إن الشقاء لا يتعلق بغنى أو فقر ولا بمرض أو ابتلاء ، إنما هو في البعد عن الله ، وانقطاع الصلة عن الله ، وليست السعادة والشقاء قدر مفروض علينا ، من يوم ان كنّا في بطون أمهاتنا، كما ذُكر في الأحاديث ؟ لأن السعادة والشقاوة : قد سبقَ الكتابُ بهما وأنَّ ذلك مُقدَّرٌ بحسب الأعمال وأنَّ كلاًّ ميسر لما خُلق له من الأعمال ، التي هي سببٌ للسعادة أو الشقاوة ، صحيح أن الله سبحانه قد سبق بعلمه ان هذا سعيدٌ وهذا شقيّ ، نتيجة لعلمه المسبق بعمل الانسان وما كسبت يداه، وإلا فلا معنى لأمره ولا لنهيه ولا جدوى في تكليفه وبعثه، ولو أنّ السعادة والشّقاء صفة لازمة لا تنفكّ عن الإنسان ، لبطلت الحجّة الإلهيّة، والله عزّ وجلّ يقول: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعدَ الرُّسُلِ ﴾ هناك فرق بين أهل السعادة وأهل الشقاء ، قال تعالى : ﴿ لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة ، أصحاب الجنة هم الفائزون ﴾الحشر 20 ، فأهل السعادة ، إذا رأوا إنساناً على معصية ، انكروا عليه ونهوه ، ودعوا له ، وسألوا الله أن يتوب عليه ويغفر له ، وأن يوفقه لطاعته ، أما أهل الشقاوة ، فإنهم ينكرون على المذنب ، تشفياً منه ، ورغبة في فضيحته ، وربما طعنوه في شرفه وكرامته ، ومن أهل السعادة ، من كان ناصحاً لأخيه ، بعيداً عن الناس ، يستر عليه أمام الناس ويرشده إلى طريق الهداية والرشاد على عكس أهل الشقاوة ، إذا رأوا إنسانا على معصية تركوه ، وأغلقوا عليه الباب ، وشهروا به وفضحوه وهولاء عند الله مبغضون ، ومن رحمته مبعدون قال تعالى : ﴿ إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة ، والله يعلم وأنتم لا تعلمون ﴾ النور 16 ، وقال عليه الصلاة والسلام : ( من عير أخاه بذنب لم يمت حتى يعلمه)الترمذي والطبراني ، نرى البعض ، إذا ذكر عنده إنسان اغتابوه بالمساوئ والعيوب ، وأنكروا محاسنه ، يقولون ما علينا ودعنا من سيرته ، لأنه كذا وكذا ينهشوا عرضه ، ويأكلوا لحمه وهناك من يذكر الغائب بالخير ويسمي محاسنه ، ويحمله على محمل الحسن ، ويقول لعله سها أو له عذر لا نعرفه ، يحاول أن يستر عليه ، فهذا من أهل الخير من اهل السعادة ، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من رد عن عرض أخيه ، رد الله عن وجهه النار يوم القيامة)الترمذي عن أبي الدرداء ، فالمسلم الحق من يحرص على سلامة عرض اخيه المسلم ، قال عليه الصلاة والسلام : ( ومن ستر على مسلم ستر الله عليه في الدنيا والآخرة والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه )مسلم ، فأهل الشقاوة من يظلمون الناس ، ويأكلون حقوقهم وينهشون اعراضهم ، أما أهل السعادة ، فهم أهل العفاف والقناعة ، يبتعدون عن ظلم العباد وينصرون الحق ، ويحافظون على اسرار العباد ، يكتمون عيوبهم ويظهرون محاسنهم ، قال ابن القيم :” طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس ، وويل لمن نسي عيبه وتفرغ لعيوب الناس ” فاغمض عينيك يا أخي عن الخيانة ، وكف لسانك عن الغيبة والنميمة والكذب ، وسد أذنيك عن سماع الباطل حتى تلقى الله على الإيمان ، وإياك وظلم العباد ، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة ، وكن من أهل السعادة الذين التزموا بمنهج الله ، وتوكلوا عليه ، وعاشوا بمعونته لهم ، فكفاهم ما أهمهم ، وصرف عنهم ما أغمهم ، فرفع أقدارهم ، وأكمل أنوارهم ، وأتم نعمه عليهم ، وإن من أعظم أسباب السعادة الإيمان والعمل الصالح قال تعالى : ﴿ من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ﴾ النحل 16، فلا سعادة إلا بالإيمان والعمل الصالح، الذي بُعث به الرسول عليه الصلاة والسلام ، فمن سكن القصر بلا إيمان، كتب الله عليه: ﴿ فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا ﴾ 124 طـه. ومن جمع المال بلا إيمان، ختم الله على قلبه: ﴿ فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا ﴾. ومن جمع الدنيا وتقلد المنصب بلا إيمان جعل الله خاتمته ﴿ فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضنكا ﴾.جاء في السير والتاريخ : أن هارون الرشيد أنفق الكنوز والقناطير المقنطرة في عمارة قصر على نهر دجلة، يدخل النهر من شمال القصر، ويخرج من جنوبه وعمّر الحدائق التي تطل وتتمايل على النهر، ثم رفع الستور، وجلس للناس، فدخل الناس يهنئونه بقصره وبحدائقه، وكان فيمن دخل أبو العتاهية فوقف أمام هارون الرشيد وقال له: عش ما بدا لك سالماً في ظل شاهقة القصور
فارتاح هارون لهذا الكلام وقال: زد فقال: يُجرى عليك بما أردت مع الغدوّ مع البكور ، أي: يأتيك الخدم والجواري بكل ما أردت صباحاً ومساءً قال: زد فقال: فإذا النفوس تغرغرت بزفير حشرجة الصدور
فهنـاك تعلم موقناً ما كنت إلا في غرور!
قال: أعد أعد. فقال:
فإذا النفوس تغرغرت بزفير حشرجة الصدور
فهنـاك تعلـم موقنـاً ما كنت إلا في غرور!
فبكى هارون ، ثم أمر بالستور فهتكت والأبواب فأغلقت، ونزل في قصره القديم . لمثل هذا فليعمل العاملون ، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون .
الفرق بين أهل السعادة وأهل الشقاوة
