تنبع أهمية العبادة من كونها الغاية التي خلق الله الخلق لأجلها، قال تعالى: { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون }(الذاريات: 56) ولأجل تحقيق هذه الغاية واقعا في حياة الناس بعث اللهُ الرسل، قال تعالى:{ ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت }(النحل:36)
وقد لخص العلماء تعريف العبادة بقولهم: كل ما يحبه الله ويرضاه من الأفعال والأقوال الظاهرة والباطنة فمثال الأفعال الظاهرة الصلاة، ومثال الأقوال الظاهرة التسبيح، ومثال الأقوال والأفعال الباطنة الإيمان بالله وخشيته والتوكل عليه، والحب والبغض في الله.
وعندما ننظر إلى العبادات السماوية ، نجد أداءها في اليوم والليلة لا يستغرق ساعة ن ونجد تعاليمها لا تستغرق الكثير ، ويبقى الزمان والمجال بعد ذلك واسعاً لفهم الحياة وتسخيرها لخدمة الدين ، وكل جهد يبذل في ذلك يسمى شرعاً عملاً صالحاً يؤهل المرء لرضوان الله تعالى فقال : { ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه وإنا له كاتبون } الانبياء 94 .
من المستحيل إقامة مجتمع ناجح الرسالة إذا كان أصحابه جهالاً بالدنيا ، عجزة بالحياة ، وما علموا أن الصالحات المطلوبة تصنعها فاس الفلاح وإبرة الخياط وقلم الكاتب ومشرط الطبيب ، ويصنعها الغواص في بحره ، والطيار في جوه ، والمحاسب في دفتره ، يصنعها المسلم وهو يباشر كل شيء تحقيقاً لنصرة ربه وإعلاء كلمته . هناك بعض المسلمين حصروا عباداتهم في الصلوات والاذكار يعبدون الله ويظنون أن الأمم تقام بالهمهمه ، إذن فمن ينصر الله إذا كانوا جهالاً بالحديد وما يصنع منه والله يقول : { وانزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصُرُه ورسله بالغيب } الحديد 25 .
هناك الكثير من الصناعات المدنية والعسكرية تتعلق بالنفط واستخراجه والانتفاع بمشتقاته لا نعرف منها شيئاً ، فهل نخدم العقيدة بهذا العجز المهين ؟ ألا نرى لو قيل لكل شيء في البلاد الإسلامية عد من حيث جئت ، فإننا لا نجد من صنع أيدينا ما نكسب ، ولا ما نركب ، ولا ما يضيئ البيوت ، بل إننا نخشى أن نجوع لأن بلادنا لا تستطيع الاكتفاء الذاتي من الحبوب .
إن الله لا يقبل تديناً يشبه هذا الشلل ، ولا أدري كيف نزعم الإيمان ونحن نعاني من هذا العجز المهين الذي يجعل غيرنا يطعمنا ويداوينا ويمدنا بالسلاح إذا شاء ، أما كان الأولى أن نصنع شيئاً لديننا في ميدان خلا منه ؟ لقد رفض الإسلام قبول العبادات المعزولة عن عن مكارم الأخلاق المخلوطة بمنكر القول والعمل ، وكانت المراسيم العبادية قديماً هي مظهر الفضل والامتياز .
المفهوم الصحيح للعبادة
