الرياء يبطل العمل

﴿ يا ايها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر﴾ البقرة 264 ، هناك من يبني مسجداً أو يتبرع لبناء أو ترميم مسجد ، يتفاخر بذلك ، وتناسى أنَّ الله عز وجل لا يقبل من الأعمال إلا ما كان خالصاً لوجهه الكريم ، وموافقاً لشرعه الحكيم ، كمن يصلي أمام الناس فيظهر الخشوع ، ولو كان لوحده لما نشط ولما خشع وما علم أن الإخلاص ينافيه طلب السمعة ، وأن الرياء في العمل بقصد المدح ، من مهلكات الأعمال ، لأن الإنسان الذي يقل عمله إذا كان وحده وينشط في العمل إذا كان مع الناس ، ويحب الثناء من الناس فهذا مريض ، بحاجة إلى أن يعالج نفسه ، لما روي أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عمن يصطنع المعروف أو قال يتصدق فيحب أن يُحْمد ويؤجر ، فلم يدر ما يقوله حتى نزلت ﴿ فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحدا ﴾ إن من الأدواء المهلكة والأمراض الفاتكة، والخسائر الفادحة ، الرياء ، حيث فيه خسارة الدين والآخرة ، ولهذا حذر منه المتقون، وخافه الصالحون، ونبه على خطورته الأنبياء والمرسلون، ولم يأمن من مغبته إلا الجهلة والغافلون، لأنه الشرك الخفي ، فمن يحرص على تمام عمله ، أن لا ينقص منه شيئا فليحذر الرياء أو السمعة أو طلب المنافع الدنيوية أو قصد ثناء الناس، لأن من قصد بعمله ثناء المخلوقين ، ولم يقصد به وجه رب العالمين ، فهو مردود عليه لأن الله يحب العمل الخالص لوجهه الكريم ، ولا يحب الشريك ، بحيث يرائي به الإنسان ، ويطلب به استحسان خلق الله ، لما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه : ( أنا أغنى الشركاء عن الشرك فمن عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه ) . وعن هريرة: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( يقال لمن أشرك في عمله خذ أجرك ممن عملت له ) روي أنه قيل لبهلول في عصر هارون الرشيد ، تولى مسؤولية قاضي القضاة ، فتظاهر بالجنون فراراً من القضاء ، وكان يأمر الناس بالمعروف ، وينهاهم عن المنكر بأعماله ، ولبهلول قصة حول الرياء ، رأى يوماً رجلاً يبني مسجداً، فكتب في أعلى باب المسجد “مسجد بهلول” فلما رآه صاحب المسجد قال له: لماذا فعلت هذا؟ قال البهلول: إن كنت بنيت المسجد لله فلا فرق حينئذٍ أن يكون المسجد باسمك أو باسم آخر، فقال صاحب المسجد: لقد جهدت حتى بنيت هذا المسجد ، وأخيراً يكون باسم غيري! ثم ذهب فمحا اسم بهلول وكتب اسمه ، فقال البهلول: هذا يدل على أنه لم يبنِ المسجد لله.
إن الله لا يقبل العمل إلا إذا كان خالصاً وصواباً؛ خالصاً، ما ابتغي به وجه الله، وصواباً ، ما وافق السنة ، ولا يقبل بغير نية لأن العمل بغير نية عناء، والنية بغير إخلاص رياء، والإخلاص من غير تحقيق هباء، قال تعالى: ﴿ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا ﴾ .
فأي عمل لا يكون مقبولاً إلا بنيةٍ خالصةٍ لله وأي عبادةٍ لله ، إذا لم تكن خالصةً لوجهِ الله ، فلا يقبلها الله قال السوسي:” الإخلاص : فقد رؤية الإخلاص، ومن شاهد في إخلاصه الإخلاص ، فقد احتاج إخلاصه إلى إخلاص” فالإخلاص صدق النية مع الله تعالى وأن يكون سكون العبد وحركاته لله خاصة ، حكي أن ملكا من الملوك أراد أن يبني مسجدا في مدينته ، وأمر أن لا يشاركه أحد في بناء هذا المسجد ، ولما بُني المسجد ، وضع أسمه عليه وفي ليلة من الليالي رأى الملك في المنام كأن ملكا من الملائكة نزل من السماء فمسح أسم الملك عن المسجد وكتب أسم امرأة فلما أستيقظ من النوم ، أرسل جنوده ينظرون هل أسمه مازال على المسجد فقالوا له : أسمك ما زال موجود ، وفي الليلة الثانية والثالثة تكررت نفس الرؤيا ، حفظ أسم المرأة ، وأمر بإحضارها ، وكانت عجوز فقيرة ، فسألها هل ساعدت في بناء المسجد ، قالت يا أيها الملك أنا فقيرة وكبيرة في السن ، وقد سمعتك تنهى عن مساعدة أحد في بناءه ، ولا أعصيك ، فقال لها أسألك بالله ماذا صنعت في بناء المسجد، قالت : والله ما عملت شيئاً قط في بناء المسجد ، إلا قال الملك : إلا ماذا ، قالت إلا أنني مررت ذات يوم من جانب المسجد فإذا أحد الدواب التي تحمل أدوات البناء ، مربوط بحبل الى وتد في الأرض وبالقرب منه سطل به ماء ، يريد ان يقترب من الماء ليشرب ، فلا يستطيع بسبب الحبل ، فقربت سطل الماء منه فشرب من الماء فقال الملك : عملتي هذا لوجه الله فقبل الله منك، وأنا عملت عملي ليقال مسجد الملك ، فلم يقبل الله مني” قال الحواريون لعيسى عليه السلام: ما الخالص من الأعمال؟ قال: الذي يعمل لله تعالى لا يحب أن يحمده عليه أحد وسئل الفضيل بن عياض: ما هو العمل المقبول؟ قال: ما كان خالصاً وصواباً ، فحينما سئل هذا السؤال، سئل بمناسبة قوله تعالى: ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ﴾ النمل الآية: 19، فهذا العمل الذي تمناه أحد الأنبياء قيده بأن يرضى الله عنه؛ أي أن يقبله ، فقيل له: يا فضيل، ما العمل الصالح الذي يرضاه الله؟ قال: ما كان خالصاً وصواباً خالصاً ما ابتغي به وجه الله وصواباً ما وافق السنة.
ففي كثير من الأحيان يكون خالصاً، ولا يكون صواباً، كأن يرصد ريع حفلة غنائية للفقراء هذا العمل خير، ولكن صورته مخالفة للشريعة، فلا يكفي أن يكون العمل صواباً والنية سيئة كما أنه لا يكفي أن يكون العمل خالصاً والصورة سيئة فالعمل الذي يقبله الله عز وجل ما كان خالصاً وصواباً. وقد وضع العلماء بعض القواعد للنية الخالصة لله فقالوا : إذا ازداد عملك الصالح أمام الناس و وضعف فيما بينك وبين الله فهذا مؤشر خطير ، لأن العمل الصالح لا يزداد أمام الناس، ولا يضعف أمام الله، كما أنه لا يزداد على المديح، ولا يضعف على الذم، فهذا هو الإخلاص وإذا كانت صورة العمل وفق سنة النبي صلى الله عليه وسلم ونيته عالية كان مقبولاً ، وقد قيل :” ترك العمل بسبب الخلق رياء وفعله لأجل الخلق شرك” وقال علي بن أبي طالب :”لا تهتموا لقلة العمل واهتموا للقبول فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ بن جبل: ” أخلص العمل يجزك منه القليل” .

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *