إن ما تشهده الأمة اليوم من تفرق وضعف ، ما هو إلا مصداقا لقوله صلى الله عليه وسلم : ( يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها قالوا : أمن قلة نحن يومئذ يا رسول الله ؟ ، قال : بل أنتم يومئذ كثير ، ولكنكم غثاء كغثاء السيل ولينـزعــن الله المهابة من صدور أعدائكم وليقذفن في قلوبكم الوهن ، قالوا : وما الوهن يا رسول الله ؟ قال : حب الدنيا وكراهية الموت )رواه أبو داود وهو حديث صحيح . لقد بات الواحد منا لا يدري ماذا يقول ، والمجازر الدموية على أراضي المسلمين ، التي تعدت المقاتلين إلى الشيوخ والنساء والآمنين ، ونالت الأطفال الصغار والرضع وجاوزت الأرض ، إلى القصف بالطائرات والمقاتلات ، والعالم كله يتفرج وكأن الأمر لا يعنيه. إنها ثمار تخلي الأمة عن منهج ربها ، ففقدت عزتها وكرامتها ، وتسولت على موائد المفاوضات ،لاهثة وراء سلام مزعوم ، وأمن معدوم ، لا يمكن تحقيقه مع من لا عهد لهم ولا ميثاق قال الله فيهم : ﴿كـُلَّمَا عَـٰهَدُواْ عَهْدًا نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مّنْهُم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ .
نرى ونسمع عن مناظر تقشّرُّ لها الأبدان ، ينُسي آخرها أولها، ويغطي حديثها على قديمها.
ماذا أقول وقلبي بات يعتصر بما يدور وما يجري وينفطر
ماذا أقول وأعماقي ممزقة والصمت ران كأن الحال يحتضر
ماذا أقول وسمعي مـا به صمم والعين تدمى وماء العين ينحدر
إن بلاد المسلمين تشهد أحداثاً مروعة ، وأمة الإسلام غثاءٌ يتداعى عليها الأعداء ، دويلات متناثرة متفرقة، تفصل بينها حدود جغرافية ، وتعلوها رايات الوطنية والقومية ، وتحكمها القـوانين العلمانية ، وتدور بها الدوامات السياسية فما من يوم يمر ، إلا ويزداد اليقين بأن هذه الأمة أُصيبت في مقتل ، وجوبهت من ضعف ، وتخاذلت عن صيحات التحذير وآيات النذير ، قي القرآن الكريم ، الذي يبين أسباب هلاك الأمم ، وجاءت السنة النبوية محذرة من الوهن وأسبابه والضمور ومقدماته ولكنها لم تلتفت لذلك كله .
لقد قذف الله في قلوب المسلمين الوهن ، فأصبحوا أمة تخاف من تكاليف الشجاعة ، فلا تنتصر لحقها ولا تصد الغزاة عن ديارها ، فتداعت عليها الأمم ، وصارت قصعة مستباحة لكل طامع وغاصب ، مع أنها لا تعاني من نقص فـي عدد ولا عدة ، ولا مقومات ولا ثروة ، ومع ذلك فمكانتها الدولية لا تساوي شيئا ، لأنها تخلت عن أسباب النصر والتمكين ، وأخلدت إلى الحياة الدنيا وزهرتها ،ولم تحسن الاستفادة من سواعد رجالها ، وهمم أبطالها وتضحيات مجاهديها لتسترد حقوقها ، ولم تنتفع بما تدخره من عدد وأسلحة في مواجهة أعدائها ، ولم توظف عقول أبنائها في بناء مجدها ورفعتها .
ففي كل قطر من أقطارها لا يُسمع إلا الأنين والصراخ والعويل ، ذبح وقتلٌ وتهجبر ، وصياح وعويل فلا نكاد نغمض أعيننا عن مذبحة للمسلمين في بلد ما ، حتى نرى غيرها في بلد آخر ، دون مراعاة ، لشعارات حقوق الإنسان، والشرعية الدولية التي ينادوا بها ، شعارات لا تعنى بحقوق المسلمين الذي داسته مؤامراتهم ، ومزقته طائراتهم وأسلحتهم الثقيلة ، لدى عملائهم في مواجهة شعوبهم ، الذي خلّف آلاف القتلى والجرحى ، فلا تجد إلا الصمت الدولي ، في مقابل شجب واستنكار وتصريحات رنانة ، ومواقف صورية ، وخطوات جبانة ، تصدر على استحياء من هنا وهناك ، ممن قادوا الشعوب إلى التهلكة وأغرقوها في التوافه ومنعوها أسباب المنعة والقوة ، وجعلوا مقدرات الأمة ، أدوات هدم لا بناء ، فأصبح الغني لا يعرف قيمة لغير الدرهم والدينار ، والفقير يلهث خلف بريقهما ، وتلك هي علامات التهلكة ، لأن الأمة تركت الأمة الجهاد في سبيل الله ، وتخلت عن كل أسباب القوة ، فلا يشد ولا يؤازر بعضها بعضاً أعرضت عن منهج ربها ، باللجوء إلى مجلس الأمن والتوسل إلى المنظمات الدولية ، طالبة النصرة والعون وتناست الأمة سنة الله ، التي لا تتغير ولا تـتبدل بأن من تعلق بشيء غير الله ، وكله الله إليه . فمن السنن الكونية ، أن ما بعد الشدة إلا الفرج وأن من ظلمة الليل ينبلج الصبح ، وأن هذا الواقع الذي يمر به المسلمون ، ليس شراً محضاً لا خير فيه بل فيه من الحكم والفوائد ، كتمحيص الصفوف ومعرفة الصابرين المجاهدين .
ذكر العـز بن عبد السلام أن للمصائب والمحن فوائد تختلف باختلاف رتب الناس :
أحدها: معرفة عز الربوبية وقهرها.
الثاني : معرفة ذل العبودية وانكسارهـــا ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : ﴿ الَذِينَ إذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إنَّا لِلَّهِ وإنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾ اعترفوا بأنهم ملكه وعبيده ، وأنهم راجعون إلى حكمه وتدبيره ، لا مفر لهم منه ولا محيد لهم عنه.
الثالثة : الإخلاص لله تعالى ، إذ لا مرجع في رفع الشدائد إلا إليه ﴿ وإن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إلاَّ هُوَ ﴾ .
الرابعة : التضرع والدعاء ﴿ وإذَا مَسَّ الإنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا ﴾
الخامسة : تمحيصها للذنوب والخطـايــا : ( ولا يصيب المؤمن وصب ولا نصب حتى الهم يهمه والشوكة يشاكها إلا كفر به من سيئاته) رواه مسلم.
السادسة : ما في طيها من الفوائد الخفية ﴿ فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئاً ويَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً ﴾ لما أخذ الجبار سارة من إبراهيم عليه السلام كان في طي تلك البلية أن أخدمها هاجر فولدت إسماعيل لإبراهيم عليهما السلام ، فكـان من ذرية إسماعيل خاتم النبيين ، فأعظم بذلك من خير كان في طي تلك البلية.
السابعة : إن المصائب والشدائد تمنع من الأشر والبطر والفخر والخيلاء والتكبر والتجبر ، ولهذه الفوائد الجليلة كان أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، كالذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم وتغربوا عن أوطانهم ، وتكاثر أعداؤهم ولم يشبع سيد الأولين من خبز مرتين وأوذي بأنواع الأذية وابتلي في آخر الأمر بمسيلمة وطليحة والعنسي .
الثامنة : الرضا الموجب لرضوان الله تعالـى فإن المصائب تنـزل بالبر والفاجر فمن سخطها فله السخط ومن رضيها فله الرضا أهـ.
إن ما يحدث اليوم في بلاد المسلمين ما لم يحدث على أيدي أي محتل في تاريخ البشرية كلها فقد فجّروا الحروب ، وأسالوا الدماء ، وبعثوا الأحقاد ، حرب من الأرض والبحر والسماء يتحدثون عن السلام بألسنتهم ، ويباشرون الحرب في خططهم واستعدادتهم ، فلا تثير أفعالهم الشنيعة وتجاوزاتهم الرهيبة ، لدى الدول القائمة على رعاية المواثيق ، والمنادية بحقوق الإنسان ، أي تحرك أو تصرف منصف ، لأنها لا تعرف غير سبيل القوة والقهر والظلم ، لذا لا يمكن لها أن تنشيء حقًا أو تقيم سلامًا، لأن العدوان لا يولد إلا العدوان ، ولن يتمكن المسلمون من رد العدوان إلا بالعودة الصادقة للإسلام ، فإن من سنن الله أن العاقبة للمتقين ، وأن الأرض يرثها عباد الله الصالحون، ومن سنن الله إذا تخلى أهل الإيمان عن إيمانهم ، فإن الله يستبدل قومًا غيرهم ﴿ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ﴾ . وبالرغم من كل ما نعاني ، فإن النصر قادم لا محالة ، بنا أو بغيرنا لقوله تعالى: ﴿ هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون﴾ ودين الله منصور ﴿ إن لا تنفروا يعذبكم عذابًا أليمًا ويستبدل قومًا غيركم ولا تضروه شيئًا والله على كل شيء قدير ﴾ وسيعلو الحق بنا أو بغيرنا ﴿ يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ﴾ .
وإذا كان الباطل سيزهق بجهودنا أو بجهود غيرنا فلماذا لا نطلب الخير لأنفسنا ؟ ولماذا لا نكون لبنة في طريق النصر وسهمًا من سهام الحق ، وأداة لإزهاق الباطل. إننا مطالبين بجمع الكلمة ، وتوحيد الصفوف ، لردع قوى الكفر والظـلم والفساد في الأرض ، وكم نحن بحاجة إلى كتائب مؤمنة ، تصدق مع الله وتمضي في سبيل إعزاز دينه ، ورفع كلمته ونشر العدل في الأرض عندها سينصرنا الله على عدونا ويمكن لنا في الأرض ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴾ .
المعاناة التي تعيشها الأمة
