القيم المادية والقيم الروحية


القيم المادية تتجلى في تلبية حاجات الجسد من الاكل والشرب والسكن والعلاج والغرائز ، فاذا تمسك الانسان بدينه وحرص على طهارة روحه سما وارتفع . وان هو استجاب للمادة والشهوات خسر الدنيا والآخرة . وقد شبه تعالى الذين للشهوات الجسدية بالانعام قال تعالى :﴿ اولئك كالأنعام بل هم اضل ﴾ .

  • أما بالنسبة للقـصد مـن العمل فإنه لا بدّ أن يكون لكل عامل قصد قد قام بالعمـل مـن أجله. وهذا القصد هو قيمة العمل. ولذلك كان حتماً أن تكون لكل عمل قيمة يراعي الإنسان تحقيقها حين القيام بالعمـل، وإلا كان مجرد عبث. ولا ينبغي للإنسان أن يقوم بأعماله عبثاً من غير قصد، بل لا بد أن يراعي تحقيق قيم الأعمال التي قـصد القيـام بالعمل من أجلها.
    وقيمة العمل إما أن تكون قيمـة ماديـة، كالأعمـال التجارية والزراعية والصناعية ونحوها، فإن المقصود من القيام بهذه الأعمال هو إيجاد فوائد مادية منها، وهي الربح، وهي قيمة لهـا شأنها في الحياة، وإما أن تكون قيمة العمل إنسانية كإنقاذ الغرقى وإغاثة الملهوفين، فإن المقصود منها إنقاذ الإنسان بغض النظر عن لونه وجنسه ودينه أو أي اعتبار آخر غير الإنسانية، وإما أن تكون قيمة العمل خُلُقية، كالصدق والأمانة والرحمة، فإن المقصود منها الناحية الخُلقية بغض النظر عن الفوائد وبغض النظر عن الإنسانية، إذ قد يكون الخُلق مع غير الإنسان، كالرفق بالحيوان والطير ، وقد تحصل من العمل الخُلقي خسارة مادية، ولكن تحقيق قيمته واجبة، ألا وهي الناحية الخُلقية. وإما أن تكون قيمـة العمـل روحيـة كالعبادات، فإنه ليس المقصود منها الفوائد المادية، ولا النـواحي الإنسانية ولا المسائل الخلقية، بل المقصود منها مجـرد العبـادة، ولذلك يجب أن يراعى تحقيق قيمتها الروحية فحسب بغض النظر عن سائر القيم. هذه هي القيم للأعمال جميعها، وهي التي يعمل لتحقيقها الإنسانُ عند القيام بكل عمل من أعماله.
    وقياس المجتمعات الإنسانية في حياتها الدنيوية إنّما يكون حسب هذه القيم، ويكون بقدر ما يتحقق منها في المجتمع ، ومـا يضمن تحقيقها من رفاهية وطمأنينة. ولذلك كان على المسلم أن يبذل وسعه لتحقيق القيمة المقصودة من كل عمل يقوم به حـين أداء هذا العمل ومباشرته، حتى يساهم في رفاهية المجتمع ورفعته، ويضمن ــ في الوقت نفسه ــ رفاهية نفسه وطمأنينتها.
    وهذه القيم ليست متفاضلة ولا متساوية لذاتها، لأنّـه لا توجد بينها خصائص تتخذ قاعدة لمساواتها ببعـضها أو تفـضيل بعضها على بعض، وإنّما هي نتائج، قصدها الإنسان حين القيـام بالعمل. ولذلك لا يمكن وضعها في ميزان واحد، ولا تقاس بمعيار واحد، لأنّها متخالفة إن لم تكن متناقضة. غير أن الإنسان مـن شأنه أن يفاضل بين القيم ليختار أفضلها وإن لم تكن متفاضـلة، ولا متساوية، إلاّ أن الإنسان لا يرضى بذلك بل يفاضل ويساوي بينها. وهذه المفاضلة والمساواة لا تكون بناء على نفس القيمة، بل بناء على ما يصيبه هو منها، وعلى ذلك بنى الإنـسان التفاضـل والتساوي بين القيم على نفسه، وما تجره هذه القيم له من نفع أو ضر. ولذلك يجعل نفسه المقياس أو يجعل الأثر الذي يصيب ذاتـه من هذه القيم هو المقياس، فتكون في الحقيقة مفاضلة بين آثار هذه القيم في نفسه لا بين القيم ذاتها. وبما أن استعدادات بني الإنـسان تختلف بالنسبة لآثار القيم، لذلك تختلف مفاضلتهم بينها.
    فالأشخاص الذين تتغلب عليهم المشاعر الروحية ويملكهم الميل لها ويهملون القيمة المادية يفضلون القيمة الروحية على القيمة المادية، فينصرفون للعبادات ويزهدون في المادة. ولذلك يعطلـون الحياة لأنّها مادة، ويسببون تأخرها المادي، ويـنخفض بـسببهم مستوى المجتمع الذي يعيشون فيه، بما يشيع فيه من كسل وخمول.
    والأشخاص الذين تتغلب عليهم الميول المادية وتملكهـم الشهوات ويهملون القيمة الروحيـة يفـضلون القيمـة الماديـة وينصرفون لتحقيقها. لذا تتعدد عندهم المثل العليا، ويضطرب بسببهم المجتمع الذي يعيشون فيه، ويشيع فيه الشر والفساد.
    ولهذا كان من الخطأ أن يترك للإنسان تقدير هذه القيم، بل يجب أن تقدر القيم من قبل خالق الإنسان وهو االله . ولـذلك كان لا بد أن يكون الشرع هو الذي يحدد للإنسان هذه القـيم ويحدد وقت القيام بها، وبحسبها يأخذها الإنسان. وقد بيّن الشرع معالجات مشاكل الحيـاة بـأوامر االله ونواهيه، وألزم الإنسان بالسير في هذه الحياة حسب هذه الأوامر والنواهي، كما بيّن الأعمال التي تحقق القيمة الروحيـة، وهـي العبادات التي أوجبها وسنها. كما بيّن الصفات التي تحقق القيمـة الخلقية. وترك للإنسان أن يحقق القيمة المادية التي تلزمه ليسد بهـا ضروراته وحاجاته، وما هو فوق الضروريات والحاجات، وَفـق نظام مخصوص بينه له، وأمره أن لا يحيد عنه. وما على الإنسان إلاّ أن يعمل لتحقيق هذه القيم وَفق أوامر االله ونواهيه، وأن يقـدرها بالقدر الذي بينه الشرع. وبذلك تتحقق في المجتمع القيم بالقـدر الـذي يلزمـه ، كمجتمع معين. ويقاس هذا المجتمع بمقاييسها. وعلى هذا الأساس يجب أن يعمل لتحقيق القيم، ليوجد المجتمع الإسـلامي حـسب وجهة نظر الإسلام في الحياة. وعلى ذلك فإن العمل الإنساني مادة يقوم به الإنـسان قياماً مادياً إلاّ أنه حين يقوم به يدرك صلته بالله من كـون هـذا العمل حلالاً أو حراماً فيقوم به أو يمتنع عنه على هذا الأسـاس، وهذا الإدراك من الإنسان لصلته بالله هو الروح. وهو الذي يجبر الإنسان أن يعرف شرع االله ليميز أعماله فيفهم الخير من الـشر حين يعرف ما يرضي االله من الأعمال وما يسخطه ويميز القبـيح من الحسن حين يعيّن له الشرع الفعل الحسن والفعـل القبـيح، وليرى القيم التي تلزم للحياة الإسلامية في المجتمع الإسلامي حسب ما يعيّنها الشرع. وبهذا يمكنه حين يقوم بالعمل ويدرك صلته بالله ، أن يقدم على العمل أو يحجم عنه حسب هذا الإدراك، لأنّه يعلم نوع العمل ووصفه وقيمته

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *