جعل الله العفو بمثابة ثمن عظيم يأخذه صاحبه مقابل الإساءة المؤلمة التي يلقاها من غيره ، فهو جوهرة ثمينة جداً يضيفها إلى مكارم الأخلاق إضافةً إلى الثواب العظيم عند الله تعالى . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إذا جمع الله الخلائق يوم القيامة ناد مناد : أين أهل الفصل ؟ فيقوم ناس فينطلقون سراعاً إلى الجنة فتتلقاهم الملائكة فيقولون لهم : إنا نراكم سراعاً إلى الجنة فيقولون لهم : إنا أهل الفصل ، فيقولون لهم : ما كان فضلكم ؟ فيقولون : كنا أذا ظلمنا صبرنا وإذا أُسيء إلينا عفونا وإذا جُهل علينا حلمنا ، فيقال لهم ادخلوا الجنة أجر العاملين ) . ولنا في رسول الله أسوة حسنة في التحلي بخلق الصفح وهو الإعراض عن مواجهة السيئة بمثلها وقد أنزل الله في تأديب الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا الأدب قوله : ﴿ فاصفح الصفح الجيل ﴾ الحج . ولقد أحسن القائل :
وقال نبينا فيما رواه عن الرحمن في علم الغيوب
محالٌ أن ينال العفو لا يمن به على أهـل الذنوب
وقد طالبنا الله أن ندفع بالتي هي أحسن فقال تعالى : ﴿ ولا تستوي الحسنه ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك و بينه عداوة كأنه وليّ حميم ﴾ . ومع ضبط النفس وإيثار الدفع بالتي هي أحسن تأتي وساوس الشيطان ، فتحرك النفس إلى الانتقام، وتوسوس بأن الشرّ لا يُدفع إلا بمثله وقد أبان الله الدواء الصارف لهذه الوساوس وذلك بالاستعاذة بالله من همزات الشيطان فقال تعالى : ﴿ وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم ﴾ فصلت 35 .لقد علمنا القرآن أن نزن الأمور بميزان العقل والحكمة ، وأن نسعى إلى تحقيق التآلف والإصلاح بالكلمة الطيبة فأوجب على المؤمنين أن يسارعوا إلى إصلاح ذات البين ، وأن يصلحوا بين المختصمين فقال تعالى : ﴿ إنما المؤمنون إخوة فاصلحوا بين أخويكم ﴾ .
