السلام والاستسلام

السلام يعني الاستعداد واتخاذ كل الوسائل المادية والمعنوية التي ترهب العدو وتمنعه من الاعتداء والمحاربة والقتال ، الذي يهدد النفس والعقيدة والأوطان ومبادئ الإسلام ترحب بالسلام ، الذي يعطى كل ذي حق حقه ويرد الظالم عن ظلمه ، ولا يرحب بالسلام الذي تُملى فيه علينا تصرفاتنا ، وتُعطى الأوامر بحيث نطأطأ رؤوسنا ، ونوافق عليها مجبرين ، دون القدرة على التغيير أو التبديل وعندما تُفرض علينا شروط السلام فرضا بالتهديد والوعيد لمن يخالفها ، فهذا ليس سلاما ، وإنما هو استسلام ، لأن السلام ، لا يمكن أن يتحقق ، إلا ونحن في كامل القوة والقدرة على التفاوض ، لأن السلم الذي تُفْرَضُ شروطه فرضاًَ ، سلم رخيص حذرنا الله منه فقال: ﴿ فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ﴾ محمد 35 ، فكل سلام يهدف إلى رفع معنويات شعوب وتحطيم شعوب أخرى ، ليس سلاما ، وإنما هو استسلام ، لا تقره مبادئ الإسلام ، التي تفرض على المسلمين الدفاع ، عما أحتل من الأرض ، ويكون الجهاد فرض عين ، والنفير العام ، فرض على كل مسلم ، حتى تستعاد أرض المسلمين ، لأن مبادئ الإسلام ، لا تقر القعود عن الجهاد ، لنصرة المبادئ ، وإنقاذ البلاد ، ولهذا تنظر دول الكفر إلى الإسلام نظرة عداء ، ويعتبرونه العدو الوحيد ، أضف إلى ذلك ، أنه مهدد من أهله ، ومحارب من داخله ، فكيف يتأتى له أن يُخشى بأسه وإسرائيل تطبق قبضتها على أرض المسلمين ؟ كيف والدول الإسلامية تغرق بأوحال الحروب الداخلية ، والتمويل الأمريكي بالملاين وبالسلاح ، لجميع الفرق المتحاربة ليقتل بعضها بعضا ؟ إن المصائب التي تمر بالأمة ، مصائب توقظ النيام ، ولكنها كالمنافقين قديماً ، الذين قال الله تعالى فيهم : ﴿ أو لا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرّة أو مرّتين ثم لا يتوبون ولا هم يذّكرون ﴾ التوبة 126 . إننا لا ننتصر ، ما دمنا بعيدين عن الإسلام ،وما دام الإسلام مبعداً عن التشريع والتثقيف ، وما دامت الأمة لا تفكر بالجهاد ، فإن الله ، لا ولن يتولى عنها ضرب اليهود ، أو دول الكفر ، التي تتآمر على المسلمين ، ولن يكون هناك نصر من الله وإن صلينا له ، ودعوناه ورجوناه ، ولن تكون هناك عزّة ، إلا يوم أن يكون دستورنا كتاب الله ، وقدوتنا رسول الله ، وألا نستجيب لدعاة الإرجاف والانهزام ، الذين يروجون للاستسلام الذليل للعدو الإسرائيلي ، الذي قام منذ يومه الأول ، على الدماء والأشلاء واغتصاب الأراضي ، وهتك الأعراض ، كيف لنا أن ننسى ذلك ، ونضع أيدينا في يده الملوثة ؟ كيف ننسى عشرات المذابح ، عبر تاريخه الدموي الأسود ؟ وما يزال يتحين الفرص للقضاء علينا : فهم ﴿ لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً ﴾ التوبة10. وهل نتعامى عن هذا تحت دعوى الواقعية؟ مع أن الواقعية ، هي التي تفرض علينا أن نقرأ تاريخهم الأسود ، وأن نقاوم أحلامهم ، وأن نعرف ماذا يريدون بنا ، وليس من الواقعية أن نضفي الشرعية ، على اغتصابهم لفلسطين باسم دفع مسيرة السلام! وليس من الواقعية استقبال ممثليهم بحفاوة، أو الجلوس معهم في المؤتمرات والندوات واللقاءات ، لأنهم يستغلون ذلك أسوأ استغلال حين يعلنون أن لهم أنصارا وأصدقاء منا ، يؤيدون اعتدائهم ، بل الواقعية أن نقوي روح المقاومة ونرفض الاستسلام ، وحتى يتحقق ذلك لابد للإسلام من نظام ، ولا بد له من قوة حتى تكون له هيبته وصولته ، في نفوس أعدائه ، وفي الدفاع عن معتنقيه ، وتوفير الأمن والحماية لهم ، وفي هذا الصدد يقول على بن طالب رضي الله عنه : ” أما بعد فإن الجهاد ، بابٌ من أبواب الجنة ، فتحة الله لخاصة أوليائه ، وهو لباس التقوى ، ودرع الله الحصينة ، وجُنتّه الوثيقة فمن تركة رغبة عنه ، ألبسة الله ثوب الذُل وشَمْلةَ البلاء ” .
إن الواقع الفاسد ، الذي تعيشه مجتمعاتنا هذه الأيام ، يؤلمنا بعد أن أصبحنا لا نقوى على دفع القضاء وردِّ البلاء ، والذود عن كرامتنا ومستقبل أمتنا ، حيث يبني أعداؤنا ونهدم ويدنسون مقدساتنا ، ويحتلون أرضنا ويشردون ويضايقون أهلنا ، بالمطاردة والتجويع والسجن والقتل ، ولا حيلة لنا أمام صلفهم وكبريائهم ، إلا أن نلقاهم بالشعارات والمهاترات ، ونزيف الدم العربي بالأيدي العربية ، حتى أصبحنا نَلمْسُ بأن أبناء ديننا يقومون بوظيفة أعدائنا ، في الملاحقة والاعتقال والسجن ، إرضاءً لرغبة عدونا وخدمته ، إن أعداءنا يخططون لعشراتٍ من السنين القادمة ونحن نجترُّ مآسينا ، فلا عمل ولا تخطيط ، حتى أصبحت أُمتنا ضائعةً مشلولة مفككة الأوصال ، لأنها تنكرت لماضيها ، وأنكرت حاضرها ، ولعنت مستقبلها ، لدرجة أن الكوارث والأزمات أصبحت لا تحرك همةً ، ولا تثير عزيمة ، لقهر العدوّ الجاثم على أرضنا ، وهنا نتساءل : لماذا لا نجمعُ قوانا ، ونعبئ طاقاتنا ، ونوحِدُ صُفُوفَنا ، ونعلن الجهاد في سبيل الله ونستعلي على مُتَع الدنيا ، ونستخِفُ بوعيد العدو لوعيد الله ، قيل لأعرابي : أيما أحبُ إليك ، أن تلقى الله ظالما أو مظلوما ؟ قال : ظالما ، قيل له ويحك ولم ؟ قال ما عذري إذا قال لي خلفتك قوياً ثم جئت تستعدي؟ ” فالإسلام لا يعادي أحدا ، وإنما يعادي الجور والفساد والفحشاء ، وإن وجد مظلوم ، فمن الواجب أن يُنْتصر له ، وتُسْتَرد حقوقه المغصوبة ، التي استبد بها الطغاةُ بغياً وعدواناً وبهذا نطق القرآن : ﴿ وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين ﴾ النساء 75 . إن الإسلام يوجب على الجماعة المسلمة ، أن تدفع بالقوة ، من يتعرض لها بالأذى ، ضماناً لحرية العقيدة ، وإقراراً لمنهج الله في الحياة وتحطيماً للقوى التي تعترض طريق الدعوة وفي حدود هذه المبادئ ،كان الجهاد في الإسلام يأمر به ويُقِره ويُثيبُ عليه ، ويعتبرُ الذين يقتلون فيه شهداء ، كان الواحد من السلف يخرج وحده للقاء جيش بكامله فيخشى علية صَحْبُه من هلاكٍ مؤكد فيجيئونه بابنه ، عسى أن يراه فيحن إليه فيُثنيه عن عزمه ، أتدرون ماذا كان يقول ؟
هل يتخاذل أو يتقاعس ؟ أم يختلق لنفسه المعاذير؟ وهل يتخلف عما يراه جهاداً في سبيل الله ؟ لا إنه ليس بهذا ولا ذاك ، بل كان يقول لمن جاءوه بابنه ، رجاء أن يُثنوه عن حلمه الذي يعيش من أجله ، ويموت من أجله “والله يا قوم إني إلى طعنةٍ نافذةٍ ، أتقلب فيها على كعوب الرماح أحبُّ إليَّ من ابني “وها هي المقاومة ، تخرِّج لنا من أمثال هؤلاء الذين رفضوا الذلة لإسرائيل ، والموافقة على شروطها الجائرة ، غير مبالين بدعوات المثبطين ولا بالقرارات والإدانات ، الصادرة من هنا وهناك لصالح إسرائيل ، التي لا تفكر إلا بما يمليه عليها معتقدها ، الذي لا يؤمن إلا بالسلام ، الذي يتناسب مع مصالحها وأهدافها ، بعيدا عن معنى السلام فجميع المعاهدات المبرمة بين إسرائيل وجيرانها ، ما كانت إلا لتحقيق حلمها ، بأي وسيلة كانت سواء بالعمل الحربي ، أو بسلام صوري ، لأن مبدأ السلام ، غير موجود بالعقيدة الصهيونية منذ تأسيسها ، والمتتبع لمعاهدات السلام مع إسرائيل ، يلاحظ أن هدفها الرئيسي ، حماية إسرائيل ، وتكريس الاحتلال ، والمحافظة على أمنها ، وأمن مواطنيها على حساب أمن دول الجوار ، مما يدل على أن معاهدات السلام ، لم تكن من أجل مفهوم السلام ، بقدر ما هي صورة إسرائيلية ، لنموذج استسلام وهزيمة ، بأقل التكاليف ، ومطالبة الفلسطينيين بالاعتراف بيهودية الدولة .
إن إسرائيل لا تريد سلاما ، ولا تريد استسلام ، ولا تريد التنازل عن أي شيء لأنها تريد كل شيء وهي تمارس حرب إبادة واستنزاف ، للشعب الفلسطيني , رغم وجود المقاومة , التي لو تخلى عنها الفلسطينيون لرمي بهم بالبحر ، وسلام هذا واقعه ، يتنافى مع طبيعة السلام في الإسلام ، الذي لا يكون بترك القتال ، على حساب المبادئ التي أرادها الله في الأرض لبني الإنسان ، وهذا ما حذَّرنا الله منه فقال :﴿ فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وانتم الأعلون والله معكم ﴾ محمد 35 . قال الأعلون ، لأن المسلمين يمثلون الصورة العليا للحياة ، والتي لا بد لها من النصر ، حين يؤمنون بها ، تحقيقاً لوعد الله ﴿ إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم ﴾ . إن دعاة الإسلام في جهاد دائم ، لا ينقطع أبدا لتحقيق كلمة الله في الأرض ، وهم مكلفون ألا يهادنوا قوى الطاغوت ، على وجه هذه الأرض وألا يفتروا عن مجاهدتها ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا ، وألا يعاونوها ويقفوا في صفها بحال من الأحوال ، قال تعالى: ﴿ وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ﴾ .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *