ما هو الضمير ؟ هو تلك القوة الرّوحية التي تحكم مواقف الإنسان وتفكيره فتجعله يميز الخطأ من الصّواب وتقابله التقوى التي تزرع الرهبة في قلب الإنسان فتجعله يبتعد عن السيئات ويقبل على فعل الحسنات· وكأن التقوى هي الضمير بعينه الذي يجنب الإنسان أفعال السوء ويدله على طريق الخير ، وكلمة الضمير جارية على كل لسان ، نرى صادقاً أو أميناً فنصفه بأنه إنسان ذو ضمير ونسمع بمن يغش أو يسيء معاملة الناس , فنقول : عديم الضمير , وقد نمر بالأزمات السياسية و الاقتصادية والاجتماعية ، فنقول : الأزمة أزمة ضمير , ونناشد الضمير العالمي ولا مجيب ، لأن ضمائرهم ميتة كقلوبهم , والضمير العالمي الذي نناشده ما هو إلا وهم وسراب ، من أجل ذلك كان الواجب أن تتعلق قلوبنا بالله في جلب النفع ودفع الضر , وأن نسعى في تربيتها على معاني الإيمان و المراقبة لله تعالى حتى تحيا بنور العلم النافع والعمل الصالح , فتكون الخشية في السر والعلن ، والغضب والرضا ، قال عبد الله بن دينار : خرجت مع عمر بن الخطاب إلى مكة , فانحدر علينا راع من الجبل فقال له : يا راعي , بعنا شاة من هذه الغنم ؟ فقال : إني مملوك , فقال : قل لسيدك : أكلها الذئب ؟ قال : فأين الله ؟ قال : فبكى عمر , ثم غدا إلى المملوك واشتراه من مولاه وأعتقه وقال : أعتقتك في الدنيا هذه الكلمة وأرجو أن تعتقك في الآخرة ” . وقال رضي الله عنه : إذا جلست للناس فكن واعظاً لنفسك وقلبك , ولا يغرنك اجتماعهم عليك ، فإنهم يراقبون ظاهرك ، والله رقيب على باطنك , وسئل ذو النون : بم ينال العبد الجنة ؟ فقال : بخمس : استقامة ليس فيها روغان , واجتهاد ليس معه سهو , ومراقبة لله تعالى في السر والعلانية , وانتظار الموت بالتأهب له , ومحاسبة نفسك قبل أن تحاسب ” .
إن المعاني الطيبة التي تنطوي عليها كلمة الضمائر , لا تخرج عما جاء في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما سوى ذلك لا يلزمنا , لأنه صلى الله عليه وسلم ما ترك خيراً يقرب الأمة من ربها إلا ودلها عليه ، وما ترك شراً يباعد الأمة عن الله عز و جل إلا وحذرها منه و نهاها عنه وأمرها باجتنابه
والضميرَ هو مستودعُ السرِّ الذي يكتمُه القلبُ والخاطرُ الذي يسكنُ النفسَ؛ فيُضيءُ ظلمتَها ويُنيرُ جوانبَها، وهو القوةُ التي تدفعُ نحوَ فعلِ الخيراتِ وتركِ المنكراتِ وحبِّ الصالحاتِ ، وهو سببُ تسميةِ النفسِ باللوامَّةِ كما قالَ سبحانه : { لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ } القيامة . ويتحدث الرسول صلى الله عليه وسلم كاشفاً النقاب عن الضمير الحي وأثره في الصلاح فيقول : ( إذا ساءتك سيئتك وسرتك حسنتك فأنت مؤمن ) وقد ضَربَ اللهُ مثلاً لذلكَ بيوسفَ عليه السلامُ حينما حجَزَهُ ضميرُه عن الانجرافِ وراءَ الهوى وقال تعالى : { مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ } . فالضمير يُنجي صاحِبَه منَ المهالكِ ، ويُبعدُه عَنْ شرِّ المسالكِ، ومن صفاتِ الضميرِ المؤمنِ أَنّ صاحِبَه دائمُ التذكّرِ فإذا همَّ بأمرِ سوءٍ ارتدعَ وانزجرَ وابتعدَ عن المعاصي وأدبَرَ قال تعالى:{ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ } ولذلك وُصِفَ الضميرُ الصالحُ بالحيِّ اليقظِ فهو حيٌّ ما دامَ نورُه وهَّاجَاً؛ فكانت نفسُه لوَّامةً ووُصِفَ الضميرُ الطالحُ بالميِّتِ متى ما انطفأَ نورُه فكانتْ نفسُه أمَّارةً.
وإن بلوغ الضمير الإنساني تقواه ومراقبته لخالقه في السرّ والعلن ، وتعويده على الإخلاص لله وحده لهو الغاية الكبرى ، وقد جاء الإسلام لتحرير الضمير الإنساني من عبادة غير الله ، وقيادة البشرية بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه الطريق الذي يوصل إلى الصلاح والإصلاح ويأخذ بيد صاحبه إلى الحلال الطيب ، ويستمد حياته ورؤيته للحق من تقوى الله ، وهو ما يفتقده عالم اليوم ، إذ عم الفساد في البر والبحر ، لأنه غفل عن الضمير الحي ولما غفلت الإنسانية عن الضمير الحي ، عميت ولم تعد ترى إلا الشيطان ، فأخرجها من النور إلى الظلمات فكان مصيرها الضلال ، فأصبحت أحساداً بلا عقول وقلوباً بلا إيمان ، عالم ضاع فيه الحق ، ونهش القوي لحم الضعيف ، ومُزّقت فيه عرى التقوى ، التي تمد كيان الإنسان بأسباب حياته ، وتعطي الضمير القدرة على الإحساس بالحلال الطيب وإدراكه ، ولن يبلغ الضمير الإنساني هذه الدرجة ، إلا إذا كانت دعوة الحق مسموعة وأخذت التقوى مكانها ، في مشارق الأرض ومغاربها لأن الضمير البعيد عن منهج الله ، يصبح عرضة للرياء والنفاق في النفوس وتزييف للحق والحقائق ، ولن يبلغ الضمير الإنساني مرتبة التقوى إلا بوجود الإنسان المؤمن التقي ، الذي يراقب الله في السر والعلن ، فيتصرف بدافع من تقوى الله ، التي يتغلب بها على الشيطان ووساوسه قال تعالى : { إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون } الأعراف 201 . وبدافع من الإيمان الذي يورث النفس ثباتاً وطمأنينة قال تعالى :{ الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب } الرعد 28 . بذكر الله تطمئن القلوب وتسكن الخواطر ، فيكون القلب حياً لا يغفل عن مراقبة الله في السر والعلن ، وبذكره يلين القلب ويجعله أكثر قرباً من رحمة الله ، لأنه قلب آمن بالله حق الإيمان ، فهداه الله واتاه تقواه ، فاتخذ التقوى زاداً في دنياه وأخراه ، وأخلص في الطاعة لله ، والعمل على تطبيق كتاب الله وسنة رسوله من حكم بهما عدل ، ومن قال بهما صدق ، ومن تمسك بهما هدي إلى صراط مستقيم ، ومن ابتغى الهدى في غيرهما أضله الله .
والضميرُ الإنسانيُّ يتأثَّرُ بما تتأثرُ به النفسُ؛ فيتضائلُ ويقلُّ قدرُه ويخبو نورُه إذا انجرفت النفسُ وراءَ وساوسِها قال تعالى : { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الأِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ } ، أو اتبعَت همزاتِ الشياطينِ وإغواءَهم : { وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ، وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ } ، أو انساقتْ وراءَ ضلالتِها : { فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا } ، أو كانت رَهْنَ هواها : { إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ } ، أو اختلَّ ضميرُها وضعُفَتْ قوّتُها وصارَ الإنسانُ عبداً لشهواتِه يَرَى الباطلَ حقَّا والشرَّ خيرا ، لا يردعُهُ رادعٌ ولا يحجُزُه حاجزٌ، ولذلكَ قيلَ: “مَنْ توهَّمَ أنَّ لهُ عدواً أعدى من نفسِهِ قلَّتْ مَعْرِفَتُه بنفسِه”، وقد يسمو الضميرُ ويعلو قدرُه إذا خالفتْ النفسُ هواها قال تعالى : { وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى، فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى } ، والضمير إذا أهملْتَه فإنه يَضْمرُ ويَضْعُفُ وضمورُه دمارٌ لصاحبِه في الدنيا والآخرةِ؛ إذ بغيابِه يزولُ الرقيبُ الذي يوجِّهُك إلى الخيرِ ويدفعُك إلى البرِّ ويَحْمِيكَ من ضَلالِ النفسِ ، ونموُّ الضميرِ يكونُ بالدوامِ على الأعمالِ الصالحةِ ، وتحرِّي صنائعِ المعروفِ والبحثِ عن جوانبِ الخيرِ في النفس : { مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ } ، كما ينمو الضميرُ ويترَبَّى بذكرِ اللهِ تعالى والمحافظةِ على العباداتِ؛ حتى تكونَ النفسُ مطمئنةً في كلِّ حينٍ : { يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً، فَادْخُلِي فِي عِبَادِي، وَادْخُلِي جَنَّتِي } .
والضمير أو النفس اللوامة ، هو ما وضعه الله في قلوبنا ليدعونا إلي الخير ، ويزجرنا عن فعل الشر ويلومنا إن أخطأنا لنندم ونتوب عن الإثم قال تعالى : { لا أقسم بيوم القيامة ولا أقسم بالنفس اللوامة } ، وقال صلى الله عليه وسلم ( إذا أساءتك سيئتك وسرتك حسنتك فأنت مؤمن ) .
والضمير في أكثر الأحوال هاد حكيم مرشد لا يضل ومن الخير لنا أن نستمع إليه ونستجيب إلي هديه ونصغي إلي تأنيبه لأنه يصل بنا إلي الصلاح وبمجتمعنا إلي الخير والفلاح ، وفي بعض الأحيان يفسد الضمير وينحرف عن الحق فيستسيغ الشر متأثرا بجهل صاحبه أمور الدين أو بما شاع في عصر من فساد وانحلال كالذي نراه فيمن يميلون إلي الجريمة والمنكر من قتل وسرقة وغيرها من الجرائم الأخرى لذلك كان الضمير الإنساني في حاجة إلي تربية ليكون حكمه صادقا فيشع الخير ويقل الشر برقابته المستمرة ، المستمدة من صحة العقيدة والإخلاص في العبادة ، فيؤمن الإنسان بأن في الكون إلها مطلعا : { يعلم خائنة الأعين وما تخطى الصدور } ، ويعلم السرائر ويحاسب عليها : { وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء } ، بذلك تستقر في القلوب خشية الله ومراقبته في السر والعلن ، وقد سئل الرسول صلى الله عليه وسلم عن الإحسان فقال : ( أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ) طاعة الضمير فيما يدعو إليه من خير ومخالفة النفس الأمارة بالسوء فيما تميل إليه من شر استجابة لله تعالى : { قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها } . فبطاعة الله المستمرة وعدم مخالفته ننمي الضمير ونقوي سلطانه ونصبح قادرين على حساب أنفسنا فنحملها على فعل الخير ونصرفها عن فعل الشر وإلي ذلك يدعونا الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله : ( الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني ) .
والضمير المؤمن في داخل النفس كنقطة حراسة ، تدرأ عنها كل ذنب يتهددها ، وتناصر قوى الخير فيها فإذا ذهبت تدقق خلف كل جملة ، وتبحث عن كل مقولة قيلت فيك ، وتحاسب كل من أساء إليك ، وترد على كل من هجاك ، وتنتقم من كل مَنْ عاداك فأحسن الله عزاءك في صحتك وراحتك ، ونومك ودينك واستقرار نفسك وهدوء بالك ، وسوف تعيش قلقاً كاسف البال منغص العيش ، كئيب المنظر سيئ الحال فإن الضمير يرتفع بك إلى حياة الطهر والنقاء والعفو والمسامحة ، واستخدام منهج التطنيش، فإذا تذكرت مآسي الماضي فطنش، وإذا طرقت سمعك كلمة نابية فطنش وإذا أساء لك مسيء فاعف وطنش، وإذا فاتك حظ من حظوظ الدنيا فطنش، لأن الحياة قصيرة لا تحتمل التنقير والتدقيق ، بل عليك بمنهج القرآن : { خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ } . سبّ رجل أبا بكر الصديق فقال أبو بكر: سبُّك يدخل معك قبرك ، ولن يدخل قبري، الفعل القبيح والكلام السيئ والتصرف الدنيء يُدفن مع صاحبه في أكفانه ويرافقه في قبره ، ولن يُدفن معك ولن يدخل معك، قال السعدي صاحب التفسير : وأعلم أن الكلام الخبيث السيئ القبيح الذي قيل فيك يضر صاحبه ولن يضرك فعليك أن تأخذ الأمور بهدوء وسهولة واطمئنان ولا تُقِم حروباً ضارية في نفسك فتخرج بالضغط والسكري وقرحة المعدة ، والجلطة ونزيف الدماء ، لقد علمتنا الشريعة الإسلامية أن نواجه أهل الشر والمكروه والعدوان بالعفو بالتسامح ، والصبر الجميل ، الذي لا شكوى فيه والهجر الجميل الذي لا أذى فيه ، والصفح الجميل الذي لا عتب فيه ، إذا مررت بكلب ينبح فقل : سلاما وإذا رماك شرير بحجر فكن كالنخلة أرمه بتمرها وإن أفضل حل للمشكلة أن تنهيها من أول الطريق ، لا تصعّد مع من أراد التصعيد ، انزع الفتيل تخمد الفتنة صب على النار ماءً لا زيتاً لتنطفئ من أول وهلة، ادفع بالتي هي أحسن ، وتصرف بالأجمل وأعمل الأفضل وسوف تكون النتيجة محسومة لصالحك ، لأن الله مع الصابرين ويحب العافين عن الناس وينصر المظلومين : { إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون } .
الضمير أو النفس اللوامة
