الصلاح في علو الهمة

الهمة في اللغة : ما هم به من الأمر ليفعل ، وفي الاصطلاح : الباعث على الفعل ، والهمم العالية : هي التي لا تقف دون الله تعالى، ولا تطلب سواه، ولا تسعى إلا لرضاه، ولا ترضى بغيره بدلا منه، ولا تبيع حظها من الله وقربه والأنس به بشيء من أعراض الدنيا وحظوظها وحطامها الفاني ، كيف والله أعلى مطلوب وأفضل مرغوب ، لأن صاحب الهمة العالية لا يرضى بالأشياء الدنيئة ، قال عمر بن عبد العزيز : إن لي نفساً تواقة ، ما نالت شيئاً إلا تاقت إلى ما هو أفضل منه ، وإنها لما نالت هذه المنزلة يعني الخلافة ، وليس في الدنيا منزلةً أعلى منها ، تاقت إلى ما هو أعلى منها يعني الآخرة وجاءت مولاة لعمر بن عبد العزيز ، فقصت أنها رأت في المنام ، كأن الصراط قد نصب على جهنم وهي تزفر على أهلها ، وذكرت أنها رات رجالاً مرّوا على الصراط فأخذتهم النار ، ورأيتك يا أمير المؤمنين وقد جيء بك ، فوقع مغشياً عليه وبقي زماناً وهي تصيح في اذنه رايتك وقد نجوت .
إن سقوط الهمم هو أصل ما وصلنا إليه من ذل وهوان ، وما من أمة يرضى أهلها بالأمر الواقع ولا تبلغ همم أبنائها أن يغيروه إلا كان لهم الخزي والعار والذلة والصغار. لقد رأينا أصحاب رسول الله رضي الله عنهم كيف أسقطوا أكبر إمبراطوريتين وأعظم دوليتين في زمنهم (فارس والروم) وفتحوا بلاد السند والهند والمغرب والأندلس في فترة وجيزة هي كالحلم في عمر الزمان.
وقد رأينا في زمان العز وعلو الهمم كيف كان المسلم في عهد صلاح الدين يربط عشرات الأسرى في عمود الخيمة.. ولقد باع مسلم أسيرا نصرانيا بنعل ، فلما سألوه لماذا؟ قال: أردت أن يخلد التاريخ هوانهم وذلهم ، وأن رجلا منهم بيع بنعل فخلدها له التاريخ ، ثم مرت الأيام وقعدت الهمم ورأينا كيف كان الجندي من التتار يأمر المسلمين قعيدي الهمة ، أن يجلسوا مكانهم حتى يذهب فيأتي بالسيف ليقتلهم ، فيمنعهم الخوف أن يتحركوا حتى يعود إليهم فيقتلهم أجمعين ، ثم مرت الأيام ورأينا كيف احتلت فلسطين ، وضاعت القدس، وسلب المسجد الأقصى.
ورأينا كيف ضاعت العراق ورأينا كيف يركع الجندي العراقي أمام نعل الجندي الأمريكي طالبا منه العفو والصفح، وطالعتنا الأخبار بصورة رجل هناك يقبل يدي جندي أمريكي شكرا له على تحرير البلاد!! ومرت الأيام ورأينا في عصرنا شبابا ينتسبون إلى الإسلام تصاغرت هممهم ، إلا عن السفاسف ومحقرات الأعمال، يمعنون في التشبه بالكفار في قصات الشعور ، وفي أزياء الملابس، وبعضهم يعلق على سيارته أعلام الدول التي أذلت كبرياءهم وطأطأت أعناقهم وأهدرت كرامتهم واستعبدت أمتهم .
إن هذه الأمة إن أرادت أن تستعيد هيبتها وكرامتها وأن تعيد مجدها وعزتها ، فلابد لها أولا من أن تعلي همتها وتحيي عزيمتها.. وإنما تعلو الهمم بأمور خلاصتها تخلية وتحلية.. إن مما يدركه الإنسان البصير ، حكمة الله في تفاوت رغبات الناس وتباين هممهم ومراداتهم . إن الإنسان بطبيعته التي خلقه الله عليها ضعيف في بدنه ضعيف في إدراكه وتصوراته ، فهو يريد كل شيء ولا يستطيع أن يدرك إلا بعضاً من شيء ، ثم هذا الشيء الذي أدركه لم يدركه على أتم صفة فيه وأعلى درجة منه ، فهي إذن سنة إلاهية تنبه لها الصحابة رضي الله عنهم ، فسألوا عن أفضل الأعمال وعن أحبها إلى الله وأقربها إليه .
ثم تبع هذا تفاوت الناس في أخذهم من هذه الأعمال فمن الناس من فتح الله له باباً من الأعمال الصالحة فهي ديدنه ، ومنهم من فتح له بابان وثلاثة وأكثر فهو ينقل نفسه بين رياض هذه الأعمال وفي كل واحد من هؤلاء خير يقول النبي صلى الله عليه وسلم (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير) فقوي الإيمان على خير وهو في علية الناس وكتابه في عليين ، وضعيف الإيمان هو الآخر على خير بشهادة النبي صلى الله عليه وسلم (ولعبد مؤمن خير من مشرك) ومع ذلك هو مطالب أن يزيد في إيمانه ، وأن ينشط في نفسه ، وأن يلحق بالسابقين من إخوانه (احرص على ما ينفعك واستعن بالله) ، ﴿ والسابقون السابقون أولئك المقربون ﴾ فمن سابق في هذه الدنيا وسبق إلى الخير ، كان من السابقين إلى الكرامة ، والجزاء من جنس العمل ، وكما تدين تدان ولهذا قال تعالى : ﴿ أولئك المقربون في جنات النعيم ﴾ والأبرار المقربون من علت همتهم وأعمالهم ، والمسلم حينما يدرك أنه لن يستوعب كل أبواب الخير وإن حصَّل جملة منها ، فإنه يستمسك بالباب الذي فتح له على حدِّ ما يروى عن عمر رضي الله عنه (من بورك له في شيء فليلزمه) ، كتب عبد الله العُمري العابد إلى الإمام مالك : يحضُّه على العُزلةِ والعمَل المنفرد، فكتب إليه الإمام مالك : “إنَّ الله قسم الأعمالَ كما قسم الأرزاق، فرُبّ رجلٍ فُتِح له في الصلاة ولم يفتَح له في الصوم وآخر فُتح له في الصدقةِ ولم يفتَح له في الصوم”، ثم يقول الإمام مالك : “ونشرُ العلم من أفضلِ أعمال البرّ، وقد رضيتُ بما فُتح لي فيه ، وما أظنّ ما أنا فيه بدون ما أنت فيه ، وأرجو أن يكونَ كلانا على برٍّ وخير” وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( المؤمن حارث وهمام فهو حارث بفعله يباشر أعماله ، وما لا يستطيعه فهو همَّام به ) أي : له نية حسنة فيه لو استطاعه لعمله .
فالتاجر في عمله والموظف في وظيفته والمعلم بين طلابه صاحب الرأي برأيه ومشورته ، كل بحسبه وحيث يضعها يجدها ، ولا تزال دائرة الخير والعمل تتسع حتى لا تدع لأحد عذراً ، وتأمل جيداً ما رواه أبو ذرّ رضي الله عنه قال: يا رسول الله، أيّ الأعمال أفضل؟ قال: (إيمانٌ بالله، وجهاد في سبيله) قال: فأيّ الرِّقاب أفضل؟ قال: (أغلاها ثمنًا وأنفسها عند أهلها ، قال: أرأيتَ إن لم أفعل؟ قال: تعين صانعًا أو تصنَع لأخرَق ، قال: أرأيت إن ضعفتُ عن بعض العمل ؟ قال: تكف شرَّك عن الناس ، فإنّه صدقة تصدَّقُ بها على نفسك) متفق عليه .
فاعرف يا أخي : أين تضع نفسك في ميدان العمل وفي حياة المسارعة والمسابقة : ﴿ وسارعوا إلى مغفرة من ربكم ﴾ ، سابقوا إلى مغفرة من ربكم ، ثم تنبه أنَّ هناك من أبواب الخير ما تمليه الظروف على طائفة من المسلمين دون طائفة فمن كانوا من المسلمين في البلاد التي جثم فيها الاحتلال وصارت جيوش الظالمين تجوس خلال ديارهم لا ترحم صغيرهم ولا تؤوي كبيرهم اعتادت أسماعهم دوي الانفجارات ، وألفت أنظارهم صور القتلى جاورهم من لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة ، فهؤلاء عندهم من أبواب العمل ما نرجو الله لهم أن يكون سبباً في تفريج كربتهم وفك غربتهم في ديارهم فهم يعبدون الله في انتظار الفرج ومن أفضل العبادات انتظار الفرج ، ذُكر عن ابن الجوزي أنه قال :”وإنما تقصر بعض الهمم في بعض الأوقات، بسبب عجز أو كسل أو ركون إلى وسوسة الشيطان والهوى، وتسويل النفس الأمارة بالسوء، فهنا تحتاج الهمة عنده إلى إيقاظ وتنبيه وتذكير، بأن يذكرها ويسألها: رضا من تطلب؟ وفي أي نعيم ترغب؟ ومن أي عقاب ترهب؟ كما فعل ذلك البطل الذي لا نعرف اسمه، لكن حسبه أن الله سبحانه وتعالى يعلمه، وهو وحده الذي يثيبه فعن عبد الله بن قيس أبي أمية الغفاري قال: كنا في غزاة ، فحضر العدو، فصيح في الناس -يعني: نودي بالجهاد- فوثبوا إلى مصافهم، وكان هناك رجل أمامي، رأس فرسي عند عجز فرسه. وكان هذا الرجل واقفاً، ولا يشعر بأن هذا يقف ويسمعه، وكان يخاطب نفسه ويقول: ألم أشهد مشهد كذا وكذا، فقلتِ لي: أهلك وعيالك، فأطعتك ورجعت؟ ألم أشهد مشهد كذا وكذا، فقلت لي: أهلك وعيالك، فأطعتك ورجعت؟ والله لأعرضنّك اليوم على الله، أخذك أو تركك. فقلت: لأرمقنه اليوم -أي: سأراقب هذا الرجل إلى ما ينتهي أمره- قال: فرمقته، فحمل الناس على عدوهم، فكان في أوائلهم، ثم إن العدو حمل على الناس ، فانكشفوا -يعني: انهزموا- فكان في حماتهم أي كان مع الطائفة التي تحميهم وتدافع عنهم، ثم إن الناس حملوا مرة ثانية، فكان في أوائلهم، ثم حمل العدو وانكشف الناس، فكان في حماتهم، قال: فوالله ما زال ذلك دأبه حتى رأيته صريعاً، فعددت به وبدابته ستين أو أكثر من ستين طعنة. رحمه الله تعالى. فلابد لكل من يسلك الطريق إلى الله سبحانه وتعالى من هذين الجناحين؛ ليطير بهما، ولا يستقيم حال المرء إذا اقتصر على واحد منهما. فالمرء لابد له من همة تحمله، وعلم يبصره ويهديه، فالقوة العلمية مع القوة العملية لا بد منهما، فمثلاً: من يريد أن يسافر إلى بلد معين لا شك أنه يحتاج إلى خريطة بالموقع والمكان الذي يريد أن يقصده، وفي نفس الوقت يحتاج إلى سيارة، وهذه السيارة لابد لها من وقود، فالخريطة هي القوة العلمية التي تدله لكي يصل إلى هذا المكان، والوقود هذا هو القوة العملية أو قوة الإرادة التي تمكنه من الحركة والانبعاث لتحصيل هذا المقصود.
ومن خصائص كبير الهمة: أنه يعلم تماماً أنه بقدر ما يتعنى ينال ما يتمنى، يعني: أن ثمن الهدف العالي الذي يطلبه أن يكون هناك جهد جهيد يبذله؛ كي يصل إلى هذا الهدف، فلا يغرق في أحلام اليقظة والأماني الكاذبة، ولا يغتر بالأماني وهو لا يسعى في تحصيلها؛ فلابد لكل سلعة من ثمن يليق بها، لأن عالي الهمة يجود بالنفس والنفيس في سبيل تحصيل غايته، وتحقيق بغيته؛ لأنه يعلم أن المكارم منوطة بالمكاره، وأن المصالح والخيرات واللذات والكمالات كلها لا تنال إلا بحظ من المشقة، ولا يعبر عليها إلا على جسر من التعب ، وقد أجمع عقلاء كل أمة على أن النعيم لا يدرك بالنعيم، وأن من آثر الراحة فاتته الراحة ، فلا فرحة لمن لا هم له، ولا لذة لمن لا صبر له، ولا نعيم لمن لا شقاء له، ولا راحة لمن لا تعب له، بل إذا تعب العبد قليلاً استراح طويلاً، ومن تحمل مشقة الصبر ساعة قاده لحياة الأبد، وكل ما فيه أهل النعيم المقيم فهو صبر ساعة ، قال أحمد بن داود أبو سعيد الواسطي : دخلت على أحمد بن حنبل الحبس قبل الضرب، فقلت له في بعض كلامي: يا أبا عبد الله ! عليك عيال، ولك صبيان، وأنت معذور؛ كأني أسهل عليه الإجابة، فقال لي : إن كان هذا عقلك يا أبا سعيد ! فقد استرحت. لكن هل هذه الراحة ممدوحة؟ الجواب: لا ، وقد قيل للإمام أحمد : متى يجد العبد طعم الراحة؟ فقال: عند أول قدم في الجنة ، إنها همة ابن حنبل والهمم تتفاوت، وكل حي عنده همة، لكن من الناس من همته في الدنيا ، وهمم الدنيا كثيرة ، لكن العاقل من يجعل همته في الآخرة، فإذا وصل إلى مستوى طمع إلى ما هو أعلى منه ، فهل ترغب يا أخي أن تكون عالي الهمة ، فقلبه لا يعرف الغفلة ولا الراحة ولا الترف ، فعباد الله ليسوا بالمنعمين ، وإن دنت همتك فخف من عقوبة ربك ، وإن علت قليلاً فارغب في معاملته ، وإن تناهت فتعلق بمحبته قال بعض السلف : لقيت رجلاً في برية فقلت من أين ؟ فقال من عند قومٍ : ﴿ لا تلههم تجارةٌ ولا بيعٌ عن ذكر الله ﴾ فقلت وإلى أين ؟ فقال : إلى قوم : ﴿ تتجافى جنوبهم عن المضاجع ﴾ فلله درُّ العارفين ما أقل ما تعبوا وما أيسر ما نصبوا ، وما زالوا حتى نالوا ما طلبوا .

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *