السكوت عن الظلم جريمة

سمعت كلمات مريرة لامرأةٍ سورية ، مزجتها بطعم الألم والحسرة والخيبة ، التي ارتوت منها العروق والتي تعتبر شاهداً على أعلى صورة من صور الظلم والذل والهوان ، قالت لا نريد إلا ما يخلصنا من الحمل الذي نبت في أحشائنا ، من أبناء المعتدين البغاة ، ولم نستطيع منع ذلك ، بل نتلقى ما يوجعنا ويقض مضاجعنا ، إنها تنادي ولسان الحال ينادي : أعيرونا مدافعكم لا مدامعكم ، ونسأل أنفسنا ونسألكم ، ألسنا أخوة في الدين ، وهل هنتم وهل هنا ، وهل اجتماعكم وبحث مآسينا ، تظنوا أنه يرضينا ، وهل دمعكم يشفي لنا صدرا أو يبري لنا جرحا ، لا وألف لا فقد سئمنا الشجب والردحا ، رغم وضوح الصورة وبشاعة المشهد فالاستجابة يائسة ، كلمات تكاد أن تجف قبل أن يجف مدادها ولمثل هول هذه الجرائم ، يذوب القلب من كمدٍ ولمثل هذا الهوان تنفطر الأكباد ، ولأن كانت الغفلة قد رانت على القلوب ، فلعلَّ هذه الأحداث المؤلمة تحرك الضمائر ، وتوقظ الهمم ، ولكن هيهات . إن قوة الظالم بعيدةً كل البعد عن ذاته لأنها قائمةٌ على تخاذل المتخاذلين ، وعدم حرصهم على إعداد العدة ، لمواجهة المأساة التي حلت بإخواننا الذين أصبحوا بين عشية وضحاها ملهاة الزمن وحديث المتفضلين ، إن سمة الظلم مذمومة في كل الشرائع والديانات السماوية ، وقد ذكرها الله سبحانه فقال : ﴿ وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا ﴾ والظلم من المعاصي الكبيرة التي يتعجل الله عقوبتها في الدنيا قبل الآخرة. لما لها من وقع سيء في قلوب عباده ، وقد حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال : ( صنفان من أمتي لا تنالهما شفاعتي : سلطان غشوم ظالم وغال في الدين ) فديننا يأمرنا أن لا نداهن ، وان نقف من الظلم موقفا واضحا ، وصريحا ، لان السكوت على الظلم لا يرضي الله ورسوله ، ويتعارض مع مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، الذي يأمرنا به الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وبدونه لا يستقيم المرء ، ولا يحسن إسلامه ، ومتى ما تخلت عنه الأمة ، استحقت الإذلال والهلاك ، والمسلم ينبغي أن لا يكون ذليلا أو مهانا ، وان يطالب بحقوقه بصوت عال ومسموع ليصل إلى أسماع الحاكم الظالم ، لأن من أعظم الظلم سكوت المظلوم على الظالم ، لأن السكوت على الظلم ، عون للظالم على ظلمه ، كما أنه يقتل في الإنسان إنسانيته ، ويقود إلى سخط الله وعقابه . قال تعالى : ﴿ ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار مهطعين مقنعي رؤوسهم ﴾إبراهيم42 . ولذلك لا يُقْبل الصمت على ظلم الظالمين ، وما حرك الشعوب هذه الأيام ، إلا شعورها بنار الظلم والقهر والمهانة .
ولا أدري كيف يغمض لنا جفن أمام لوعة الثكالي وصراخ الأطفال ، وحيرة الأرامل الذين يصرخون وامعتصماه. ولا من مجيب!! لنا إخوانٌ فراشهم الأرض ، ولحافهم السماء نصبح ونمسي آمنين ، وهم خائفون ، لم يذوقوا للراحة سبيلا ، ينشدون إخوانهم أن يلتفتوا لحالهم ولكن من يجيب ؟ ومن يسمع ؟أعراض تنتهك ، ودماء تسيل ولا يجدون ما يشبع جوعهم فصبروا ،فمنهم الشهيد ، ومنهم اليتيم ، ومنهم الأرملة والمسكين يصرخون ولا يسمعون إلا صدى صرخات أصواتهم ، وفي غمرة هذه الأحداث ، يبدو أن مخططات اليهود الرامية لهدم وتدمير المسجد الأقصى ، قد أشرفت على التنفيذ النهائي ، بمعنى أن مصيبتنا بمسرى حبيبنا قد اقتربت وأزفت الآزفة ، وليس لها من دون الله كاشفة ، بسبب غرق أبناء الأمة العربية والإسلامية في سبات عميق ، وعدم استشعارهم لخطورة ذلك .
فهل نسي العرب والمسلمون ، أنهم أمة النخوة والغيرة على الأعراض والمقدسات، والطامة الكبرى تقع حينما تنتزع الغيرة على المقدسات ، والنخوة من رؤوس الرجال، حينها نتوقع من أعداء الأمة والإنسانية ما لا يتوقعه أحد، وما لا يمكن للمرء أن يتخيله ، ولا للأمة أن تتصور حدوثه.
ما يجرى اليوم بالقدس ، من انتهاج العدو لسياسة التهويد التي تتسارع عجلتها يوما بعد يوم، وطرد أهل القدس من مدينة أبائهم والأجداد الأوائل وتغيير أسماء شوارع المدينة ، ومحاولات طمس معالمها وأثارها الإسلامية والعربية ، ليدق ناقوس الخطر الشديد.
لا شيء لدى الاحتلال – فيما أحسب – يمر دون دراسة وتحليل ، والوقوف عند حسابات الربح والخسارة، وبالتالي فإنه من البديهي أن يكون هناك هدف واضح وهام ، للمحاولات المتكررة باقتحام المسجد الأقصى ، ليجعلوا كما أعتقد من الاقتحامات المتكررة ، منظرا مألوفا لا تقشعر له الأبدان ، ولا تتحرك من هوله مشاعر المسلمين وحتى يتعود الناس على رؤية أبناء القردة والخنازير وهم يجوبون ساحات المسجد ، وباحاته صباح مساء وكأنه أمرا طبيعيا ، يريدون أن نألف مبدأ تقاسمهم لنا إرثنا المحمدي بالقدس، كما فعلوا بالحرم الإبراهيمي وجعلوا لهم مواعيد دورية لتدنيسه ينظروا اليوم بنفس المعادلة ، وذات الرؤية للمسجد الأقصى بل وأشد سوءا.
وفي غمرة انغماس الأمة بما يسمى بالربيع العربي ، قد نصحوا يوما ، ونجد أن العدو قد أنجز ما كان يحلم به من تقسيم المسجد الأقصى أو هدمه ، فالقدس والمسجد في خطر حقيقي ، وهما يصرخان من أعماقهما بالأمة العربية والإسلامية ، لعلها تخرج صلاح الدين من جديد أو من يقتدي بسيرته وصلاحه وجهاده، وينتصر لصرخات المسجد المكلوم الجريح. لقد انطلقت صرخات وامعتصماه اليوم مرارا وتكرارا من مآذن وقباب القدس، وأبواب الأقصى وباحاته وجنباته ، وكل زواياه تشتكى إلى الله تدنيس المغتصبين لها، وهي تصرخ وتنادي وأسلاماه فهل نستيقظ قبل فوات الأوان؟ وهل تشق هذه الصرخات طريقها نحو قلوب أحفاد صلاح الدين؟ أم أنها لامست الآذان ولكنها لم تلامس نخوة المعتصم.
إن إخواننا يتلقون المأساة على شكل معركة تدور واعتداءٍ يُدبَرْ ومؤمرات تُحاك ، إنهم يتطلعون إلى الساعة التي يفرح فيها المؤمنون بنصر الله ، إنهم يبتسمون للموت ، ولسان حالهم وهم يقاومون اعتداء الظالم قول الله تعالى : ﴿ والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سُبُلَنا وإن الله لمع المحسنين ﴾ . فلماذا الخضوع الأعمى للمؤامرة الدنيئة التي تستهدف قتل روح الجهاد والمقاومة في الأمة ، أليس من عجائب دهرنا ومصائب زماننا أن يعربد الظلم ويصول ويجول ، ويقتل ويدمر ؟ أليست مصيبة الإسلام في مضيعة لا معين له عليها بين جهل أبنائه وعجز علمائه ؟ في الوقت الذي يواجه هجوماً شرساً يهدف إلى القضاء عليه ، وإفراغ المسلمين من حوافزه الروحية ، وهل هان علينا أن نغضي على الأذى ونحن نرى جناته ، ونصبر على المكائد ونحن نعرف موقديها ، ونرتكس في مطارحنا الذليلة ، نقتات أوهاماً ونجتر آلاماً ، ونصبِّرُ أنفسنا على البلاء الذي يُمارس ضدنا ، حتى لا نكاد نحس به أو نُباليه ، إن دولاب الزمن لا ولن يقف ، والحياة لا تنتظر متخاذلاً ، ولا تقبل عذر متخلف وإن وقود الحركة ، التي تأخذ بيد الأمة إلى طريق النصر هو قلبٌ يعي ، وفكر يعمل ، وتضحيات تبذل بغير حساب ، ومن هنا كان لمداد العالم الصادق المخلص الذي لا تأخذه في قول كلمة الحق لومه لائم ، له وزنه في بناء كيان الأمة ، وكان لدم الشهيد قدره في الحفاظ على وجودها ، لأن عطاء العالم ، دليل السلامة في العقيدة والاستقامة على الطريق والمجاهد حين يبذل دمه خالصاً في سبيل الله ، فذلك برهان الوفاء ، وصدق ما عاهد الله عليه ، إن كلمات المخلصين من إخواننا تبكي ، وقطرات دمهم تحكي ، والحركة مستمرة ، لأنها تنسمت بالدم معنى الحياة ، لقد آن لنا أن نذكر ، ومطارق الغدر والخيانة والاعتداء ، تدق أبوابنا صباح مساء ، آن لنا أن نذكر الكلمة المضمخة بالدم ، التي يطل بها صاحبها هازئاً بهذا العالم الفاني ، مختاراً الشهادة على حياة الذل والعار ، آن لنا أن نفيق من الغفلة ونأخذ زمام المبادرة ونتسلم الراية من جديد ونجنب الأجيال القادمة جحيم الدنيا والآخرة ، فهل نحن فاعلون ؟

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *