الفتنة قد تعم الطائع والعاصي


الفتنة : هي الأمور والأحداث التي تحرف المسلم عن الطّريق المستقيم ، وتزيّن له الباطل وقد شهد التاريخ الإنساني منذ القدم موجات من الفتن ، التي كانت سببا للاختلاف والفرقة ، والاقتتال وسفك الدماء ، والتدمير والخراب، وشهد التاريخ ضياع ممالك واندحار أمم ومجتمعات ، ونشوب حروب بسبب الفتن ، ومما لاشك فيه أننا نعيش في زمن تكثر فيه الفتن، ولذلك يجب على المسلم أن يتعوذ بالله جلَّ وعلا من الفتن، لأنها تحرق الدين وتحرق العقل، وتحرق البدن، وتحرق كل خير، ولا خير في فتنة أبداً؛ فإن النبي صلى الله
عليه وسلم كان يتعوَّذ بالله كثيراً من الفتن، وكان عليه الصلاة والسلام يحذَّر منها ، لأنها إذا أتت؛ فإنها لا تصيب الظالم وحده، وإنما تصيب الجميع، ولذلك يجب علينا أن نحذرها قبل وقوعها، وإنَّ من علامات آخر الزمان كثرة الفتن؛ كما ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( يتقارب الزمان، ويقلُّ العمل، ويلقى الشح، وتكثر-أو قال : تظهر- الفتن ) .
وإذا كانت قوانين الأرض تقرر : أنه لا عقوبة من غير جريمة، فإن القرآن الكريم -لاعتبارات معينة- يقرر : أن الذنوب إذا ظهرت في المجتمع فإن ذلك يستدعي عقوبة المجتمع بأكمله، وهو ما قررته الآية الكريمة في قوله تعالى: ﴿ واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب ﴾ الأنفال:2 ، فقد حذرت الآية بكل وضوح أفراد المجتمع المسلم، بأن الظلم بكل أشكاله وأنواعه ، إذا ظهر بينهم فإن العقوبة تشملهم جميعاً، ويكون مقصود الآية التحذير من فتنة تتعدى الظالم، فتصيب الصالح والطالح ، إذا لم ينكروا ، ثم يبعث الله الناس على نياتهم ، وذلك كإقرار المنكر بين الناس والمداهنة في الأمر بالمعروف ، واقتراف الكبائر ، وظهور البدع ، والتكاسل عن الفرائض وغير ذلك من أنواع الذنوب وفي الحديث : ( لتأمرنّ بالمعروف ولتنهُونَّ عن المنكر أو ليعُمَّكم الله بعذاب ) أخرجه الترمذي في الفتن ، أو كما قال صلى الله عليه وسلم قالت عائشة رضي الله عنها : ( أنهلك وفينا الصالحون ؟ قال نعم إذا كثر الخبث ) أخرجه البخاري في الفتن . فليحذر العباد الزلة التي توجب لهم عقوبةً لا تخص مرتكبيها ، بل يعم شؤمها من تعاطاها ، ومن لم يتعاطاها ، ومع أن غير المجرم لا يؤخذ بجرم من اذنب لكن قد ينفرد الواحد بجرم ، فيحمل أقوام من المخنصين بفاعل هذا الجرم ، كأن يتعصبوا له إذا أخذ بحكم ذلك الجرم فبعد الا يكونوا ظالمين ، يصيروا ظالمين بمعاونتهم وتعصبهم للظالم ، فتكون فتنة لا تخص بمن كان ظالما في الحال ، بل تصيب كذلك ظالماً في المستقبل بسبب التعصب للظالم ورضاه به .
وقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم خطورة إعانة الظالم على ظلمه في الحديث : (مَنْ أَعَانَ ظَالِماً لِيُدْحِضَ بِبَاطِلِهِ حَقّاً فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ ذِمَّةُ الله وَذِمَّةُ رَسُولِهِ) أخرجه الحاكم وقال: صحيح الإسناد . فأين من يعين الظالم على ظلمه من هذا التحذير النبوي؟ أين من يمشي مع الظالم لينصره من كلام حبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم؟ أين من يفرح بظلم الظالم لإخوانه المسلمين من هذا الحديث؟ وقال تعالى وهو يحذر من الركون إلى الظالمين: ﴿ وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ ﴾ هود: 113، والركون يعني: المجاملة والمداهنة، والميل إليهم بالمحبة والمودة وآفة الدنيا هي الركون للظالمين؛ لأن الركون إليهم إنما يشجعهم على التمادي في الظلم والاستشراء فيه. وأدنى مراتب الركون إلى الظالم ألا تمنعه من ظلم غيره، وأعلى مراتب الركون إلى الظالم أن تزين له هذا الظلم؛ وأن تزين للناس هذا الظلم. روي أن الله أوحى إلى يوشع بن نون: ( أني مهلكٌ من قومك أربعين ألفًا من خيارهم وستين ألفًا من شرارهم فقال: يا رب، هؤلاء الأشرار فما بال الأخيار؟ قال: إنهم لم يغضبوا لغضبى فكانوا يواكلوهم ويشاربوهم ) .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *