إن الحياة في نظر الإسلام أهم من أن تنسى، ولكنها أتفه من أن تكون غاية قال تعالى: ﴿ وَٱبْتَغِ فِيمَا ءاتَاكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلاْخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنْيَا ﴾ القصص 77 .
كَيْفَ نغْفَلُ عَنْ الموت ، وَمَلَكُ الْمَوْتِ لا يَغْفُلُ عنا ؟، وكَيْفَ نتَّكِلُ عَلَى طُولِ الأَمَلِ وَالأَجَلُ يَطْلُبُنا ، إن العبد منا إذا كان على فراش الموت بُشر إما بجنة وإما بنار لأن العبد يموت على ما عاش عليه ، وإنما الأعمال بخواتيمها ، فالصالحون يشتاقون إلى لقاء ربهم ويعتبرون الموت جسراً يعبرون عليه إلى الآخرة نعم يفرحون بالموت ما دام يقربهم إلى ربهم .
الموت باب كل الناس داخله فليت شعري بعد الموت ما الدار
الدار جنة عدن إن عملت بما يرضي الإلـه وإن فرطت فالنار
هما مصيران ما للمرء غيرهما فانظر لنفسك مـاذا أنت تختـار
عجباً لذاكر الموت كيف يلهو ؟ ومن تيقن حلوله كيف يزهو ؟ وإذا ذُكرت له الآخرة كيف يلغو ؟ أما علم أهل الغفلة أن أعمارهم عليهم حجة ، وأن أيامهم تقودهم إلى شقوة ، أما علموا أن الآخرة لا ترجى بغير عمل ؟ بل كيف ترجى التوبة مع الغفلة والتقصير وطول الأمل؟ إذا علم أن من طال أمله ضعف عمله .
فالويل لأهل الغفلة إن أعطوا لم يشبعوا ، وان منعوا لم يقنعوا يأمرون بما لا يفعلون وينهون وهم لا ينتهون ، وهم للناس لوامون ولأنفسهم مداهنون : ﴿ ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ ٱلاْمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ الحجر 3 . ولقد أحسن القائل :
والناس في غفلة والموت يوقظهم وما يفيقون حتى ينفد العمر
يشـيعـون أهـاليـهم بجمعهم وينظرون إلى ما فيه قد قبروا
ويرجـعون إلى أحلام غفلـتهم كأنهم ما رأوا شيئا ولا نظروا
إن عمل الإنسان لا يخلو من أحد أمرين فإما عملا يحيل القبر إلى روضة من رياض الجنة ، وإما عملا يحيل القبر إلى حفرة من حفر النار . قال عمر بن عبد العزيز لأبي حازم عظني فقال : ” اضطجع ، ثم اجعل الموت عند رأسك ، ثم انظر ما تحب أن يكون فيك تلك الساعة ، فجدّ فيه الآن وما تكره أن يكون فيك فدعه الآن ، فو الله لو اضطجعنا ، وأقمنا الموت عند رؤوسنا ، لتركنا الكثير من فضول أعمالنا وأقوالنا ، ولظهر الاجتهاد في العمل والإخلاص في النيات ، ولتضاءلت الحياة استعداداً للممات .
تفكر في مشيبك والمآب ودفنك بعد عزك في التراب
إذا وافيت قبراً أنت فيه تقيم به إلى يوم الحساب
فطلق هذه الدنيا ثلاثـاً وبادر قبل موتك بالمتاب
