الشهادة في محاربة الظلم

علينا تمني الموت في ساحات الجهاد ، حتى ننجوا من الميتتة الجاهلية التي ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : ( من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بغزو مات ميتتة جاهلية ) . لذا كان المسلمون يتمنون الموت في ساحات الجهاد وعلى شفة أحدهم :
وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أوصال شلو ممزع
هكذا مضت سنة الإيمان ، فوصفهم الله بأنهم { يقتلون ويقتلون } . كانوا يتمنون الشهادة في محاربة البغي وبعد أن كان الموت في الميدان عندهم أمنية ، فقد أصبح في هذا العصر الذي نعيش مستبعداً ، مما أطمع أعداء الإسلام في بلاد الإسلام ، لأن هناك قلوباً تطرق إليها الوهن ، الذي وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه حب الدنيا وكراهية الموت ، وإن كنا مسلمين فلماذا الوهن بالإسلام ، وإن كنا رجالاً فإن الرجولة تتطلب منا الجرأة في الحق ، جرأةٌ تفوق جرأة أعداء الإسلام في الباطل ، والرجولة حيث يكون الاستعلاء والاستعباد ، هي الرجولة التي تدفع المسلمين لأن يكونوا ثوارا ، يموتون من أجل العزة والكرامة ، ولا يمكن للشباب الثائر أن ينجح إلا إذا استهتر بالموت وأحبه في ذات الله ، شباب تجدد شباب الإسلام من شبابهم ، شبابٌ أعاد للأمة ثقتها بعدما كادت تنهار حتى تساءل خصومها : أبقي في أمة الإسلام هذا اللون من الرجولة ، في بلاد عملنا على حرمانها من دروس الرجولة ، وأغرقنا أرضها بالمغريات والمثبطات وهل بقي الإسلام قادراً على خلق هذا الشباب التقي النقي ، الذين يعتز الحق بتضحياتهم ؟ شباب نضن عليهم بالموت ، لكن الله لا يضن بهم على الاستشهاد ، كما لا يضن بالشهادة على أمثالهم وهو القائل:{ وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين} آل عمران 140
لا يضن بالشهادة عليهم لأنهم يجودون بأرواحهم وهم يرفعون ألوية الحق ، عملاً بالنصوص التي تغرس في نفس المسلم رفض الظلم ، والتمرُّد على الظالمين حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم ليقول في دعاء القنوت المروي عن ابن مسعود : ( نشكرك الله ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يَفجرُك ) البيهقي وابن ابي شيبة . والنصوص التي ترغِّب في القتال لإنقاذ المُضطهدين والمُستضعفين في الأرض بأبلغ عبارات الحثِّ والتحريض فيقول تعالى :{ وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا } النساء 75 .
وجاء في النصوص ما يدل على الإنكار الشديد على الذين يقبلون الضَّيم، ويرضون بالإقامة في أرض يُهانون فيها ويُظلَمون، ولديهم القدرة على الهجرة منها والفرار إلى أرض سواها، فيقول:{ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا * إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا * فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا } النساء 99. حتى هؤلاء العجزة والضعفاء قال القرآن في شأنهم :{ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ } فجعل ذلك في مَظِنَّة الرجاء من الله تعالى؛ زجرًا عن الرضا بالذل والظلم ما وجد المسلم إلى رفضه سبيلًا.
وحديث القرآن المُتكرِّر عن المُتجبرين في الأرض ، حديث يملأ قلب المسلم بالنقمة عليهم، والإنكار لسيرتهم، والبغض لطغيانهم ، وقد علمنا القرآن أن الاستهانة بكرامة الأمة ، وتملُّق الحكام بالباطل وموالاة أعداء الله ، وأعداء الأمة من دون المؤمنين منكر من أكبر المنكرات ، وتتسع دائرة المنكرات هذه ، لتشمل كثيرًا مما يعدُّه الناس في صُلب السياسة مما يدعو للتساؤل : هل يَسَع المسلم الحريص على مرضاة ربه أن يقف صامتًا، أو ينسحب من الميدان هاربًا أمام هذه المنكرات وغيرها؛ خوفًا أو طمعًا أو إيثارًا للسلامة ؟ إن مثل هذه الروح ، إن شاعت في الأمة فقد انتهت رسالتها، وحُكِمَ عليها بالفناء؛ لأنها غَدَت أمة أخرى غير الأمة التي وصفها الله بقوله : { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ } آل عمران110. ولا عجب أن نسمع هذا النذير النبوي للأمة في هذا الموقف ، في الحديث الذي رواه أحمد والحاكم والبيهقي : ( إذا رأيت أمتي تهاب أن تقول للظالم: يا ظالم فقد تُوُدِّعَ منهم ) أي فقدوا أهلية الحياة لذلك فإن المسلم مطالب -بمقتضى إيمانه- ألا يقف موقف المتفرج من المنكر أيًّا كان نوعه ، سياسيًّا كان أم اقتصاديًّا أم اجتماعيًّا أم ثقافيًّا ، بل عليه أن يقاومه ، ويعمل على تغييره باليد إن استطاع، وإلا فباللسان والبيان، فإن عجز عن التغيير باللسان انتقل إلى آخر المراحل وأدناها؛ وهي التغيير بالقلب، وهي التي جعلها الحديث: “أضعف الإيمان”. وإنما سماه الرسول صلى الله عليه وسلم تغييرًا بالقلب؛ لأنه تعبئة نفسية وشعورية ضد المنكر وأهله وحماته وهذه التعبئة ليست أمرًا سلبيًّا محضًا كما يتوهم ، ولو كانت كذلك ما سماها الحديث (تغييرًا) ، لأن هذه التعبئة المستمرة للأنفس والمشاعر والضمائر ، لا بد لها أن تتنفَّس يومًا ما في عمل إيجابي، قد يكون ثورة عارمة، أو انفجارًا لا يُبقى ولا يذر، فإن توالي الضغط لا بد أن يُولِّد الانفجار، سُنة الله في خلقه وإذا كان هذا الحديث سمى هذا الموقف (تغييرًا بالقلب) فإن حديثًا نبويًّا آخر سماه (جهاد القلب) وهو آخر درجات الجهاد كما أنه آخر درجات الإيمان وأضعفها، فقد روى مسلم عن ابن مسعود مرفوعًا : ( ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تَخلُف من بعدهم خُلُوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمَن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومَن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومَن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، ليس ذلك من الإيمان حبة خردل ) .
وقد يعجز الفرد وحده عن مقاومة المنكر، وخصوصًا إذا انتشر وقَوِي فاعلوه أو كان المنكر من قِبَل الأمراء الذين يفترض فيهم أن يكونوا هم أول المحاربين له، لا أصحابه وحرَّاسه، وهنا يكون الأمر كما في المثل: “حاميها حراميها”، أو كقول الشاعر:
وراعي الشاة يحمي الذئب عنها فكيف إذا الرعاة لها ذئاب؟!
وهنا تكون الثورة على تغيير المنكر ، واجبًا لا ريب فيه؛ لأنها تعاون على البر والتقوى، ويكون العمل الجماعي -عن طريق الجمعيات أو الأحزاب أو غيرها من القنوات المتاحة- فريضة يوجبها الدِّين كما أنه ضرورة يُحتِّمها الواقع ، وإن ما يقال عنه حرية الحق في التعبير والنقد والمعارضة سلما ، هو حقٌ يَرقى به الإسلام ليجعله فريضة مقدسة يبوء بالإثم ، ويستحق عقاب الله ، من يفرَّط فيها .
وفرق كبير بين (الحق) الذي يدخل في دائرة (الإباحة) أو (التخيير) الذي يكون الإنسان في حِلّ من تركه إن شاء، وبين (الواجب) أو (الفرض) الذي لا خيار للمكلف في تركه ، أو إغفاله بغير عذر يقبله الشرع ، لأن المكلف مطالب بمقتضى إيمانه ألا يعيش لنفسه وحدها، دون اهتمام بمشكلات الآخرين وهمومهم، وخصوصًا المؤمنين منهم، بحكم أُخوة الإيمان لقوله تعالى :{ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ } الحجرات10 ولما ورد في الحديث: ( مَن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم، ومَن لم يصبح ناصحًا لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم فليس منهم) الطبراني وأحمد ( وأيما أهل عَرْصَة بات فيهم امرؤ جائع فقد برئت منهم ذمة الله وذمة رسوله ) الطبراني والحاكم . وكما أن المسلم مطالَب بمقاومة الظلم الاجتماعي ، ومطالَب أيضًا بمحاربة الظلم السياسي، وكل ظلم أيًّا كان اسمه ونوعه، فإن السكوت عنه والتهاون فيه يوجب العذاب على الأمة كلها؛ كما قال تعالى:{ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً }الأنفال 25 . وقد ذمَّ القرآن الكريم الأقوام الذين أطاعوا الجبابرة الطغاة وساروا في ركابهم كقوله عن قوم نوح:{ وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا } نوح 21 . بل جعل القرآن مُجرَّد الركون والميل النفسي إلى الظالمين موجبًا لعذاب الله :{ وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ } هود 113.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *