الصمت على الاغتيالات الإسرائيلية


لقد انتهجت إسرائيلي سياسة الاغتيالات لملاحقة الفلسطينيين خارج وداخل فلسطين ، وليس غريباً من حكومة قائمة في أصلها على سياسة الاغتصاب والاحتلال ، لكن الغريب ، هو الصمت العربي والدولي والسؤال : لماذا هذا الصمت؟ ولماذا هذا التواري والتملّص؟ أيخشون أن يكونوا في زمرة المعادين لإسرائيل ، والسياسة الغربية الداعمة لها ، وكأن إسرائيل ليست دولة محتلة، ولا مغتصبة، وليست قائمة في تكوينها على ثقافة القتل والقمع والاغتيال، والإبادة، والتهجير، ولماذا يخشوا نقد إسرائيل ؟ ولماذا يقبلوا أن يكون مشاهدين لسياساتها على مقاعد المتفرجين ؟ ولماذا هذا التواطؤ الذي يعتبر رسالة تأييد لإسرائيل ، أن استمري فنحن صامتون ؟ وهكذا تمر جرائم إسرائيل وعملياتها الإرهابية ، تحت غطاء كثيف من التجاهل الإعلامي ، والصمت السياسي, أما لو كان الاغتيال لدبلوماسي ، أو ضابط موساد إسرائيلي ، لسلطت عليه الأضواء بقوة في وسائل الإعلام ، الأمريكية والأوروبية والعربية أيضا, منددين بالإرهاب وواصفين إياه بأنه مناف للإنسانية والأخلاق ، ومعاد لجهود السلام في المنطقة بينما ملاحقة إسرائيل لمناضل فلسطيني واغتياله ، وقتل الأطفال والنساء والرجال ، وتدمير المنازل ، وما تقوم به من أعمال عدوانية وقمعية ومصادرة الأراضي الفلسطينية وإقامة البؤر الاستيطانية في مدينة القدس ، وحرمان المواطنين الفلسطينيين من أبسط حقوقهم الوطنية ومواصلة سياساتها العدوانية لاغتيال القادة والنشطاء الفلسطينيين ، ليس إرهابا وإنما هو دفاع عن النفس .
ليست جريمة الاغتيال في هذه الأيام هي الأولى ، التي ينفذها الصهاينة، وعلى ضوء عدم الرد على مثل هذه الجرائم، لن تكون الأخيرة ، ولأنها آمنةٌ من الرد فإنها تمارس هذه السياسة ، بصورة منهجية ، نابعة من صلب العقيدة الصهيونية يشجعها على جرائمها البشعة ،سكوت الأمم المتحدة والهيئات والمحافل الدولية أضف إلى ذلك الصمت عن كل ما يجري في فلسطين المحتلة ، وترك الشعب الفلسطيني ، يذبح أمام مرأى ومسمع العالم أجمع ، وما دروا الساكت عن الحق شيطانٌ أخرس ، وما أ كثر الشياطين الخُرس في هذه الأيام ، إذ أصبحوا بالنسبة لما يجري أموات، والذي يبدو أن السكوت الطويل ، على أفعال إسرائيل وممارساتها العدوانية ، سكوت استراتيجي لدى حلفائها ، واعتبار هذه الأفعال والممارسات دفاعًا عن النفس، ورفض أي حلول سلمية ومحاربة أي مشروع فلسطيني مقاوم للاحتلال الإسرائيلي ، واعتداءاته، وعملوا ولا يزالون ، على منع المقاومة الفلسطينية من الدفاع عن القضية الفلسطينية ، ومن اللافت للنظر ، أن المجتمع الدولي يغلق عينيه عن كل جريمة ترتكبها إسرائيل، وكأن الفلسطيني والمقدسات الإسلامية ليسا مشمولين بحقوق الإنسان ، والمعاهدات المنظمة لتلك الحقوق، واحترام المقدسات.
لقد أصبح قتل الفلسطينيين العزل طقساً يوميًّا أو شبه يومي تمارسه إسرائيل، ففي كل يوم يتم اغتيال ، وقتلٌ واعتقال ، بينما لم يتحدث أحد عن ضرورة وقف هذه الجرائم ، وكأنه تفويض مفتوح ، لقتل الفلسطينيين دون محاسبة، وإذا كان الصمت الدولي عن جرائم إسرائيل ، صمتًا تضامنياً ، ففي أي خانة ، يمكن وضع الصمت العربي ؟ أفي خانة التأييد والدعم؟ أم في خانة النسيان والسكوت آخذين بالحكمة العربية ، لتشجع على وقف الشجب والاستنكار : “إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب ” فالسكوت في المثل له قيمة عالية تعادل الذهب ، عندما يكون في موضعه ، لكن المفهوم الحديث فإنه يتعامل مع اصطلاح الصمت باعتباره مرادفاً للسكوت ، بالرغم من أن كلمة السكوت تحمل مدلولات الحكمة والتريث، بينما مدلول كلمة الصمت حيال ما يحدث يحمل مدلولات الاستكانة والقبول بالأمر الواقع ، ولا يقبل يذلك إلا الشعوب الخانعة والخائفة ، التي تتبنى نهج الصمت والاستسلام ، لما هو مفروض عليها ونحن نعيش في زمن أنظمة سياسية تشجع على الصمت ، في وقت يلتزم به من ينجو بجلده في أسوء الحالات ، ومن لا يلتزم بالصمت ، فإنه يحظى بتسميات الخائن أو الجهادي أو الإخواني ، وفي بعض الأنظمة ، يكون عقاب عدم الصمت الموت أو الاغتيال، وفي بعضها الآخر السجن ، وقد يكون العقاب من خلال الإقصاء ، والمحاربة في الرزق والوظيفة وهذا يقودنا ، إلى الحديث عن ضرورة استكشاف طبيعة الثقافة السياسية في هذه الأيام ، ومدى قدرة هذه الثقافة ، على التخلص من الاستبداد والطغيان ، التي أدت إلى قتل روح الكرامة والعزة واستبدالها ، بمواقف التذلل والتزلف ، إما بهدف السلامة الجسدية ، أو لغايات الوصول إلى مواقع المسؤولية ، وقد ساهمت نزعات الاستبداد والإجرام في تكريس المزيد من التذلل والتزلف ، وسعت إلى شراء الذمم ، من خلال إدخالها في منظومة الفساد المالي والأخلاقي ، بعد أن تم الإفساد السياسي فأصبح التعبير عن الهوية السياسية والوظيفية ، محصوراً من خلال الأنظمة التي يخدمونها ، وهكذا يصبح الولاء المطلق والصمت ، هما وسيلة التعبير الوحيدة إلا إذا كان النطق في سياق التمجيد ، أو تمثيل الإرادات والرغبات ، فسادت قيم الاستسلام للإرادات ، واستباحة المال العام ، مقابل الولآت ، مما أدى إلى عدم المبالاة ، وميوعة المواقف الرسمية ، تجاه ما تفعله إسرائيل التي لها اليد الطولى في ضمان صمت من حولها ، فقد صرح عاموس يادلين رئيس الاستخبارات العسكرية عام 2010 عند انتهاء مهامه حيث قال : ” قد أنجزنا خلال الأربع سنوات ونصف الماضية كل المهام ، التي أوكلت إلينا، ونجحنا في ربط نشاط الشبكات العاملة في لبنان وفلسطين وإيران والعراق ،كما أعدنا صياغة عدد كبير من شبكات التجسس لصالحنا في لبنان أما بين الفلسطينيين ، فنحن الذين أفرغنا السلطة من محتواها، وسيطرنا على معظم قادة منظمة التحرير ، الذين عادوا إلى أراضي السلطة ، وشبكنا معهم أوثق العلاقات، ومنهم من ساعدنا كثيراً في عدد من الساحات العربية، ونسج لنا علاقات مباشرة وغير مباشرة مع أجهزة وقادة عرب، إلى أن أصبح جزء منهم جزءاً من عملنا .
إن إقدام إسرائيل ، على أعمالها العدوانية دليل على حصولها تفويضاَ أمريكياً بالقضاء على الانتفاضة ، وتجاهلت أن الانتفاضة إرادة شعب ، يتوق إلى الحياة بحرية وكرامة وستضطر إلى الرضوخ لإرادة الشعب الفلسطيني ، سواء أجهزت على قياداته ، أم أبقت على أحدٍ منها ، فذلك لا ينهي الانتفاضة ، لا ننكر أن للقيادات دورها المهم ، لكن المهم ، أن الشعب القادر على استمرار العطاء بدماء الشهداء ، قادر على استمرار إفراز قيادات، لا تلجأ إلى غير القوة ، لأن سنوات التفاوض ، وما رافقها من تنازلات ، لم تغير من العقلية الإسرائيلية شيئا وأن الفلسطينيين ، يدركون أن استمرار الانتفاضة ، يهون أمام حال الاستعباد التي سيواجهونها لو توقفت ويدركون أنهم يعانون ، من ظلم اليهود وبطشهم ولا من يهتم ، أو يلتفت لذلك وإذا كان ثمة اهتمام ، من خلال الشجب والتنديد ، والاستنكار اللفظي ، الذي لا يتعدى الألسنة إلى القلوب ، والذي لا يمكن أن يتحول إلى عمل جدي فعّال على الأرض ، لكن الأغلبية الصامتة من أمتنا تغلي وهي لا ترى جدوى من كل السياسات العاجزة ، من مواجه ما يجري على أرض فلسطين ، ولا يضير الفلسطينيين أن العالم وحتى أمتهم ، تتفرّج عليهم ، وهم في اشتباك مع الموت والبقاء ، طالما ظل ممكناً لهم ، أن يتصدوا لعدوهم بصدورهم العارية ، وطالما ظلوا يقاومونه ويقتلون كما يقتل ، ولو بفارق كبير ﴿ فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون ﴾ .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *