لماذا يعفو أناس وينتقم آخرون ؟
الجواب: الإنسان إذا اتصل بالله العفو الكريم اشتق منه بعضاً من هذا الخلق العظيم، وإذا استقرت الرحمة في قلب الإنسان فإنها تفيض على خصومه بالعفو والغفران، فيصبح العفو أحبَ إليه من الانتقام، وإذا علم الإنسان أن خصمه بشكل أو بآخر أخٌ له في الإنسانية إذا انتقم منه خسره، وإذا عفا عنه ربحه ولأن يربح الإنسان أخاه خير له من الدنيا وما فيها ، عندها يرى في العفو غُنْماً، وفي الانتقام غُرْماً فهذا او بكر في حديث الإفك الذي لا يُحتمل ، أُمر أن يعفو عمن أشاع به في المدينة ، وعاتبه الله لما امتنع عن العطاء، فقال: ﴿ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ فكيف بما دون ذلك من الذنوب؟ إذا أيقن الإنسان أن العفو سلم يرقى به إلى عز الدنيا والآخرة، إذ بالعفو تتسع دائرة الصداقات والمودات فيصبح المجتمع كالبنيان المرصوص، وبالانتقام تفشو العداوات والأحقاد ، حتى تصل بالمجتمع إلى أحط الدركات .
فالإنسان إذا عفا عن أخيه كان أقرب إلى ربه مما لو انتقم منه لأن الخلق كلهم عيال الله وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله وفي الحديث القدسي: ( إذا أردتم رحمتي فارحموا خلقي ) وقد جعل الله العفو بمثابة ثمن عظيم يأخذه صاحبه مقابل الإساءة المؤلمة التي يلقاها من غيره . فهو جوهرة ثمينة جداً يضيفها إلى مكارم الأخلاق ، إضافةً إلى الثواب العظيم عند الله تعالى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا جمع الله الخلائق يوم القيامة ناد مناد : أين أهل الفصل ؟ فيقوم ناس فينطلقون سراعاً إلى الجنة ، فتتلقاهم الملائكة فيقولون لهم : إنا نراكم سراعاً إلى الجنة فيقولون لهم : إنا أهل الفصل ، فيقولون لهم : ما كان فصلكم ؟ فيقولون : كنا إذا ظُلمنا صبرنا وإذا أُسيء إلينا عفونا ، وإذا جُهل علينا حلمنا ، فيقال لهم ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين ) . ولنا في رسول الله أسوة حسنة في التحلي بخلق الصفح ، وهو الإعراض عن مواجهة السيئة بمثلها وقد أنزل الله في تأديب رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الأدب قوله : ﴿ فاصفح الصفح الجميل ﴾ وقد أحسن القائل :
وقال نبينا فــيما رواه عن الرحمن في عِلْم الغيوب
محالٌ أن ينال العفو من لا يَمُنُّ بـه على أهل الذُّنوب
وقد طالبنا الله أن ندفع بالتي هي أحسن فقال تعالى : ﴿ ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ، ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه وليّ حميم ﴾ فصلت 4 . ومع ضبط النفس وإيثار الدفع بالتي هي أحسن تأتي وساوس الشيطان ، فتحرك النفس إلى الانتقام ، وتوسوس بأن الشرّ لا يُدْفع إلا بمثله ، وقد أبان الله الدواء الصارف لهذه الوساوس ، وذلك بالاستعاذة بالله من همزات الشيطان فقال تعالى : ﴿ وإما ينـزغنّك من الشيطان به نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم ﴾ فصلت35 وقد علمنا القرآن أن نزن الأمور بميزان العقل والحكمة، ونسعى إلى تحقيق التآلف والإصلاح لأن الله أوجب على المؤمنين أن يصلحوا بين المختصمين فقال تعالى : ﴿ أصلحوا بين أخويكم ﴾ وجعل الله العفو طاعة لله ومخالفةً للشيطان خصوصاً إذا اعتذر المسيء وندم على ما قدمت يداه ، وعندها ينبغي أن لا تكون الإساءة مانعة، من فعل الخير مع المسيء لأن فعل الخير إنما ينبغي به وجه الله ومرضاته قال تعالى :﴿ وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفورٌ رحيم ﴾، ومن يعفو عمن يسيء إليه ويصلح يعفو الله عنه ويغفر له قال تعالى : ﴿ فمن عفا وأصلح فاجره على الله ﴾ الشورى 04 وحتى يستحق العبد من الله الرحمة والغفران ، فلا بد أن يعفوا ويصفح قال تعالى: ﴿ ادفع بالتي هي احسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه وليٌّ حميم ﴾ ولو يعلم الناس ما في العفو من حكمة وسداد وراحة ضمير لعفوا عن زلات المسيئين .
لما عفوت ولم أحقد على أحدٍ أرحت نفسي من هم العداوات
إني أحيي عدوي عند رؤيته لأدفع الشرّ عني بــالتحيات
وأظهر البشر للإنسان أبغضه كأنما قد حشا قلبي مــودات
وللعفو منـزلة خاصة عند الله تعالى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( رأيت قصوراً مشرفةً على أنهار الجنة فقلت لمن هذه يا أخي يا جبريل ؟ فقال : للكاظمين الغيظ والعافين عن الناس ) وليس من العفو أن نستسلم لحاقد ولا لعدو غاصب سلب الأرض، وانتهك الحرمات لأن الإصلاحُ واجب، والعفوُ مندوبٌ، فإذا كان في العفو فواتُ الإصلاحِ، فمعنى ذلك أننا قدَّمْنَا مندوبًا على واجبٍ، وهذا لا تأتي به الشريعةُ ، وقد قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (لا ينبغِي للمؤمنِ أن يُذلَّ نفسَه قالوا: وكيف يُذلُّ نفسَه؟ قال: يتعرَّضُ من البلاءِ لمَا لا يطيقُ ) رواه الترمذي .
العفو والصفح والتسامح
