رأيت جموعاً محتشدة , وصيحات تتعالى ودموعاً تتساقط , فقلت ما هذه الدموع , أهي دموع الفرح أم دموع الحزن؟! انه يوم عرس قتلى الرصاص الغادر , الذي حول أيام العرس إلى أيام عزاء ، انه الموت , الذي حول السعادة إلى حزن وألم , وبدَّل الضحكات ، بدموع وصيحات ؟ انه الرصاص ذلك الشبح الذي ينْقَضُّ على الإنسان كما ينقض الحيوان المفترس على فريسته, ليغرس مخالبه في جسدها , وبعد ذلك تنتهي الحياة .
إن القتل والإرهاب من أهم الأساليب التي لجأت إليها بعض الأنظمة لتحقيق أغراضها باستخدام أبشع أشكال الإرهاب ضد شعوبها ، من طرد وتعذيب وتهديم للمنازل ، وهتك للأعراض وقد اعتمدت الإرهاب فكراً وممارسة ، ولم يكن من المستغرب أن يكون الإرهاب هو السمة البارزة عندها ، فقد برع زعمائها بما لهم من خبرة في هذا المجال ، وتتواصل هذه الممارسات حيث أوغلت هذه الأنظمة في عدوانها على شعوبها فقتلت وهدمت وحاصرت وأرهبت وصادرت ، وكان رد الفعل أن أشبعها العرب والمسلمون نقداً ، وهي تواصل عملها ويواصلون كلامهم ونقدهم يقفون عند هذا الحد ولا يتعدونه ، فما العمل ؟ لا أحد يستطيع الإحاطة بتفاصيل الجريمة المروعة فالدم يمتد على مساحة البلاد بامتداد الرصاص الغادر وما ترصده وسائل الإعلام من جرائم وعمليات قتل ليس سوى جزء يسير من الممارسات البشعة بحق شعوبهم ، وما يروى من قصص دامية ومشاهد تهز المشاعر والقلوب ، ليس على مستوى الاستنكار لما جرى في غيرها من البلاد الأخرى .
إننا على ثقة بأن مطالبهم ستتحقق يوما ، رضي الظالمون أم سخطوا ، وما يؤلمنا أن نرى أخوة لنا يُذبحون ذبح الخراف بالجملة أُسر بأكملها، بشيبها وشبابها، وأطفالها ونسائها تصرخ : نحن ذهبنا فساعدوا مَن بقي منا، حيث يقتل العشرات ، وقد دُكّت المنازل، والأحياء والمساجد بلا هوادة قوافِلُ الشهداء وآلاف المشردين ، ومن بقي معرّض للاغتصاب والذُلِ والإهانة، فلماذا الرصاص ؟ الذي قتل الأسر وشرد الأطفال ، وفي كل يوم نسمع عن مئات الضحايا ، وكأن إزهاق أرواح الأبرياء أصبح عادة يومية يتلهون بها ، ولماذا يحصل هذا ؟ يحصل هذا في تقديري لأنها شهادة مزورة تتعافى منها رائحة العنصرية النتنة ، ولأن الأمة من جهة أخرى واقعة في مناخ الفتنة والهزيمة النفسية ، وتربية حواس الذل في الأمة ، والتطبيع على الهزيمة والمنكر وتأليفه للنفوس ، وانعكاس هذا التطبيع على فهم النصوص الداعية إلى القوامة على الحق والتضحية في سبيله والجهاد من أجله وتأويل النصوص الشرعية بما يكرِّس الهزيمة ويوطِّن الفساد ، ويمكن له في الأرض ويؤذن بتتابع الأزمات وخراب البلاد ، في وقت تتلاعب الدول الكبرى بالقوانين وفقاً لحاجاتها ولإثبات شرعية هيمنتها إذا ما تعرضت لأي اهتزاز مما هيء الظروف للظلمة أن يمارسوا القتل والتخريب دون رادع ، ولأن الأمة غافلة عما يراد بها من كيد ، وما دامت في غمرة الرجفة ، فعسير إن لم نقل مستحيل أن تدرك واقعها ، وما دام الذي يبرز في الميدان هو صورة الإسلام لا حقيقته فلا غرابة أن تنهزم الصورة ، وإن اعتقد الناس أنها هزيمة الإسلام وخذلانه ، فذلك لأن الناس تجاهلوا أن حقيقة الإسلام الذي يحتاج إلى حكومة تمثله تمثيلاً صحيحا ، وتقوم على أساس الدعوة والهداية المستمدة من كتاب الله وسنة رسوله عليه السلام وغياب الإسلام هو ما يدفع الإنسان لارتكاب الأفعال المشينه والسلوكيات المنحرفة فعندما يغيب الأيمان بالله عز وجل عن الضمير الإنساني تنطفيء شعلة الحياء التي هي صفة وجدانية إيمانية تعطي الإنسان وقارا وهيبة في مظهره ورزانة في سلوكه ، فالإيمان يدفع إلى نبذ العنف وظلم الآخرين ، ويؤنب صاحبه على ما يقترفه من آثام وما يقوم به من أفعال يذمها ، الله سبحانه ورسوله والمؤمنين ، وإن من شر ما ابتلي به الناس في هذا ألزمن هو موت الضمير الذي لا يؤنب صاحبه على فعل المنكر .
فسوريا لا يجف فيها دم ، وكما يَطَّلع الناس على النشرة الجوية في كل صباح يتسمعون إلى أنباء القتلى في سوريا ، التي يصر ثوارها على تغيير الواقع الأليم الذي يعانونه والذي وصفه الشاعر بقوله :
قد استردَّ السبايا كل منهزم لم تبق في أسرها إلا سبايانا
وما رأيت سياط الظلم دامية إلا رأيت عليها لحم أسرانا
ولا نموت على حدِّ الظّبا أنفاً حتى لقد خجلت منا منايانا
وإذا كانت أمتنا الإسلامية محتاجة إلى شيء ، فإنها أحوج أمم الأرض إلى الإيمان الذي يملأ فراغها وإلى الحاكم العدل الذي يسوسها ويعمِّر خرابها ويعمل لمصلحتها .
ويخطئ من يقول إن الأمة الإسلامية ستستسلم للذل والخنوع بعد اليوم ، فهذه هي رغبة الكافرين الذين يعملون على إماتة روح الجهاد في الأمة ، وإذا كانت الظروف التي تعيشها الأمة أقوى من طاقاتها ، فلأنها تعيش فترة استسلام وجمود ، تماماً كانتصارات الصليبيين التي كان مرجعها إلى انحلال القوى الإسلامية وتفككها وعدم ترابطها ، فانشغلت بالتوافه من الأمور وابتعدت عن الجوهر فما عادت لها هيبة ولا كيان ولا وجود ، فأصبح ما يجري لا يحرك عندها ساكنا :
كم يستغيث بنا المستضعفون وهم أسرى وقتلى فما يهتز إنسان
لماذا التقاطع في الإسلام بينكم وأنتم يا عباد الله إخــوان
ألا نــفوسٌ أبيّاتٌ لها همم أمـا على الخير أنصار وأعوان
إن الذين يشكون بعودة الإسلام قوياً بسبب انبهارهم بقوى الدول الكبرى ، وما تملكه من المخترعات المخزونة من أدوات الدمار نسو أن الله يقول : { لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض } وأنهم لن يغلبوا الله لأنه كم والله غالب على أمره } أما مع من يكون أمر الله ولمن يكون الاستخلاص ؟ فقد أوضحه قوله تعالى :{ يعبدونني لا يشركون بي شيئاً ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون } وكلمة وأطيعوا الرسول ، تعني حراسة سنته والقيام عليها والعمل بها ، إنه لا تعويل بعد اليوم على السياسة ولا على الساسة ، وإنما التعويل كله على الأمم ، ولا معول للأمم في جهادها أنفع لها وأصدق من المضي بها إلى تطبيق أحكام الإسلام لأن الإسلام لا يهزمه الظلمة ولا تهزمه القوى الأجنبية ، التي مهما اشتد ساعدها فإن نارها إلى خمود وثورانها إلى همود ، وما أصيب الإسلام ولن يصاب إلا من داخل أرضه ومن أبناء أمته ، مما يجعلني أشفق على مستقبل هذه الأمة لأن العداوات العالمية والمحلية في كثير من الأقطار الإسلامية مخيفة ، وإن بقينا على ما نحن عليه فإن المصير مخوف والعاقبة مقلقلة ، وإن استيقظنا وتمسكنا بديننا وتحول إيماننا إلى عمل ويقيننا إلى سيرة تُفْرَضُ على الأمة عندها يكون النصر بإذن الله . قال تعالى :{ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز }. الحج 39.
