيرٌ من ألف أسد يقودها ثعلب ” ، فليست الرجولة بالسن المتقدمة، فكم من شيخ في سن السبعين وقلبه في سن السابعة، يفرح بالتافه ويبكي على الحقير، وكم من غلام في مقتبل العمر ولكنك ترى الرجولة المبكرة في قوله وعمله وتفكيره وخلقه ، مر عمر رضي الله عنه على صبيان يلعبون فهربوا وبقي صبي في مكانه، هو عبد الله بن الزبير فسأله عمر: لِمَ لَمْ تعدُ مع أصحابك؟ فقال: يا أمير المؤمنين لم أقترف ذنباً فأخافك، ولم تكن الطريق ضيقةً فأوسعها لك! ، ودخل غلام على خليفة أموي يتحدث باسم قومه، فقال له: ليتقدم من هو أسن منك، فقال: يا أمير المؤمنين، لو كان التقدم بالسن لكان في الأمة من هو أولى منك بالخلافة .
عاشوا في زمن هم الصغار الكبار، بينما نعيش في دنيا ما أكثر الكبار الصغار؟ لأن الرجولة ليست ببسطة الجسم، وطولِ القامة، وقوةِ البنية، فقد قال الله عن طائفة من المنافقين: ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَـٰمُهُمْ ﴾ المنافقون4. ومع هذا فهم ﴿ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ﴾ المنافقون4.وقال صلى الله عليه وسلم : (يأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة فلا يزن عند الله جناح بعوضة ) اقرءوا إن شئتم قول الله تعالى: ﴿ فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَزْناً ﴾ الكهف105. كان عبد الله بن مسعود رضي الله عنه نحيفاً نحيلاً، فانكشفت ساقاه يوماً – وهما دقيقتان هزيلتان – فضحك بعض الصحابة: فقال الرسول صلى الله عليه وسلم : (أتضحكون من دقة ساقيه؟ والذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من جبل أحد) . فليست الرجولة بالسن ولا بالجسم ولا بالمال ولا بالجاه، وإنما الرجولة قوة نفسية تحمل صاحبها على معالي الأمور، وتبعده عن سفسافها قوةٌ تجعله كبيراً في صغره، غنياً في فقره قوياً في ضعفه، قوةٌ تحمله على أن يعطي قبل أن يأخذ، وأن يؤدي واجبه قبل أن يطلب حقه ، يعرف واجبه نحو نفسه، ونحو ربه، ونحو بيته، ودينه، وأمته.
إن خير ما تقوم به دولة لشعبها، وأفضل ما تتعاون عليه أدوات التوجيه كلها من صحافة وإذاعة، ومسجد ومدرسة، هو صناعة الرجولة ، ولن يتربى الرجال الصالحون، إلا في ظلال العقائد الراسخة، والفضائل الثابتة، والمعايير الأصيلة والتقاليد المرعية، والحقوق المكفولة. أما في ظلام الإلحاد الكافر والانحلال السافر والحرمان القاتل، فلا ولن توجد الرجولة الصحيحة .
ولم تر الدنيا الرجولة في أجلى صورها وأكمل معانيها كما رأتها في تلك النماذج الكريمة التي صنعها الإسلام على يد الرسول صلى الله عليه وسلم ، رجال يكثرون عند الفزع، ويقلون عند الطمع، لا يغرهم النصر، ولا تحطمهم الهزيمة . أما اليوم فأصبحت ترى أشباه الرجال ولا رجال , وكم أعجبني وآلمني ما قاله رجل درس تعاليم الإسلام السمحة ، فقال في إعجاب مرير: ” يا له من دين لو كان له رجال ” وهذا الدين الذي يشكو قلة الرجال يضم ما يزيد على آلاف الملايين من المسلمين ، الذين ينتسبون إليه، ويحسبون عليه ولكنهم كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (غثاء كغثاء السيل ) ، فماذا يغني عن الإسلام رجال أهمتهم أنفسهم وحكمتهم شهواتهم ، فما وثقوا بأنفسهم، ولا اعتمدوا على ربهم ، رجال يجمعهم الطمع، ويفرقهم الخوف، أو كما قيل: يجمعهم مزمار وتفرقهم عصا! أما والله لو ظفر الإسلام في كل ألف من أبنائه برجل واحد فيه خصائص الرجولة، لكان ذلك خيراً له وأجدى عليه من الكثرة التي لا يهابها عدو، ولا ينتصر بها صديق :
فليت لي بهمُ قوماً إذا ركبوا شنوا الإغارة فرساناً وركبانا
لا يسألون أخاهم حين يندبهم في النائبات على ما قال برهانا
كم نتمنى أن يكون هناك رجالا همهم العمل على إعلاء كلمة الله ونصر دينه ، رجالاً يخدمون أمتهم بإخلاص ويقودونها إلى طريق الخلاص. لأن الله يريد للدين الصادقين في أقوالهم، المؤمنين بعهودهم البعيدين عن العبث والهزل واللهو، الذين لا يغرهم ثناء شاكر ، ولا إطراء مادح، يريد رجالا يغضبون لله ولا تأخذهم في الله لومة لائم . ولهذا فقد ربى الإسلام أبناءه على الشجاعة والعزة والحمية، وهذب معانيها في نفوس أتباعه وضبطها فلم تعد عندهم مجرد ميدان للفخر والخيلاء، بل هي ميدان لنصر الدين والذب عن حياضه. واعتبار الجبن والهوان من شر ما ينقص الرجال كما قال صلى الله عليه وسلم : ( شر ما في رجل شح هالع وجبن خالع ) رواه أبو داود . فالرجولة إذا اكتملت في أمة فبشرها بالخير وتمام المنة، وإذا انتشرت في شعب نال حقه المغصوب وأصبح ذا جانب مرهوب، وإذا سرت معاني الرجولة في مجتمع عاش عالي الهمة، مرفوع الرأس، وأصبح ذا قوة وبأس، فبالرجولة تقاس قيمة الأمة بين الأمم وعلى قدر وزنها توزن ، فلنتق الله ونتمسك بديننا ونعمل بكتاب ربنا ، ونقتد بنبينا صلى الله عليه وسلم وبأصحابه الكرام، ولنكن رجالاً كما أراد نبينا صلى الله عليه وسلم ، فعسى أن ينصر بنا ديننا، ويعلي بنا كلمتنا، ويعيد إلينا أمجادنا وما ذلك على الله بعزيز ﴿ يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم ﴾ .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *