إن واقع الشعوب الإسلامية اليوم عامة والشعوب العربية خاصة ، محزن ومقلق ومؤسف، ضعف ونزاع، واختلاف وصراع وأحزان وأوجاع ، في هذا الواقع الأليم ، نتحدث عن واجب الدفاع عن المسجد الأقصى وتحريره، واجب تغافل عنه المسلمون جميعاً، ولكن الأبطال في فلسطين المجاهدة ، يقوموا بواجبهم في الدفاع عن فلسطين عامة، وعاصمتها القدس، وجوهرتها المسجد الأقصى بصفة خاصة، لأنه أولى القبلتين، وثاني المسجدين، وثالث الحرمين الشريفين كثيرون المتحدثون عن فلسطين وقضيتها من تجار الشعوب وسماسرة السياسة الذين اتخذوا من فلسطين والشعب الفلسطيني وسيلة لمزايداتهم السياسية ، وقليلون الذين عملوا لهذه القضية, التي ذَرَفَتْ العُيُون لأجلها ، وحَنَّت القلوب لِتُرْبِة أرضها لأنها أرض الأنبياء، وأرض الصلة بالله تبارك وتعالى من لدن آدم إلى قيام الساعة وعندما نذكر الأنبياء الذين زاروا هذه الأرض نتعجب، فسيدنا آدم زار هذه الأرض وأول من بنى المسجد الأقصى، وموسى عليه السلام ، وسيدنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب ويوسف وزكريا ويحيي وسليمان وداود ومحمد صلى الله عليه وسلم، وغيرُهمُ الكثيرُ ممن لم تُذكَر أسماؤهم من أنبياءِ بني إسرائيل، وهي الأرض الوحيدة التي تجمّع عليها ودافع عنها كل أنبياء الله ، إنها أرضُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، أَرْضُ الْمَحْشَرِ وَالْمَنْشَرِ وأرض مَصْرَعُ الدَّجَّالِ ومَقتلُه ، حيثُ يلقاه عيسى عليه السلام، إنها من أرض الشام التي دعا لها رسولُ الله بقوله: (اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا وَفِي يَمَنِنَا) وعندما نتحدث عن القدس والأقصى ، نتحدث عن بقعة كأن أحداث البشرية كلها مرتبطة بها وعندما ننظر إلى الصحابة والتابعين ومدى تعلقهم بها ، نتعجب من مشاعرنا وتبلدنا تجاة هذه الأرض، فكثير من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم بعد فتح فلسطين والمسجد الأقصى ذهبوا إلى عمر بن الخطاب يستأذنوه بالاستقرار في الأرض المقدسة، ومنهم أبو الدرداء، وسلمان الفارسي، وبلال، وعبادة بن الصامت وغيرهم من الصحابة ، يقول الإمام الشافعي: أحب الاعتكاف في المسجد الأقصى أكثر من مسجد النبي والمسجد الحرام. وعندما سألوه: لماذا ؟ قال: أحب أن أكون وسط جميع أنبياء الله. وفي رمضان ، كان يعتكف في ساحة المسجد الأقصى خمسين ألف مسلم، وعندما تَدْخل المسجد تجد أعلى كل عمود اسم قطب من أقطاب المسلمين ،كان يجلس تحته ليُعَلِّم جموع المسلمين، مثل أبي حامد الغزالي، وابن القيم، ما يدل على قيمة وعظمة هذا المكان. الذي مرّ عليه الكثيرُ منْ صحابةِ رسول الله ، والآلافُ منْ أعلامِ الأُمَّةِ وعلمائِها الذينَ أضَاؤُوا في سمائِها بُدورًا ، ولمعوا فيها نجومًا، كمالكُ بنُ دينار وسفيانُ الثَّوري وابنُ شهاب الزّهري والشافعيُّ وغيرُهم ، ومن أجلها تَتَابَعَتِ التَّضْحِيَات، وعظم البذل ، ومن أجلها قال صلاح الدين كلمته الشهيرة : كيف أبتسم والمسجد الأقصى أسير ! إني لأستحي من الله أن يراني مبتسماً وإخواني هناك محاصرون ، وَمِنْ أَجْلِهَا أعد صلاحُ الدِّين عدَّتَه لِيحرِّرَ أرضَ الأقصى، فنصره اللهُ وفتحَ بيتَ المقدس ، ولما ابتسم عند موته قال : الآن يبتسم صلاح الدين، فقيل له : تضحك وأنت تموت، قال : أموت والمسجد الأقصى ليس بأسير ، ومن أجلِ بيت المقدس ، صاحَ المظفَّر قُطُز صيحتَه الشهيرة ، وا إسلاماه ، ومن أجل فلسطين ضحّى السلطان عبدُ الحميد بعرشِه وملكِه وقال: لا أقدِرُ أنْ أبيعَ ولو شبراً واحدًا من فلسطين ، ومِنْ أجلِها في العصر الذي نعيش انتفضَ أبناءُ الحجارةِ يحمِلُون حصَى أرضِها وترابها ليَرْمُوه في وجوهَ اليهود فماذا فعل المسلمون من أجلها ، يوم بُحَّتْ أصواتُ المنادِين والمستغيثينَ ، يوم احتلها اليهود وذبحوا أهلها ، وما مِن ناصر ولا مجيبٍ ، أما آن لهذه الأصوات أن تُحرِّكَ العزائمَ إلى نُصرةِ فلسطين التي تبكي عربا نائمين في سكون ، ولنجدتها لا يتحركون تاركين أهلها من أجل حمايتها يستشهدون .
وإلى متــــــــــى الرقاد والنوم عما يدبر يُحاك وإلى متـــــــــى تستمر غفلتنــــا ويستمر لهونا وإلى متـــــــــــى يستمر ابتعادنا عن طريق نصرنا لإنقاذ قدسنا ، وحماية أقصانا من مخاطر التقسيم والتهديم ، أما آن بعد الدماء التي سفكت وتسفك ، والنفوس التي أزهقت والمقدسات التي انتهكت، والبيوت التي دمرت! أما آن لجيوش المسلمين أن تتحرك لنصرة من يستنصرهم ؟ أما آن لهذه الجيوش أن تتحرك لتضرب الأعداء فتشفي صدور قوم مؤمنين؟! أما لها أن تستجيب للأصوات الهادرة ، التي خرجت من باحات المسجد الأقصى تناديها وتستصرخها لإنقاذه وتحريره ، أما آن لنا أن نفيق قبل وقوع الكارثة وهدم الأقصى، وإذا كنا لا نغضب لهذا ، فمتى نغضب؟ فقد انتهكت المحارم ، ونسفت المعالم ولم نغضب كما قتلت الشهامة ، ودهست الكرامة ولم نغضب ، إذن متى نغضب؟ هم يخططون وينفذون، وأراذل قومنا يلهثون ويركضون لاسترضائهم، هم يهوّدون والمفاوضون من شعبنا يلهثون وراء المفاوضات ، التي أعطت الإسرائيليين فسحة أطول من الوقت لمزيد من التهويد وفرض الحقائق على الأرض. وربما لم يبق إلا القليل من الأرض. ولكن في المقابل بقي الكثير من مشاعر العزة والكرامة وحب الدفاع عن المسجد الأقصى والقدس في نفوس أبناء فلسطين ، ورغم هذا المصاب والبلاء، نعلم يقيناً لا تخميناً، بأن حقنا لن يضيع، وان النصر حليفنا طال الزمن أم قصر، وبأننا وان كنا نعيش أياماً حالكة، وان كنا نخسر جولة وجولات، إلا أن المعركة ستحسم لصالح الحق، ولصالح أصحاب الأرض المتجذرين فيها ، الذين يؤمنون بأن إزالة أسباب الخذلان والهوان أهم وأولى عندهم من إزالة آثار العدوان وأن هذا الطغيان لن يوقفه إلا الإسلام، وان مَيْل الميزان لا يعدله إلا القرآن .
فلسطين الحبيبة كيف أغفو.. وفي عيني أطياف العذاب
فلسطين الحبيبة كيف أحيا .. بعيدا عن سهولك والهضاب
تناديني الشواطىء باكيات .. وفي سمع الزمان صدى انتحاب
تناديني مدائنك اليتامى .. تناديني قراك مع القباب
ويسألني الرفاق ألا لقاء .. وهل من عودة بعد الغياب
غدا سنعود والأجيال تصغي .. إلى وقع الخطى عند الإياب
نعود مع العواصف داويات .. مع البرق المقدس والشهاب
مع الرايات دامية الحواشي.. على وهج الأسنة والحراب
أجل ستعود آلاف الضحايا . ضحايا الظلم تفتح كل باب
إن معركة الإسلام مع الكفر، ليست وليدة اليوم، وإنما هي فصول يقصها القرآن وترويها السنة، في أدوار مختلفة، ولن يخلو زمان أو مكان من تلك المعركة ، لأن النور الذي حمله رسول الله ليضيء الدنيا، لن ينطفئ أبدًا، بل هو باق خالد، في أيدي المسلمين، يحملونه إلى البشرية ليضيء الدنيا مرة أخرى بأمر من الله، ويوحد الكلمة، ويجمع الشتات، وإن للمسلمين في وعد ربهم، ما يشد عزائمهم للثبات على دينهم ﴿ وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ ٱلْمُؤْمِنينَ﴾ الروم:47 . أما الجبناء فسيأتي يوم يندمون فيه، يوم لا ينفع الندم ، فلا نامت أعين الجبناء .
العمل من أجل فلسطين
