يحدثنا التاريخ عن سيرة الأنبياء والصالحين الذين نزههم الله عن كل نفاق ورياء ، فملكوا قلوب الشعوب ، وأعطوا السنن والدروس التي لا تنسى فلم يذكر لنا التاريخ أن اي منهم انفق الأموال الطائلة لإقامة احتفالات لهم ، او لاستقبالهم بورود النفاق ، ورياحين الرياء ، فلم يقرِّبوا أهل المكر والحيلة ، ولم يقرِّبوا أهل الباطل ، الذين يحسنون الظلم والجور ، والفساد والطغيان ، فينسبون إلى من يحب الصلاح ، تهمة الخارج عن القانون والمتدخل فيما لا يعنيه ، لأنهم عرفوا أن العلاقة بين الحاكم والمحكوم في الإسلام ، تقوم على الاحترام المتبادل، ولا تقوم على القهر والاستبداد، لأن الحاكم العادل هو قطب رحى الأمة ، ورائد نهضتها ، وباني أمجادها ، وحارسها الأمين . وهو عنصر فعال من عناصر المجتمع ، وجزء لا يتجزأ عنه ، لهذا وجب أن يكون التجاوب ، قوياً بين الحاكم والمحكوم ، والراعي والرعية ، ليستطيع الحاكم أداء رسالته الإصلاحية لأمته ، وتحقيق أهدافها وأمانيها ، ولتنال الأمة في ظلال حكمه الطمأنينة والحرية والرخاء .
فآمنوا بأن للحاكم حقوق على الرعية ، وللرعية حقوق عليه ، وعلى كل منهما رعاية حقوق الآخر والقيام بواجبه ، وهذا ما أوضحه أمير المؤمنين علي في نهج البلاغة حيث قال : «فليست تصلح الرعية إلا بصلاح الولاة ، ولا تصلح الولاة إلا باستقامة الرعية ، فإذا أدت الرعية إلى الوالي حقه وأدى الوالي إليها حقها ، عز الحق بينهم ، وقامت مناهج الدين ، واعتدلت معالم العدل ، وجرت على إذلالها السنن ، ويئست مطامع الأعداء ، وإذا غلبت الرعية واليها ، وأجحف الوالي برعيته اختلفت هنالك الكلمة ، وظهرت معالم الجور وكثر الإدغال في الدين ، وتركت محاج السنن فعُمل بالهوى ، وعُطلت الأحكام ، وكثرت علل النفوس ، فلا يُستوحش لعظيم حق عُطِّل ، ولا لعظيم باطل فُعِل ، فهنالك تُذَل الأبرار ، وتعز الأشرار » . فقد حرص المسلمون ، على اتباع منهج الله وسنة رسول الله ، ولم يكن أئمة المسلمين يحكمون رعاياهم إلا بذلك ، إلا مَنْ شذَّ ، وهم قليل ، ومن هنا كان للأمة دور كبير في تقويم الحكام والمسئولين ، على جميع مستوياتهم ، وقد جعل رسول الله أفضل الجهاد تقويمَ الحاكم الظالم من خلال توجيهه إلى الحق، فقال : ( إنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ ) . ومن هنا كان من حق الأمة محاسبة الخلفاء المخطئين، ومبدأُ محاسبة الإمام ، مبدأ إسلامي متوازٍ مع قيام الخلافة الإسلامية ، منذ القدم، بل رأينا من الخلفاء أنفسهم من يُنادي به، فأبو بكر الصديق ، أشار إلى هذا الأمر ، في خطبته الأولى بعد البيعة العامة بقوله: “إن أسأتُ فَقَوِّمُوني “. لأن العلاقة بين الحاكم والمحكوم في الإسلام ، جزء من العبادة ، وتقوم على الاحترام والثقة ، وأن سلطة الحاكم ، مستمدة من الشرع ، ومن الأمة. بخلاف العلاقة بين الحاكم والرعية ، التي تقوم على القهر والاستبداد ، حيث يوجد الحكام المستكبرون ويوجد الأتباع المراؤون ، وطبيعة المستضعفين أن يسارعوا إلى مرضاة رؤسائهم ، وإجابة رغائبهم ويبارك الحاكم المستبد هذه الطبيعة ويغدق عليها .
ولو راجعنا الصحائف السود لتاريخ الاستبداد السياسي في الأرض ، لوجدنا مراءاة الحاكم قد أقامت للأكاذيب سوقاً رائجة ، وقلبت الحقائق وقد يكون الرياء ، من الصغار للكبار ، ابتغاء عرض الدنيا، وقد يكون من الكبار للصغار ابتغاء تأليف الأتباع ، وهذا النموذج من العلاقات بين الحاكم والمحكوم ، بدأ في تاريخنا ، منذ أن قال معاوية بن أبي سفيان: “إن الناس أعطونا سلطاننا فأظهرنا لهم حِلما تحته غضب، وأظهروا لنا طاعة تحتها حقد، فبعناهم هذا بهذا، وباعونا هذا بهذا. فإن نكثناهم ، نكثوا بنا، ثم لا ندري ، أتكون لنا الدائرة أم علينا”. ابن كثير: البداية والنهاية ، وهذا واقعٌ اليوم في علاقات العديد من حكامنا بشعوبهم . الذين ساموهم سوء العذاب، وعند إسداء النصح لهم وتذكيرهم بالمصير الذي حاق بسابقيهم من الطغاة في التاريخ الإنساني ، جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم ، واستكبروا استكبارا!
وحين ينكشف ضعف الأقوياء، ويتبين من يتحدث بلسانين، ويتلفع بوجهين: وجهٍ لشعبه هو وجه الرجل الوطني الغيور ، بل التقي النقي الخاشع ووجهٍ للآخرين، هو وجه الانتهازي القاهر لشعبه المقهور أمام القوى الدولية، الذي لا يؤمن بمبدأ وليس في وجهه قطرة ماء ، وأكثر ما يؤلم أن نرى مثل هذا ، يأتي ممن هم ضمن القادة ، الذين يبالغ المادحون في مدحهم، وتملأ الدنيا ثناء ، رياء لهم وتنمق العبارات كذباً ، في التقرب إليهم، والتمسح بوصلهم، والتهويل المبالغ ، لوصف ما يعملون لذلك كان أخطر المدح ، المبالغة في مدح حاكم لأن مدح الإنسان قطع لعنقه، ومدح الحاكم قطع لعنق الأمة، لأن ذلك يُورثه كبرا عن سماع النصح وبغيا عند العقوبة.
لقد علمنا رسولنا صلى الله عليه وسلم ، أن نحثو التراب في وجه المداحين المبالغين، وعلى نهج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، سار كل الصحابة والصالحين في كل العصور ، بل إن المسلم المتمسك بدينه حقاً ، حريص على محاسبة نفسه في كل أقواله ومواقفه، وأنه مؤاخَذ على كل ذلك من رب العالمين، فهو لا يقبل أن يهان عند الله ويكتب عنده كذاباً.
إن الناصح الأمين المخلص ، هو من يقول الصدق ويسدي لمن يحبهم ، النصح الراشد، ولا يخدعهم بمبالغة القول، وزائف الأوصاف، ولا يكون منكراً للصواب ، إذا رآه، ولا لذكر المحاسن ، إذا بدت أمامه، ولا جاحداً ، لمواقف الخير والصلاح.
قد تأتي المبالغات في المديح والإطراء طلباً للتقرب ممن يمدحونهم، وما عرفوا أنهم بهذا ، يسيئون إلى من ينشدون منهم القرب والعطاء، وينقلب المدح الكاذب إلى هجاء ساخر، لمن في مدحهم كانوا مبالغين.
ﻟﻘﺪ ﺗﻌﻠﻢ ﺍﻟﻤﺴﻠﻤﻮﻥ ﻣﻦ ﺩﻳﻨﻬﻢ، ﺃﻥ ﻃﻐﻴﺎﻥ ﺍﻟﻔﺮﺩ ﻓﻲ ﺃﻣﺔ ﻣﺎ ، ﺟﺮﻳﻤﺔ ﻏﻠﻴﻈﺔ, ﻭﺃﻥ ﺍﻟﺤﺎﻛﻢ ﻻ ﻳﺴﺘﻤﺪ ﺑﻘﺎﺀﻩ ﺍﻟﻤﺸﺮﻭﻉ , ﻭﻻ ﻳﺴﺘﺤﻖ ﺫﺭﺓ ﻣﻦ ﺍﻟﺘﺄﻳﻴﺪ , ﺇﻻ ﺇﺫﺍ ﻛﺎﻥ ﻣﻌﺒﺮﺍً ﻋﻦ ﺭﻭﺡ اﻟﺠﻤﺎﻋﺔ ، ﻭﻣﺴﺘﻘﻴﻤﺎً ﻣﻊ ﺃﻫﺪﺍﻓﻬﺎ ، فكان أهل الفضل والزهاد ، لا يرغبون في مصاحبة الحاكم الجائر ، وقد سجل التاريخ ، الكثير من مثل هذه المواقف ، كتب المنصور الخليفة العباسي إلى الإمام جعفر الصادق : لم لا تغشانا : كما يغشانا سائر الناس ؟ فأجابه : ليس لنا ما نخافك من أجله ، ولا عندك من أمر الآخرة ما نرجوك له ، ولا أنت في نعمة فنهنيك ، ولا تراها نقمة ، فنعزيك بها ، فما : نصنع عندك ؟ فكتب إليه : تصحبنا ، لتنصحنا ، فأجابه : من أراد الدنيا لا ينصحك ، ومن أراد الآخرة لا يصحبك “. وقديماً قالوا : ” في صحبة السلطان خطران : إن أطعته جازفت بدينك وإن عصيته جازفت بنفسك ، والخير ألا تقربه ولا يقربك ” ، نماذج آمنت بإله واحد لا شريك له، وأن الأمر كله بيده، فعاشت للحق وتمسكت به ، وصبرت عليه، وجاهدت الباطل ونهت عنه ، وتحملت تكاليفه برضا وطمأنينة لأنها تعلم حق العلم أن العطاء من الله كبير ، قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ﴾التوبة 111 .فكثير من علماء السلف الصالح من المسلمين ، كانوا من تلك النماذج الفذَّة، فكانوا في يقظة دائمة تجاه الحقوق والواجبات ، التي يتطلبها منهم الإسلام فارتبط لديهم الفكر بالعمل ، والقول الصالح بالفعل الصادق، وضربوا أروع الأمثال في التلازم بين الفكر النظري والتطبيق العملي يستوحون روح هذا الدين ، الذي يرسم الأفق الأعلى للحياة، ويطلب من معتنقيه ، أن يتجهوا إليه، ويحاولوا بلوغه، لا بأداء العبادات فحسب ، وإنما بالتطوع للقيام بما هو أعلى من العبادات وأشق منها، فاستحال الإسلام فيهم نماذج إنسانية تعيش، ووقائع عملية تتحقق وتترك آثارها في الحياة ، فكانت لهم مواقف من الحكام الذين بدر منهم الانحراف ، ودخلوا مداخل الظالمين ، نذكر منها : لما ولي ابن هبيرة العراق، في عهد يزيد بن عبد الملك استدعى الحسن البصري ، ومحمد بن سيرين والشعبي ، فقال لهم: إن يزيد خليفة الله استخلفه على عباده، وأخذ عليهم الميثاق بطاعته، وأخذ عهدًا بالسمع والطاعة، وقد ولاّني ما ترون فيكتب إليَّ بالأمر من أمره فأنفذ ذلك الأمر فما ترون؟ فقال ابن سيرين والشعبي قولاً فيه تَقيَّة ، قال ابن هبيرة: ما تقول يا حسن؟ فقال: يا ابن هبيرة، خف الله في يزيد ، ولا تخف يزيد في الله! إن الله يمنعك من يزيد ، وإن يزيد لا يمنعك من الله، يا ابن هبيرة إن تعص الله ، فإنما جعل الله السلطان ناصرًا لدين الله وعباده، فلا تركبَنَّ دين الله وعباده لسلطان ، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
وجاء في ذم الاستبداد لجمال الدين الافغاني : “ملعونٌ في ديــــن الرحمن ، من يَسجن شعباً، من يخنق فكراً من يرفع سوطاً ، من يسكت رأياً من يبنى سجناً من يرفع رايات الطغيان ملعون فى كل الأديان من يًهْدِر حق الإنسان، حتى لو صلى أو زكى، أو عاش العمر مع القراَن “. ويقول الكواكبي في كتابه طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد : “إنَّ الاستبداد داءٌ أشدُّ وطأةً من الوباء، أكثر هولاً من الحريق، أعظمُ تخريباً من السّيل، أذلُّ للنفوس من السؤال. داءٌ إذا نزل بقومٍ سمعتْ أرواحُهم هاتف السماء ينادي القضاء القضاء والأرضَ تناجي ربّها بكشف البلاء. الاستبداد عهدٌ؛ أشقى الناسَ فيه العقلاء والأغنياء وأسعدهم بمَحْياهُ الجهلاء والفقراء، بل أسعدهم أولئك الذين يتعجّلون الموت فيحْسُدهم الأحياء.” لمثل هذا فليعمل العاملون وفي ذلك فليتنافس المتنافسون .
