إلى كل من يحبُ أن تشيع الألفة والمحبة ، والخير والبر والمعروف والإحسان بين المسلمين ، وإلى من يسعى إلى تعميق روابط الأخوة الإسلامية ومعانيها ، وإلى تحقيق ما نص عليه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) متفق عليه . إلى هؤلاء اخترت هذا الموضوع لأننا بحاجة إلى التعامل المهذب والاحترام المتبادل ، بحاجة إلى أن نظهر محاسن عقيدتنا لنصبح قدوات لبعضنا، ومفاتيح خير لغيرنا ، بحاجة إلى أن نكسب قلوب بعضنا بصدق التوحيد وحسن المعاملة وجميل الأخلاق ، لنذوق طعم الإيمان ، ولنعرف حقيقة الإسلام بحاجة إلى أن نكسب القلوب ليس بالمجاملة ولا بالمداهنة ولا بتمييع ديننا ولا بتمزيقه ولا بالتنازل عن المبادئ والأهداف ، وإنما بمكارم الأخلاق ، بحاجة إلى كسب القلوب لا من أجل الدنيا ومتاعها ، ولا من أجل أنفسنا وإظهار محاسنها وتواضعها ، ولا من أجل تملق الناس وطلب محامدهم وثنائهم ، إنما من أجل ربنا تعبدا وتقربا إلى الله واتباعا لحبيبنا وقدوتنا صلى الله عليه وسلم فقد كان أحسن الناس خلقا ولكسب حب وقرب نبينا يوم القيامة كما قال صلى الله عليه وسلم : (إن من أحبكم إلى وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا) حسنّه الترمذي ، وتطبيقا لتعاليم شرعنا وآداب ديننا قولا وعملا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( وخالق الناس بخلق حسن) ، وشوقا للجنان وتثقيلا للميزان يوم أن نلقى الله كما أخبر صلى الله عليه وسلم : ( فأكثر ما يُدْخل الناس الجنة تقوى الله وحسن الخلق ) صححه الترمذي وقال غريب. وتخلقا وتأدبا وإيمانا ، فأكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا ، ونحن بحاجة إلى تطبيع نفوسنا على محاسن الأخلاق ، إخلاصا لوجه الله وطلبا لرضاه ، فهي عبادة عظيمة ، وإن العبد ليبلغ بحسن خلقه أعظم الدرجات عند الله . وهنا لا بد من التنبيه إلى أن الأخلاق ليست من مقومات المجتمع بل هي من مقومات الأفراد لذلك لا بد أن يراعى في تقويم الفرد ، وجود العقيدة والعبادات والمعاملات والأخلاق ، بل إن الأمر الأساسي في الأخلاق ، أن تكون مبنية على العقيدة الإسلامية ، وأن يتصف المؤمن بها على أنها أوامر ونواه من الله تعالى . ولذلك لا قيمة لمن أخلاقه حسنة وعقيدته غير إسلامية ، أو من كانت أخلاقه حسنة ولكنه غير قائم بالعبادات .
وقد اخترت هذا الموضوع لكثرة شكاية الناس بعضهم من بعض . وليكون رسالة إلى كل مسلم ومسلمة ، وإلى من يحب أن يرى الألفة والمحبة بصحبة الصالحين ، وإلى من يتمثل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : (اللهم إني أعوذ بك من منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء) الترمذي وهو صحيح ويردد قوله صلى الله عليه وسلم : ( اللهم أهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت وأصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت) صحيح مسلم.
فهذا أحسن الناس خلقا والذي أثنى الله عليه بقوله: {وإنك لعلى خلقٍ عظيم } كان يدعو الله ويتضرع إليه أن يعينه على تهذيب نفسه ويتحلي بأحسن الأخلاق لأهميتها وصلتها الوثيقة بالإيمان والعقيدة .
وقد جاء في النصوص ما يدل على حرص هذا الدين على نشر المحبة والمودة . ومن يتتبع سيرة النبي صلى الله عليه وسلم يجد أنه كان يلازم الخلق الحسن في سائر أحواله وخاصة في دعوته إلى الله تعالى، فأقبل الناس عليه ودخلوا في دين الله أفواجا ولقد أحسن القاثل :
كلُ الأمور تزول عنك وتنقضي إلا الثنـاءُ فإنـه لك باقـي
ولو أنني خـيرتُ كلَ فضيلةٍ ما اخترت غير محاسن الأخلاقِ
أوصى رجلاً بنيه فقال : ” يا بني عاشروا الناس معاشرة إن عشتم حنوا إليكم وإن متم بكوا عليكم ” . ويا أخي إنما الدنيا حديث فإن استطعت أن تكون منها حديثا حسنا فأفعل، لإننا بحاجة إلى من يجسدون مبادئ الإسلام في سلوكهم ويترجمون فضائله وآدابه في حركاتهم وسكناتهم ، وكم نخطئ عندما نحكم على الآخرين بمجرد النظر للظاهر ، وإننا نظلم أنفسنا ونظلم الآخرين عندما نحقد عليهم ونتخوف منهم ، ألم نقرأ قول الله تعالى :{ وقولوا للناس حسنا }. وقوله صلى الله عليه وسلم : ( خير الناس أنفعهم للناس ) . وإن فضائل ومكارم الأخلاق كثيرة ، يمكن أن تملك بها القلوب ، كالابتسامة وهي أسرع سهم تملك به القلوب وهي مع ذلك عبادة وصدقة: ( فتبسمك في وجه أخيك صدقة ) كما في الترمذي. والبدء بالسلام فإنه سهم يصيب سويداء القلب ليقع فريسة بين يديك ، وهو أجر وغنيمة فخيرهم الذي يبدأ بالسلام والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق) . وعند مالك بالموطئ أنه صلى الله عليه وسلم قال: (تصافحوا يذهب الغل ، وتهادوا تحابوا وتذهب الشحناء) . وبذل المعروف وقضاء الحوائج له تأثير عجيب في استمالة القلوب صوره القائل :
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم فطالما أستعبد الإنسانَ إحسانُ
وبه تملك محبة الله عز وجل كما قال صلى الله عليه وسلم : ( أحبُ الناس إلى الله أنفعهم للناس) كما أن إحسان الظن بالآخرين والاعتذار لهم ، من أيسر الطرق وأفضلها للوصول إلى القلوب ، وإياك وسوء الظن بهم ، لأنه من لوازم الحقد الذي أهاب الإسلام بالناس أن يبتعدوا عنه ، وقد اعتبر الإسلام إعلان المحبة والاعتذار من علامات الإيمان ، ومن أعظم الطرق للتأثير على القلوب ، وهو ما أكده صلى الله عليه وسلم : (لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا ، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم ؟ أفشوا السلام بينكم) رواه مسلم . وقال ابن المبارك:” المؤمن يطلب معاذير إخوانه والمنافق يطلب عثراتهم “. وهنا أتسائل هل الاستقامة مظهر فقط؟ أم هي حسن تعامل مع فئة من الناس فقط؟ أم أنها سلوك وحسن تعامل مع الناس في كل شيء وفي جميع الأحوال قال صلى الله عليه وسلم : ( أعظم ما يُدْخِل الناس الجنة تقوى الناس وحسن الخلق) أخرجه الترمذي وابن ماجة. قال ابن القيم في الفوائد : (جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين تقوى الله وحسن الخلق في هذا الحديث لأن تقوى الله يُصلح ما بين العبد وبين ربه وحسن الخلق يُصلح ما بينه وبين خلقه ، فتقوى الله توجب له محبة الله ، وحسن الخلق يدعو الناس إلى محبته) .
فلماذا ننظر بعين واحدة ونقع على الجروح فقط ؟ ولربما شكا منك الناس فأنت تشكو وفي الوقت نفسه تُشكى. وما أجمل أن يعذر بعضنا بعضا ، وأن نعفوا عن الزلات ونستر السيئات ونشهر الحسنات ، فإن التناصح والتغافر يطفئ نار الفرقة والاختلاف ، وعامل الناس جميعا على أنهم بشر يصيبون ويخطئون ، فغُض الطرف وتغافل وأصبر .
فليس الغبي بسيد في قومه لكن سيد قومه المتغابي
إن العقل والحكمة والمعرفة بطبائع الأمور تقتضي تقبل الميسور من أخلاق الناس، والرضا بالظاهر من أحوالهم ، وعدم التقصي على سرائرهم ، أو تتبع دخائلهم ، كما تقتضي قبول أعذارهم والغض عن هفواتهم ، وحملهم على السلامة وحسن النية . وإذا وقعت هفوة أو حصلت زلة فليس من الأدب وليس من الخلق الحسن ، المسارعة إلى هتكها ، والتعجل في كشفها ، فضلا عن التحدث بها وإفشائها . لقد قيل : اجتهدوا في ستر العصاة فإن ظهور معاصيهم عيب في أهل الإسلام . فكيف يسمح المسلم لنفسه أن يتشاغل بالبحث عن العيوب ورجم الناس بها ؟ بل لعله قد يخفي ما يعلم من صالح القول والعمل . وهل وظيفة المسلم أن يلوك أخطاء الناس ويتتبع عثراتهم ويتعامى عن حسناتهم وكأنه لا يعرف ولا يرى إلا كفة السيئات ؟ أليس في عيوبه ما يشغله عن عيوب الناس ؟ ألا يعلم المسلم أن الافتراء على الأبرياء جريمة ، يدفع إليها الكره الشديد ، ولما لها من أثرٍ شديدٍ في تشويه الحقائق ، عدها الإسلام من أقبح الزور ، روت عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه ( أتدرون أربى الربا عند الله ؟ قالوا الله ورسوله أعلم ، قال فإن أربى الربا عند الله استحلال عرض أمريء مسلم ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم : { والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبينا} أبو يعلى . ولا شك أن تلمس العيوب للناس وإلصاقها بهم عن تعمد يدل على خبث ودناءة وقد وتب الإسلام عقوباتٍ عاجلة لبعض جرائم الافتراء قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من ذكر امرأ بشيء ليس فيه ليعيبه به حبسه الله في نار جهنم حتى يأتى بنفاد ما قال فيه) وما دام الذي قاله بهتاناً ، فكيف يستطيع أن يثبت عند الله باطلا ؟ وكيف يتنصل من تبعته ، إن الذي لا يجد بالناس شرّاً فينتحله لهم انتحالا ويزور عليهم تزويرا إنه لأفاّك صفيق قال تعالى :{ إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذابٌ أليمٌ في الدنيا والآخرة } النور 19 .
إنه لا يمكننا التأثير على نفوس الناس أبدا وكسب قلوبهم إلا بتلمس الخير فيهم والحرص على مكارم الأخلاق معهم يقول صلى الله عليه وسلم : ( إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم ، ولكن يسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخُلق ) أخرجه البزار بسند حسن . وانظر للناس فما كرهته فيهم من أخلاق فأبتعد عنه ، فإنهم يكرهون منك ما تكرهه منهم ، لأن المسلم الناصح شفوق بإخوانه ، رفيق بهم ، يحب لهم الخير كما يحبه لنفسه ، ويجتهد لهم في النصح كما يجتهد لنفسه . أما الفظ القاسي صاحب القلب الغليظ ، فقد قضت سنة الله أن ينفر الناس منه فلا تقبل منه دعوة، ولا يسمع منه توجيه، ولا يرتاح له جليس {فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم } آل عمران 159. وعلى قدر ما يمسك الإنسان نفسه، ويكظم غيظه، ويملك لسانه تعظم منـزلته عند الله وعند الناس.
وعلى قدر ما يتجاوز عن الهفوات، ويقيل من العثرات.. تدوم مودته ويأنس الناس به.
وف الحديث : ( إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم ولكن تسعوهم بأخلاقكم ). يسعهم منكم بسط المحيا وطلاقة الوجه.
