القتل والسلام

إن المسلمين والإسلام والاستظلال بعقائده وشرائعه مطارد في أغلب بقاع الأرض فكيف تستريح نفس المؤمن لهذا ؟ بل كيف للمؤمن أن يهادن قوى الشر إذا كان لا بد له أن يحيا بإيمانه أو يموت دونه ، وماذا يصنع المؤمن إذا استحر القتل في المدافعين عن أوطانهم وعقائدهم واعتبروا مجرمين ، وما المطلوب منا حين يتبجح القتلة ، ويلبسون شارات العدالة ؟ وماذا نصنع بمن يعمل على إبعاد الإسلام وإهانة معتنقيه ، وتضييق الخناق عليهم ما لم ينحرفوا عن شرائعه ويتنكروا لتعاليمه ، وماذا نقول عندما نرى ساسة الغرب ومن يعمل معهم أو لصالحهم لا يرضون بإذلال المسلمين ، بل يريدون أن يقاتلوا تحت لوائهم ، ويسوغوا مظالمهم
إن القتلة لا يستكثر عليهم الكذب ، ولصوص السياسة لا يستبعد منهم الافتراء والتزوير ، ولا يستغرب منهم أن يجادلوا بالبطل ليدحضوا به الحق وأن يتعاونوا على استغلالنا واستذلالنا ودعم كل عمل يطرد الإيمان من قلوبنا ، ويشيع المنكر والفحشاء في بلادنا ، بل إنهم يباركون القتل الذي ندفع مغارمه الفادحة من آلاف القتلى وعشرات المدن والقرى المدمرة ، يشهدون ذلك وهم يضحكون ، لأن قتل المسلمين والخلاص من دينهم هو أمنيتهم التي يسعون لتحقيقها ، دعا الكاتب والمحلل العسكري أليكس فيشمان في صحيفة “يديعوت أحرونوت” الحكومة الإسرائيلية إلى ترك العرب يتقاتلون، ليقتل الواحد منهم الآخر؛ لأن أي تدخل “إسـرائيلي” قد يعيد التفاف العرب مع بعضهم على عدوهم التاريخي، أيْ دولة الاحتلال الإسرائيلي ، وأوضح (فيشمان) أنه “في كل يوم يُقتل في الدول حولنا 400 إنسـان إلى 500، ويُقتل في سـوريا في كل يوم 80 شـخصاً، وتابع: ولا يُرى لدى الفلسطينيين حل للانقسام بين حماس والسلطة الفلسطينية، ومصر في فوضى اقتصادية دستورية وفي الشوارع اضطراب عارم، وقلق مصر أن أثيوبيا تُنشيء سدّاً على النيل الأزرق الذي يمد مصر بـ 80 في المائة من الماء ، وأردف الكاتب: في ليبيا تذبح القبائل والعصابات المسـلحـة بعضها بعضاً ولم يعودوا يعدون الجثث هناك، وتدخل المدن الكبرى في تونـس في حظر تجوال كل مسـاء ويُقتل جنود تونسـيون في حربهم للسـلفيين على حدود الجزائر، وأصبح العراق مقسـوماً إلى ثلاثـة أقسـام، وتتجدد الحرب الأهليـة هناك بكامل قوتها. مضيفاً: “ولم نتحدث بعد عما يحدث في الصومال وتشاد والسودان وعدن والبحرين، إن العالم العربي يحترق منذ سـنتين ويفني نفسـه دون تدخل خارجي، وهذا أمر قد يسـتمر سـنين طويلـة بعد”، من هنا، ختم (فيشـمان) إلى القول: “لماذا يجب علينا نحن الإسـرائيليون ، بسـبب عدد من الضباط الكبار الذين لا يهدأون ورئيـس حكومة يُسـارع إلى الحرب، منح العرب سـبباً للاتحاد حول القاسـم المشـترك الوحيد بينهم وهو كراهية إسـرائيل ، دعوهم يقتلوا أنفسـهم بهدوء؟ . نعم ها نحن نشهد قتلاً يصلى المسلمون ناره ، فما تنقلهم الأحداث الرهيبة من ميدان إلا ليدخلوا ميداناً آخر ، فرحوا بالكيماوي الذي حصد جماهير النسوة والأطفال ممن لا شأن لهم بالحرب ، في وسط الضجيج العالي لحضارة الغرب ، وها هي صيحات الهول تخترق أذان العالمين ، ممن يطلبون النجدة ، وها هي دماء المسلمين لا تطفئ نار الوحش الظامئ إلى المزيد ، يشتطون في أخذ المسلمين بالعنف كي يردوهم عن دينهم ، فلا يبالون في سبيل ذلك بسفك الدم مهما غزر وإتلاف النفوس مهما كثرت ، لأنهم يكرهون الإسلام وأهله فالخير ما عاد عليهم بالنفع وإن كسر قلوب الآخرين يستبد بهم جنون القتل كلما كان المسلمون هم ضحاياه ن وكلما كانت بلادهم هي هدفه ، فلا غرو إذا أحس المسلم وهو يسلم روحه تحت ردم أن الدنيا تآمرت عليه وشاركت في قتله .
بعد كل هذا القتل والتدمير والتشريد بقولون : لا حل إلا بالتفاوض السلمي ، والسؤال هنا هل التفاوض السلمي يعني ترك الإجرام من غير نكد وترك المعتدين من غير عقوبة ؟ وترك المظلومين دون نصير ، يصون دمائهم وأموالهم وأعراضهم ؟ إذا كان هذا معنى السلام ، فليس الإسلام دين السلام ، بل هو دين خصام وقصاص ، لذا لا ينبغي تشويه حقيقة السلام ، لنرضى بالهوان وقبول الدنية فالقرآن وهو يحذر من سفك الدم ، يعطي المسلمين إذناً بالدفاع عن أنفسهم فيقول : ﴿ أذن للذين يُقاتلون بأنهم ظُلموا وإن الله على نصرهم لقدير ﴾ الحج 39 ، والقرآن حين يُذَكِر المستضعفين بآلامهم ، وما لاقوا من تشريد ، فإن ذلك يكون دافعاً لخوض المعارك وتأديب الطغاة قال تعالى : ﴿ قاتلوهم يُعَذِبهم الله بأيديكم ويُخْزِهم وينصركم عليهم ﴾ التوبة 14 ، وهذا يقتضي البحث عن سلاح يدفعوا به الصائل الغشوم ، الذي شرّد إخواننا ونهب أموالهم واستباح حقوقهم ورفض أي سَلامٍ ، يراد به تمكين الغاصب وإسكات الشاكي ، وتطمين المعتدي ، وتوهين الباكي ، وعدم القبول بأي منطق لا يريد إحقاق الحق وإبطال الباطل ، إذ لا قيمة لقوة تجانب الحق ولا قيمة لانتصار يجافي العدالة ، ولا مكان لسلام يفرضه الظلمة بعدما سلبوا الآمنين وآذوا المؤمنين لذا لا بد من حمل السلاح والقتال حتى يقتنع الظلمة بالتخلي عن نتائج سطوهم وغزوهم .
إن المسلمين في دفاعهم عن حياتهم ودينهم ، قتل منهم الآلاف ، في مظاهرة تثور طالبة العدالة والحرية ، ومنادية بحقها في الكرامة ، ممن لم تشهد الدنيا نظيراً لهم في الفتك بالأبرياء ، والإطاحة بالحقوق ، حضارةٌ خلّفت وراءها الألوف المؤلفة من الأرامل واليتامى ، والضائعين والضائعات .
والسؤال هنا : ما العمل إذا استمدوا من كفرهم مذهبا للحياة ؟ يطوع لهم البغي ويزين لهم الفساد في الأرض ، إذا علمنا أن الإسلام لا يحارب الكفر ولكنه يحارب العدوان ، فليكفر من شاء ، فليس الإسلام مسئولاً عنه ، لكنه ينتصب مقاتلاً يوم يتحول الكفر إلى جور يلتهم البلاد والعباد ، عندها لابد من إزالة الظلم وكف الظالمين ، وحتى لو بغى المسلمون ، لوجب قتالهم حتى ينحسم بغيهم ويفيئوا إلى أمر الله ، أما الدعوى إلى عدم الإعداد والقوة فتلك دعوى لتجريد المسلمين من أسباب القوة ، حتى تتسلط عليه وتنفذ إلى صميمه .
وقد أمرنا الإسلام أن نجاهد المعتدين ، وأن نبذل المال والدم والروح عسى الله أن يكف بأسهم وعندما يعلن النفير العام ، يجب على الأمة أن تتعاون كلها على كسب معركتها ، وعلى النيل من عدوها بكل وسيلة على نحو ما قال الله تعالى : ﴿ وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد ﴾ التوبة ، إننا نشهد في العالم الآن القوى التي تتطاحن لامتلاك أمره وتتنافس في أخذ زمامه ، والانفراد بتسييره ، ولا يمكننا تجاهل الصراع بين هذه القوى ، والذي يهمنا موقف تلك القوى من الإسلام ، أما القوى الشرقية فهي تنكر الإسلام ، وأما القوى الغربية فهي تجحد رسالة نبينا r وتكذب بدينه ، وتحرص على اعتبار الإسلام خرافة ينبغي التخلص منها ، وإن كلتا الجبهتين لا تريد للإسلام خيرا ، فكيف نرجو منهم حلاً لمشاكلنا ، وقد أُمرنا ألا نواليهم قال تعالى : ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء ومن يتولهم منكم فإنه منهم ﴾ .

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *