المضيّعون أوقاتهم

إنَّ للوقت أهمية عظيمة، فالمسلم إذا أدرك قيمة وقته وأهميته، كان أكثر حرصًا على حفظه واغتنامه فيما يُقَرِّبه مِن ربِّه سبحانه وتعالى والاستفادة من وقته استفادة تعودُ عليه بالنفع، فيُسَارِع إلى استغلال الفراغ قبلَ الشغل، والصحَّة قبل السقم
وتؤكِّد السُّنّةُ النبوية أنّ الوقتَ مِنْ نِعَمِ الله على عباده، وأنهم مأمورون بحفظه مسئولون عنه. فعن ابن عباس رضي الله عنهما : أنَّ النبي صلَّى الله عليه وسلم قال: ( نِعْمَتانِ مغبونٌ فيهمَا كثيرٌ منَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ والفَراغُ ) أخرجه البخاري . ثم إنَّ المسلم سوف يُسأل عن الوقت أمام الله يوم القيامة؛ نرى الشاب الذي يتكلم مع أصحابه أو الشابة مع صاحبتها الأوقات الطويلة يضيعون فروضا وواجبات كثيرة غير ملتفتين لها ولا مبالين لضياعها وغير مكترثين أنها أوقات تذهب من العمر يحاسب عليها ، هذا ناهيك على قضاء الأيام على النت فيما هو غير إيجابي ومفيد ناهيك عن الوقوع في مستنقعات المحظورات وبؤر الفساد الموبوءة وكهوف الرذيلة! وكذا أيضا النوم الطويل جدا والتسوق في المراكز التجارية الساعات تلو الساعات ، فالمسلم الصَّادق هو الَّذي يُعِدُّ لكلِّ شيء عدَّته، ويحسب لكلِّ أمر حسابه، ويعلم – تمام العلم – أنَّه مُحاسب على هذا الوقت، الَّذي يقضيه في دنياه – منذُ بلوغه وتكليفه – إلى أنْ يلقى ربَّه؛ فلا تمرُّ لحظةٌ من لحظات هذا الوقت إلَّا كانت له أو عليه ، عن معاذ بن جبل رضي الله عنه : أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تزول قدما عبد يوم القيامة، حتى يُسأل عن أربع خصال: عن عمره: فيمَ أفناه؟ وعن شبابه: فيم أبلاه؟ وعن مالِه: من أين اكتسبه؟ وفيم أنفقه؟ وعَنْ عِلْمِه: ماذا عمل فيه ) أخرجه التِّرمذي
فالوقت أغْلَى من أن يضيع في أحاديثَ فارغة، أو مجالس غيبة، لا يتحرى فيها المسلمُ الصِّدق، ولا يأمر فيها بالمعروف، وكما قيل: الأيَّامُ ثلاثةٌ: الأمسُ قد مضى بما فيه، وغدًا لَعَلكَ تُدركه، وإنَّما هو يومكَ هذا، فاجتهد فيه.
يقول ابن الجوزي : ” رأيت عموم الخلائق يدفعون الزمان دفعًا عجيبًا: إن طال الليل، فبحديث لا ينفع، أو بقراءة كتاب فيه غزاة وسمر! وإن طال النهار، فبالنوم! وهم في أطراف في الأسواق! ورأيت النادرين قد فهموا معنى الوجود، فهم في تعبئة الزاد، والتأهب للرحيل، إلا أنهم يتفاوتون، وسبب تفاوتهم قلة العلم وكثرته، بما ينفق في بلد الإقامة ، فالمتيقظون منهم يتطلعون إلى الأخبار بالنافق هناك، فيستكثرون منه، فيزيد ربحهم، والغافلون منهم يحملون ما اتفق، فكم ممن قد قطعت عليه الطريق فبقي مفلسًا! فالله الله في مواسم العمر! والبدار البدار قبل الفوات! واستشهدوا العلم، واستبدلوا الحكمة، ونافسوا الزمان، وناقشوا النفوس، واستظهروا بالزاد، فكان قد حَدَا الحادي، فلم يفهم صوته من وقع دمع الندم ” ، الله الله في مواسم العمر ، والبدار البدار قبل الفوات ، يا شباب هذه الأمة ، اللاهين الشاردين وراء كل ناعق ، يضيّعون الأوقات فيما لا يفيد ، الناكصون على أعقابهم والمقصّرون في عباداتهم ، أما آن لكم أن تستثمروا أوقاتكم ، فالسعيد من اغتنم مواسم الشهور والأيام والساعات ، وتقرّب فيها إلى الله بما فيها من وظائف الطاعات ، فعسى أن تصيبه نفحة من النفحات التي يسعد بها سعادة يأمن بعدها من النار وما فيها من اللفحات ، فقد خرّج ابن أبي الدنيا والطبراني من حديث أبي هريرة مرفوعاً : ( اطلبوا الخير دهركم ، وتعرّضوا لنفحات رحمة ربكم ، فإن لله نفحات من رحمته يصيب بها من يشاء من عباده ) ، قال ابن القيِّم : ” وقت الإنسان: هو عمره – في الحقيقة -، وهو مادَّة حياته الأبديَّة في النَّعيم المقيم ومادَّة معيشته الضَّنك في العذاب الأليم وهو يمرُّ مرَّ السَّحاب … فما كان مِن وقت لله ، وبالله فهو حياته وعمره، وغير ذلك ليس محسوبًا مِن حياته، وإنْ عاش فيه عيش البهائم، فإذا قطع وقته في الغفلة واللَّهو والأماني الباطلة، وكان خير ما قطعه به النَّوم والبطالة فموت هذا خيرٌ مِن حياته ” ، قالت رابعة لسفيان : ” إنما انت أيام معدودة ، فإذا ذهب يومٌ ذهب بعضك ، ويوشك إذا ذهب البعض أن يذهب الكل ، وأنت تعمل فاعمل ” قال حكيم ” من أمضى يوما من عمره في غير حق قضاه, أو فرض أداه أو حمد حصله أو خير أسسه أو علم أقتبسه فقد عق يومه وظلم نفسه ” فلتحسن استغلال الوقت فيما يعود عليك وعل أمتك بالنفع في الدنيا ولآخرة فما أحوج الأمة إلى رجال ونساء يعرفون قيمة الوقت ويطبقون ذلك في الحياة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *