العولمة تعني : التداخل في أمور الاقتصاد، والاجتماع، والسياسة، والثقافة والسلوك دون الاهتمام بالحدود السياسية للدول ذات السيادة، أو الانتماء إلى وطن محدد أو لدولة معينة، دون حاجة إلى إجراءات حكومية . وفي ظلِّ هذا النظام الجديد والتبشير بالعولمة ، تفكَّكَتْ دول كما يحدث الآن في أفغانستان، والصومال والعراق، والسودان، والمذابح ضد الإنسان بشكْلٍ عام، والمسلم بشكل خاصٍّ وارتكبت دون تحقيق دولي، وكما حدث في البوسنة والهرسك في قلب أوروبا، وما حدث في كوسوفا، وكما حدث في رواندا؛ حيث أُبِيد أكثر من نصف مليون مواطن، دون أن تُحَرِّك القوى المهيمنة ساكنًا، وتهدف إلى استبعاد الإسلام وإقصاؤه عن الحكم والتشريع، وعن التربية والأخلاق، وإفساح المجال للنظم والقوانين والقيَم الغربية المستمدة من الفلسفة المادية والعلمانية ، ونشْر الكفر والإلحاد؛ لجعل الشعوب لا يؤمنون بدين، ولا يعترفون بعقيدة سماوية ، والسيطرة على رؤوس المال العربية، واستثماراتها في الغرب، والهيمنة الأمريكية على اقتصاديات العالم من خلال القضاء على سُلطة وقوة الدولة الوطنية في المجال الاقتصادي؛ بحيث تصبح الدولة تحت رحمة صندوق النقد الدولي، حين تستجدي منه المعونة والمساعدة عبر بوابة القروض ذات الشروط المجحفة ، وإضعاف قوة موارد الثروة المالية العربية المتمثِّلة في النفط؛ حيث تم إضعاف أهميته كسلعة ، وقد تم استثناؤه من السلع التي تخضع لحرية التجارة الدولية ، وارتفاع أسعار المواد الغذائية في الدول الإسلامية؛ نتيجة إلغاء هذه الدول الدعم المالي الذي كانتْ تقدمه للسلع الغذائية ، وفرض السيطرة السياسية الغربيَّة على الأنظمة الحاكمة والشعوب التابعة لها، والتحكُّم في مركز القرار السياسي وصناعته ، وإشاعة الجنس وثقافة العنف التي مِن شأنها تنشئة أجيال كاملة تؤمن بالعنف ،كأسلوب للحياة ، وكظاهرة عادية وطبيعية، وما يترتّب على ذلك من انتشار الرذيلة والجريمة والعنف في المجتمعات الإسلامية، وقتل أوقات الشباب بتضييعها في توافه الأمور، وبما يعود عليه بالضرر البالغ في دينه وأخلاقه وسلوكه وحركته في الحياة، ولقد أثبتت الدراسات الحديثة خطورة القنوات الفضائية – بما تبثه من أفلام ومسلسلات جنسية فاضحة تثير الشهوات الجنسية، وتزين عبادة الجسد، وتشيع أنواع الشذوذ، وتحطيم قيم الفطرة الإنسانية الرفيعة .
إنه الفخ الذي يُنْصَب لأمة الإسلام اليوم ، حتى تفقد خصوصيتها وتخسر خيريتها وشهادتها على الناس ، إنه فخ العولمة الذي يهدف إلى إزالة الحواجز الدينية والأخلاقية ، وتذويب الفروق بين المجتمعات الإنسانية المختلفة ، وإشاعة القيم المشتركة التي يراد لها أن تجمع البشر بزعمهم ، وسيادة المال وحرية التجارة عبر الدول ، والنفاذ إلى المجتمعات بعيدا عن هيمنة حكوماتها ، فتضعف بذلك السلطات المحلية ، ويحل محلها سلطات أخرى ، عبر شركات كبرى تجوب الأرض طولا وعرضا ، لا تعوقها حدود ، ولا تضايقها قيود ، ولا تراعي خصوصيات لبلد لسان حالها من رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط .
أما الوسائل التي عن طريقها تفرض رؤى العولمة فهي : المؤتمرات والمنظمات الدولية كالبنك الدولي ، وصندوق النقد الدولي ، ومنظمة التجارة العالمية ، والمجلس الاقتصادي والاجتماعي ، ومنظمة الأغذية والزراعة ، ومنظمة العمل الدولية ومنظمة الصحة العالمية ، ومنظمة اليونسكو وغيرها ، والمال والإعلام هما السلاحان النافذان في عصر العولمة ، فمن ملكهما كانت له السيطرة والنفوذ وقد قال أحد حكماء الغرب قبل خمسمائة عام :” إذا حاربت بسيف المال فستكون الغالب دائما ” فمن ملك المال والإعلام ، يفرض مفاهيمه وقيمه ومبادئه على الآخرين ، وهو الذي سيحدد المعايير ويدفع الهيئات والمؤسسات نحو ما يريد وسيعمل لتحقيق مصالحه الخاصة ، إنه الغرب وعلى رأسه أمريكا ، الذي يسيطر في عصر العولمة إلى درجة العمل على إفناء الآخرين وإلغائهم .
