الظلم يولِّد الانفجار

قالوا في المثل ” كثرة الضغط تولِّد الانفجار ” لكل جسم مقدرة محدودة لمقاومة الضغط وتحمله والشعوب تشبه الأجسام في مدى استعدادها لتحمل الضغط الذي تتم ممارسته عليها ، من الاضطهاد والحرمان والإذلال ، وأساليب القهر والعذاب وعندما يشتد الضغط والظلم ، ويصبح غير قابل لتحمل المزيد فإن ذلك يؤدي إلى الانفجار .
والمزيد من الضغط على الشعوب ، يؤدي إلى الانتفاضة والثورة ، ومن قديم الزمان كانت الشعوب
تثور على الظلم والاستبداد ، ففي التاريخ العربي القديم ، قام بنو أسد ب (ثورة) ضد ملكهم حُجر بن عمرو الكندي، والد امرئ القيس الشاعر الجاهلي المشهور، وقتلوه؛ وذلك لقسوته وشدته في معاملته لهم ، ومن يقرأ معلقة عمرو بن كلثوم ، يجد فيها معاني الثورة والتمرد على الظلم وسياسة الاستعباد ، التي كان ينتهجها عمرو بن هند ملك الحيرة ، ثورة أدت إلى قتل ابن كلثوم الملك فخرج وهو يردد :
إذا ما الملك سام الناس خسفاً أبينا أن نقر الظلم فينا
كما يذكر التاريخ ثورة بني شيبان على الفرس في معركة ذي قار ، بسبب ظلم الفرس لهم ، وثورة سيف بن ذي يزن في اليمن ؛ كانت عبارة عن انتفاضة في وجوه الأحباش ، لما كانوا يمارسونه على اليمن من قهر وظلم ، أدى إلى الإطاحة بهم وأبعادهم عن اليمن . وفي العصر الحديث قامت ثورات وانقلابات ، بسبب القهر والظلم الذي عانت منه الشعوب ، ففي فرنسا انتفض الشعب الفرنسي واقتحم الباستيل ، وحطم أبوابه وجدرانه، وغير مجرى التاريخ الفرنسي، وفي أمريكا الثورة التي عرفت بحرب الاستقلال الأمريكية وهي أول الثورات العارمة في التاريخ الحديث ، هذا الانفجار الذي جعل بريطانيا تتراجع عن موقعها؛ كإمبراطورية عظمى .
إنه الظلم الذي يولد الانفجار ، الظلم الذي قال عنه الإمام علي : ” لا يكبرن عليك ظلم من ظلمك ، فإنما يسعى في مضرته ونفعك ، وليس جزاء من سرك أن تسوءه ، ومن سل سيف البغي قتل به ومن حفر لأخيه بئرا وقع فيها ، ومن هتك حجاب أخيه ، هتكت عورات بيته ، بئس الزاد إلى المعاد العدوان على العباد ، أسد حطوم خير من سلطان ظلوم ، وسلطان ظلوم ، خير من فتن تدوم ، اذكر عند الظلم عدل الله فيك ، وعند القدرة ، قدرة الله عليك ” . وللبعد عن الظلم ، فقد قرر الإسلام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، لأنه القطب الأعظم في الدين ، والمهمة التي ابتعث الله لها الأنبياء والمرسلين ، فلو طوي بساط العمل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وأهمل العمل به لفشت الضلالة ، وشاعت الجهالة ، وخربت البلاد وهلك العباد ، قال الله تعالى : { ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون } ولذلك كان من خصائص الاستبداد السياسي ، الكره الشديد لحرية النقد والتوجيه ، ومن خصائص الإسلام التي التزم بها لتقويض أركان الاستبداد ، أن أوجب على كل فرد أن ينتقد الخطأ ، وأن يوجه إلى الخير ، ولذلك فإن المستبدين يخافون من هذا النقد ، الذي جعله الإسلام فريضة ، وبين أن تقرير المعروف وأمر كل إنسان به وتغيير المنكر ، وزجر كل إنسان عنه ، وتتبع الأعمال بالتصويب والتخطئة ، هو سرّ تفضيل أمة الإسلام على غيرها في قوله تعالى :{ كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر } آل عمران 110 . إن مرارة الحق تنشأ من كراهية المبطلين له وحرصهم على إسكات دعاته ، مما يجعل الثائرين على الفساد ، يتعرضون للمطاردة والاعتقال والسجن والتعذيب ، في مقابل فريق يقول : لا قيمة للأمر والنهي ، ممن يئسنا من ائتمارهم وانتهائهم وأن السكوت أجدى ، متجاهلين أن الإسلام احتاط لضمان الحقوق بكف يد الظالم ، واستنهاض المظلوم ليدفع عن نفسه ، حتى يتم تأديب الظالمين ، وتدعيم المستضعفين ، ولو تواصى أهل الناس بهذه المبادئ ما قامت ثورة ، ولا سفكت قطرة دم ، ولذلك نبه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى ضرورة الوقوف إلى صف المظلوم حتى يندفع الضرّ عنه فقال : ( لا يقفن أحدكم موقفاً يقتل فيه رجل ظلماً ، فإن اللعنة تنزل على كل من حضر حين لم يدفعوا عنه ، ولا يقفن أحدكم موقفاً يضرب فيه رجل ظلماً ، فإن اللعنة تنزل على من حضره حين لم يدفعوا عنه ) الترغيب والترهيب .
كثيراً ما ينسى المستبد أمته ، وما أسرع ما ينسى مثله العليا ، ويهبط عنها ، وما أيسر أن يستخدم سلطانه الواسع في غير ما منح له ، ولكن دين الله يحتم على كل مسلم ، أن يقف في وجه المستبد ولو تحمل في سبيل ذلك الويل والثبور ، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( ألا إن القرآن والسلطان سيفترقان فلا تفارقوا الكتاب ) . كما أن دين الله ينكر أساليب العنف والقتل ، التي يلجأ إليها المستبدون لاستدامة حكمهم ، واستتباب الأمر لهم ، ولذلك فإن دين الله يحرِّم أن يُضرب أو يسفك دم الناس ظلما قال صلى الله عليه وسلم : ( لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حق ) كما يحرم التعذيب فيما روى عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من جرد ظهر مسلم بغير حق لقي الله وهو عليه غضبان ) .
إنا نعوذ بالله من إهمال مهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، واستيلاء المداهنة على القلوب وذهاب الغيرة الدينية .
فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الأساس الأعظم للدين ، ولو أهمل لفشت الضلالة ، وعم الفساد ، وهلك العباد ، واستمر صاحب الظلم أو الكفر أو الفسق في عمله ،ولم يبال بالواعظ والناصح لذا واجب الأخذ على يديه ، ومعاملته بالشدة وإجراء ما يستحقه من : إقامة حد ، أو تعزير ، أو تهديد ، أو توبيخ ، حتى يقف عند حده ، وينـزجر عن باطله . لأنهم إذا لم يأخذوا على يد الظالم أوشك أن يعمهم الله بعقابه : { فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم } كيف وباب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد ذهب معظمه ، فما بقي منه إلا رسوم أو مجرد ادعاء فإنا لله وإنا إليه راجعون .
إن الظلم جرم عظيم ، ما حلّ في قوم إلا أهلكم وأحل بينهم كل سوء ، وظلم عباد الله ، هو الذنب الذي توعّد الله صاحبه بالنكال والوبال وبالعذاب والأخذ الشديد ، ولا يحسبنّ الظالم أنه بقوته وبطشه سينجو من غضب الله وبأسه، فمن ظن ذلك فقد كابر وكذب بوعيد ربه العظيم .
إن الظالم وإن كان ذا صولة ، وجولة في الدنيا إلا أن الله إنما يمهله لكنه لا يهمله ، فقد صح عن النبي كما في البخاري ومسلم أنه قال : ( إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ) ثم تلا :{ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ } .

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *