الفراغ القاتل

نبَذ الله الفراغ، وحذَّر العباد منه، بل بيَّن في كتابه أنه لا يمكن للإنسان أن يكون فارغًا فقال تعالى : ﴿ فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ ﴾الشرح 7. أي إذا أتممت عملاً من مهام الأعمال ، فأقبِل على عمل آخر ، يشغل أوقاتك بالأعمال العظيمة التي تقربك من الله تعالى ، كالصلاة، والتهجد، وقراءة القرآن الكريم. واجعل رغبتك في جميع أعمالك وعباداتك، من أجل إرضاء ربك، لا من أجل شيء آخر، فهو وحده القادر على إبلاغك ما تريد، وتحقيق آمالك ، لأن المواظبة على الأعمال الصالحة مع الإخلاص فيها، تؤدى إلى السعادة التي ليس بعدها سعادة.
لذا لا بد من مَلء الفراغ ، إما بعمل الدنيا أو الآخرة لأن الفراغ يورث الوساوس، ويرهق النفس، ويُجهِد الفِكر ويُنهِك البدن! وقد لام الله المفرطين في أوقاتهم فقال جلّ اسمه : ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلْ الْعَادِّينَ * قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ المؤمنون 112 . وقد حذَّر النبي صلى الله عليه وسلم من الفراغ؛ وبيَّن أن من نعم الله على العبد ملىء الفراغ في نفع الدنيا والآخرة ، وبيَّن أن المغبون من ضيَّع أوقاتَه وبدَّد ساعاتِه، وشتَّت أيامه ، لأنه لا يعرف قيمة الوقت ، وأنه رأس مال الانسان، كما قال صلى الله عليه وسلم: (نعمتان مغبونٌ فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ)رواه البخاري. فإذا أردت النجاح، فاصنَعْ من الفراغ عملاً، وإذا أردت الفلاح فاصنَعْ من البطالة شُغلاً ، قال الحسن البصري: ” يا ابن آدم إنما أنت أيام إذا ذهب يومك ذهب بعضك ” وانشدوا :
والوقت أعظم ما عنيت بحفظه وأراه أسهل ما عليك يضيع
فقد حرص الإسلام على شغل أوقات الفراغ بعد الواجبات بالعمل النافع المثمر، بحيث لا يجد الإنسان الفراغ الذي يشكو منه، ويحتاج في ملئه إلى تبديد الطاقة أو الانحراف لذا دعانا رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوة صريحة إلى الاستفادة من ساعات فراغنا قبل أن تمضي فقال: (اغتنم خمسًا قبل خمس: حياتك قبل موتك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وشبابك قبل هرمك وغناك قبل فقرك) إنها دعوة للإفادة من ساعات الفراغ قبل أن تمضي فلا تعود، ليغتنمها المرء قبل حلول مرض مقعِد أو كبر مفنِّد أو بلاء مشغل ، ولقد صدَّق فعلُ رسول الله صلى الله عليه وسلم قولَه في الحث على الاستفادة من الوقت، فلم يكن في حياته ثمة فراغ .
إنه لا علاج من الفراغ إلا بالرجوع إلى الله ، نظاماً ومنهج حياة وأداء العبادات ، وتطهير القلب من الأدران ، ومحبة الناس ، والارتفاع من درجات البهيمية إلى درجات الصديقين في سمو الأخلاق وصفاء النية ، فلا حسد ولا حقد ، ولا غرور ولا كبرياء ، ولا غش ولا خداع ، ولا كذب ولا رياء ، هذا هو ديننا ، وما نحن بحاجة إليه ، ومن لم يتمتع بالفراغ لا يهتدى إلى الدين الحق ، لذا تجده يشكو الفراغ القاتل في حياته ، ويشكو مع هذا الفراغ ، الملل والضجر ، وسوء الظن بكل ما يحيط به ، فيتنكر لكل القيم ، ولا علاج لهذا إلا بالرجوع إلى الدين ، الذي يفسح المجال أمام أتباعه ، فيرفعهم إلى أعلى عليين ويعطيهم الدنيا والآخرة ، ويصعد بهم إلى أعلى درجات الصلحاء والصديقين ، كما ينبغي أن نبدد الإحساس بالفراغ ، بمزيد من العمل ، لننهض ونصحو، ولا تسعد أمة تلهو وتلعب في وقت فراغها، فلنتحرك نحو المجد بدلاً من التسكع في الأسواق والمقاهي ، إذا كنا نعتقد بأن لنا دوراً في هذه الحياة مازال ينتظرنا لكي نقوم به . ولله در أبي الطيب حين قال :
لا تحسبِ المجدَ تمراً أنتَ آكلُهُ لن تبلغَ المجدَ حتى تلعقَ الصَّبرا
وفي توجيه علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، علاج للفراغ القلبي والروحي والمبادئ الجادة ، حيث يقول علي رضي الله عنه: (من أمضى يومًا في غير حق قضاه أو فرض أداه أو مجد بناه أو حمْدٍ حصّله أو خير سمعه أو علم اقتبسه فقد عق يومه) فمن يعمل بهذا الوجيه ، لا يشكّل الفراغ مشكلةً في حياته، لأنه لا يمكن أن يوجد فراغ في قلب عامر بذكر الله، ولا في روح متعبِّدة لله . وليَحذَرِ المُسلِمُ أن يملىء الفَرَاغِ بما يُغضِبُ اللهُ، أَو يَقضيهُ فِيمَا يَشغَلُ عَن طَاعَةِ اللهِ قال تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلهِكُم أَموَالُكُم وَلا أَولادُكُم عَن ذِكرِ اللهِ وَمَن يَفعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ﴾ .

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *