إن المقاومة في قطاع غزة ، بفصائلها المتعددة ، لا تمثل دولة عظمى، ولا تملك أسلحة حديثة متطورة ، ولكنها تستطيع، بما تملكه من إرادة ، وما يتيسر من أسلحة، وما تتبناه من قيم وعقيدة، تذكير الإسرائيليين، وبعض العرب، أن هناك حقا مغتصبا في فلسطين، وان هناك شعبا يقاوم من اجل استرداده ، فالقصفٌ الذي تمارسه إسرائيل ، خلّف دماءً طاهرةً بريئة ، تسقي شوارع طالما ظمئ أهلُها من حصار جائر ، بيوتٌ مهدمة فوق سكان استسلموا للموت بعدما أوهنهم جوعُ الحصار، أرواحٌ تفيض إلى بارئها وهي تشكو إليه صمتَ القريب والبعيد ، صراخُ أطفالٍ ما بين ألم الجراح وفِقدان الأهل ، وخوف الموت، نحيب وعويل ، أزيز طائرات، إنفجارات مدوية، حرائق مشتعلة ، ومشاهد متلاحقة تخترق الحدودَ لتصطدم بالصمت العربي والعالمي المهين فتكشف سوأته وكلما ازداد المشهدُ ضراوةً ، ازداد صمتُنا خزيًا ومهانةً وذلاً .
لقد استحال الصمت على حصار غزة ، عدوانًا دمويًّا شاملاً، وحرب إبادة عمياء ، ومن يخرجون عن صمتهم ويتكلمون –وليتهم ما تكلموا- يلقون باللوم على القتيل ، لأنه استفز القاتل؛ فيحاكمون أهل غزة ، بحجة أن عليهم تحمل المسؤولية ويدافعوا عن الصامتين من العرب والمسلمين بأنهم مغلوب على أمرهم ، ويتعللوا بالأقوال الانهزامية التي غُرست في النفوس مثل : “ليس بأيدينا شيء” “ماذا عسانا أن نفعل؟” ، والذي يتنافي مع نخوة العربي وشيمته وفزعته ، لنصرة من يستنجد به ، حتى وان كان لا يعرفه ، وهنا نتسائل : هل ماتت تلك النخوة وتلك الشيم عن نصرة أخوة الدين والدم ؟ بسبب تكرر مناظر الذل والاضطهاد وسفك الدماء بلا رحمة ولا شفقة ؟ ومتى ستتحرك النخوة ؟ أعندما تصفى فلسطين وغزة من كل مجاهد ، ولماذا لا تتحرك وهي ترى الظلم والذل والهوان ؟ ولماذا نتوقف عن المطالبة بحقوق النصرة الواجبة لإخواننا ولمقدساتنا؟ أين اليد الواحدة القوية ؟ وأين القلوب المؤلفة على محبة الله وحب الجهاد ؟ أم أنها تبلدت وخارت الهمم، وضاع من الناس الأمل .
قد يسأل سائل عن سر هذه الهجمة الشرسة العمياء تجاه قطاع غزة، وهل هنالك فعل يستحق هذه الهجمة ؟ وما غرض الذين لم يقتصروا على السكوت بل قدموا المسوغات لهذا العدوان ؟ ومهدوا ووفروا له الغطاء ، وهي في كل يوم ومع كل دفقة دم من شهيد تفضح المتآمرين، الصهاينة ومن معهم ممن يريدون كسر هذا النموذج وتحطيمه لتنهار معه الإرادةُ الإسلامية في كل مكان، تمنوا أن يجعلوها عبرة للمسلمين ، ولكنها غدت رمزاً للتحدي والممانعة ، والصبر والثبات والشموخ والعزة والكرامة، لا تسل عن حجمها ، فهي الصغيرة الكبيرة ولا تسل عن إمكاناتها ، فهي المحدودة العظيمة ، حاصروها فحاصرتهم، وأرادوا كسرها فكسرتهم، أرادوها نموذجًا للانهزام ، فأصبحت نموذجاً للثبات ، خططوا لاغتيال قادتها ، فكشفت المؤامرة وفضحتهم ولا تسل عن قدراتها ، فهي الضعيفة القوية، ولا تسل عن صواريخها ، فهي البدائية المتطورة، ولا تسل عن المعنويات ، فهي لم تبالِ بمن خذلها، وخالفها .
من المُضحِك المبكي ، أن يُلْقي بعض المحلِّلين التَّبِعة على الضَّحيَّة؛ بدعْوى أنَّها أعطت العدو الذَّريعة والمبرر لاعتدائه ، وما تلك الذَّريعة إلا دفاعُه عن نفسه، بِما يَملكه وحسب قدراته ، من صواريخ ذات فاعلية محدودة ، وصفت بالتنك، على حد قول بعض المتحدثين ، إلا أنها حققت أغراضها في بثّ الخوف والهلع والرعب في نفوس المستوطنين وأغلقت المدارس، ودفعت بهم إلى الملاجئ ويكفي أنها كلفت إسرائيل ، مليارات الدولارات في بناء معجزة القبة الحديدية لاعتراض صواريخ المقاومة القادمة من غزة، لتكتشف أن هذه المعجزة اقرب إلى الأكذوبة، أمام طيور الأبابيل الغزاوية فقد فشلت هذه القبة ، التي ليس لها من اسمها أي نصيب في اعتراض إلا خُمس الصواريخ القسامية وما تولد عنها من أصناف أخرى، ويكفي أنها ذكّرت الإسرائيليين ،حكومة وشعبا، أن هناك مقاومة فلسطينية، وأن هناك شعبا يرفض الاستسلام ويوجه بوصلة الأمة إلى العدو الحقيقي الذي يحتل الأرض والمقدسات .
وليس من المنطق أن نصور الصراع على انه بين طرفين متساويين ، لان إسرائيل بكل آلاتها العسكرية المتقدمة ، لا يمكن أن تقارن بالمقاومة الفلسطينية وأدواتها العسكرية المحدودة ، على التأثير ولا تتلقى ردا عنيفا ، كالتي تقوم به ضد رجال المقاومة وقادتهم السياسيين والعسكريين وأهالي القطاع كله ، إلا أنه من حق المقاومة الفلسطينية مقاومة المحتل والرد على سلوكياته الإجرامية .
وَوَفْقًا للمنطق المثبط للعزائم ؛ فإنَّ المطلوب من الضحيَّة أن يستسلِم للمُجْرم ، ليبطش به ويفتك ويفعل ما يريد؛ إنه منطق معكوس ، يَخلط الحقائق ويشوِّه الصورة ويقلب الموازين ، ليسوِّي بين المجرم والضَّحيَّة، وبين المحاصِر والمحاصَر، والقاتل والمقتول ، وتأيداً لقوْل القائل: بأنَّ فكَّ الحصار ووقْف العدوان لا يكون إلا بالقضاء على المُقاومة وكسْر شوكتِها ، ومصادرة حق الأمَّة في الدفاع عن نفسِها وحقوقِها ، وهذا من عجائب منطِق السياسة المعاصرة وفنونِها ، ولا يُستغرب هذا المنطق من أهْل السياسة ، لكن الغريب أن تردد هذه المقولة السَّاقطة دون إدراك لأبعادِها ، وآثارها القريبة والبعيدة متناسين أن الاعتداءات على غزة ، مدروسة ومخطط لها ، وهنا نتسائل : هل ينتظر صانعو مَجزرة دير ياسين وصبرا وقانا وجنين وسواها ، ممَّا يطول عدُّه وحصْرُه ، ذريعةً لممارسة هوايتهم المفضَّلة في القتْل والذبْح والتَّنكيل؟!وهل يعجِز الذين برعوا – عبر التَّاريخ قديمِه وحديثِه – في الكذِب والتَّزوير والخداع والغدْر والمراوغة، عن صنْع ذريعةٍ واختلاق مبرِّر؟!ثمَّ كيف نلوم الضَّحيَّة التي تَموت بالحصار والتَّجويع ؟! وكيف نلومُ مَن دفْع الموْت عن نفسِه بِما يستطيعُ ، ألم نسمع قولَ المتنبي :
وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مِنَ المَوْتِ بُدٌّ فَمِنَ العَجْزِ أَنْ تَمُوتَ جَبَانَا
وَلَوَ أنَّ الحَيَاةَ تَبْقَى لِحَيٍّ لَعَدَدْنَا أَضَلَّنَا الشُّجْعَانَا
غَيْرَ أَنَّ الفَتَى يُلاقِي المَنَايَا كَالِحَاتٍ وَلا يُلاقِي الهَوَانَا
ولما وجد اليهود أنَّ إفناء أهل غزة وإبادتَهم سيطول، نفِد صبرُهم وصبرُ مَن يمدُّهم في غيِّهم فأرسلوا طائراتِهم وقاذفاتِهم ، ودبَّاباتهم برًّا وبَحرًا وجوًّا؛ لتصُبَّ من فوق رؤوسهم الحميم، تقتل وتحرق وتدمر وصدق القائل:
لِمِثْلِ هَذَا يَذُوبُ القَلْبُ مِنْ كَمَدٍ إِنْ كَانَ فِي القَلْبِ إِيمَانٌ وَإِسْلامُ
إنه لا يجوز الصَّمت البتَّة على هذا الاعتداء فالصَّمت حرام، والسَّاكت عن الحقِّ شيطانٌ أخْرس والمتكلِّم بالباطل شيطانٌ ناطق؛ وقد قالَ رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (انْصُرْ أخاكَ ظالِمًا أوْ مَظْلومًا)، وقال صلى الله عليه وسلم : (مَن أُذلَّ عنده مؤمنٌ فلم ينصرْه – وهو قادر على أن ينْصُره – أذلَّه الله – عزَّ وجلَّ – على رؤوس الخلائِق يوم القيامة) رواه أحمد في مسنده. وليعلم الحكام والعلماء أن دماء كل مسلم تراق بيد اليهود أو غيرهم من الكفار ، فهي في أعناقهم يسألون عنها يوم العرض على ربهم ، وليفتحوا باب الجهاد ، وليحكموا شرع الله ، حتى يفوزوا بنصر الله قال تعالى : ﴿ لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدُبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ ﴾ آل عمران 111 .
المشهد في غزه
