نرى المنكر يستعلن ، والفساد يستشري ، والباطل يتبجح ، والعلمانية تتحدث بملىء فيها ، والصليبية تخطط وتعمل بلا وجل ، وأجهزة الإعلام تشيع الفاحشة وتنشر السوء ، ونرى المتاجرة بالغرائز على أشدها ، من اغان خليعة ـ وصور فاجرة ، وأفلام داعرة ، وغير ذلك من الاغراء بالفسوق والعصيان والتعويق عن الإسلام والإيمان .
ونرى التشريع الذي يبارك المنكر ويؤيد الفساد ، لأنه لم ينبع مما أنزل الله ، بل مما وضع الناس ، لذا لا عجب أن يحل ما حرم الله ، ويحرم ما احل الله ، ويسقط فرائض الله ، ويعطل حدود الله .
ونرى الحكام الذين حمّلهم الله المسؤولية عن شعوبهم المسلمة ، ويسيرون في واد غير وادي الإسلام يوالون من عادى الله، ويعادون من والى الله، ويقربون إليهم من بعّد الله، ويبعّدون من قرب الله ويقدّمون من أخر الإسلام، ويؤخرون من قدمه، ولا يذكرون الإسلام إلا في الأعياد والمناسبات، تمويها على شعوبهم، وضحك على لحاهم! ومن ناحية أخرى، نرى الظلم الاجتماعي البين، والتفاوت الطبقي الفاحش، أفراد يلعبون بالملايين، وجماهير لا يجدون الملاليم، قصور تشاد وتنفق عليها عشرات الملايين، وربما لا تسكن في السنة إلا أيام معدودات، على حين يموت ملايين في العراء، لا يجدون ما يحميهم من حر الصيف ولا برد الشتاء ، أناس تمتلىء خزائنهم بالذهب ، وأرصدتهم في البنوك الأجنبية بأرقامها السرية، لا يعلم مقدارها إلا الله والحاسبون ، وسواد الناس ليس لهم خزائن إلا الجيوب التي كثير ما تشكو الإفلاس والخواء.. فهي قانعة بالقليل، ولكنه لا تجده، منشدة أبي العتاهية :
حسبك مما تبتغيه القوتُ ما أكثر القوت لمن يموت
ومع هذا لا تجد ما تشتري به القوت لسد جوعة الأطفال الذين يصرخون ، كيف لا والثروات الضخمة تجمع بل تنهب، والأموال العامة تسرق بل تغصب، والرشوة لها سوق بل أسواق ، والمحسوبية قائمة على قدم وساق، واللصوص الكبار يتمتعون بالحرية والتكريم، واللصوص الصغار وحدهم يتعرضون للعقاب الأليم! وداء الحسد والبغضاء بين الأفراد والفئات يفتك بالقلوب والعلاقات، فتك الأوبئة بالأجسام؛ ودعاة المبادئ الهدامة يستغلون هذا المناخ وتناقضاته الصارخة، ليؤججوا نار الصراع الطبقي، والحقد الاجتماعي، تهيئة لنشر مذاهبهم المستوردة، فيجدوا في هذا الجو الأذن التي تسمع، لا حب في المذهب المنشود، ولكن كرها للواقع المشهود ، وأساس هذا كله: أن الإسلام – بشموله وتكامله وتوازنه – غائب عن الساحة، غريب في أوطانه، منكور بين أهله، معزول عن الحكم والتشريع، وعن توجيه الحياة العامة، وشؤون الدولة في سياستها واقتصادها، وسائر علاقاتها بالداخل والخارج. . وفرض على الإسلام أن يتقوقع في العلاقة بين المرء وربه، ولا يتجاوزها إلى العلاقات الاجتماعية، أو الدستورية، أو الدولية.
ومعنى هذا أنه فرض على الإسلام أن يكون عقيدة دون شريعة، وعبادة دون معاملة، وديناً دون دولة، وقرآنا دون سلطان.
ما ذنب الإسلام حتى يحمل نتائج هذا التاريخ الأسود، ويحكم عليه بالعزل عن القيادة للأمة،والطرد من موقع التشريع والتوجيه والتأثير، وأن يحبس في خبايا الضمائر فإن خرج منها فليبق بين جدران المساجد والزوايا، على أن يظل في المسجد أيضا، قصير اللسان، خفيض الصوت، حافظا للمثل القائل: من سعادة جدك، وقوفك عند حدك، فهو مسجد موجه موضوع تحت مجهر المراقبة، ليس له حرية الدعوة، ولا الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر.
إن المشكلة ترجع في جوهرها إلى فرض العلمانية على المجتمع الإسلامي، وهي اتجاه دخيل عليه، غريب عنه، مجاف لكل مواريثه وقيمه، فإن محصلة العلمانية هي فصل الدين عن الدولة، وإبعاده عن الحكم والتشريع، وهذا لم يعرفه الإسلام في تاريخه, إذ كانت الشريعة هي أساس الفتوى والقضاء في الأمة الإسلامية طول عصور تاريخها، وكان الإسلام مصدر العبادات والمعاملات والاداب والتقاليد بين الناس.
