الموت نهاية كل حي

بين الحين والحين نشِّيع غادياً ورائحاً إلى لله وكما شيعناه سنُشَّعُ يوماً .
ألا وكما شيعت يوماً جنازة فأنت كما شيّعتهم ستُشيَّعُ
رأيتك في الدنيا على ثقةٍ بها وإنك في الدنيا لأنت المرَوَّعُ
نشيِّعُه وقد قضى نحبه وخلع الأسباب وفارق الأحباب ، وسكن التراب وواجه الحساب فانتهى أجلُه وأملُه ، فيتبعَه أهلُه ومالُه وعملُه فيرجع أهلُه وماله ، ويبقي مرتهنٌ بعمله ، فإن كان محسناً فالله يقول : ﴿ وما عند الله خيرٌ وأبقى للذين آمنوا﴾ وإن كان مسيئاً فالله يقول : ﴿ ولا يحسبنَّ الدين كفروا إنما نُملي لهم خيراً لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ﴾ وحصنوا إيمانكم بالأمانة فإنه لا إيمان لمن لا أمانة له ، ولا دين لمن لا عهد له ، وسارعوا إلى المغفرة بالتوبة والى الرحمة بالتقوى ، فقد أوجب الله رحمته للمتقين ومغفرته للتائبين فقال تعالى : ﴿ وإني لغفّارٌ لمن تاب وآمن وعمل صالحاً تم اهتدى ﴾ طه 82 . وما أحسن ما قيل :
يا رب إن عظمت ذنوبي كثرةً فلقد علمت بأن عفوك أعظمُ
إن كان لا يرجوك إلا محسنٌ فبمن يلـوذ ويستجير المجرمُ
أدعوك ربي كما أمرت تضرُّعاً فإذا رددت يدي فمن ذا يرحمُ
ما لي إليك وسيلةٌ إلا الرجـا وجميـلُ عفـوك ثمَّ أني مسلمُ
إن الناس في هذه الحياة لا يفكرون في الآخرة ولا في يوم الحساب ، وكأنهم سيخلدون فيها يحسبون لكل شيء حسابه ، ولكنهم لا يدخلون الموت في حساباتهم ، ونسوا أنه أمرٌ حتمٌ لا مفر منه يصل الينا أينما كنا قال تعالى :﴿ أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروجٍ مشيدة ﴾ النساء 78. والموت حكم الله وقضاؤه على عباده يحكم عَدْلاً ويقول فَصْلاً ، إذا أراد شيئاً فإنما يقول له كن فيكون ، ولكــن الناس لا يتعظون ، وعن الموت غافلون وهم يعلمون أنهم لابد راحلون وما علموا أن الموت سبيل الماضين ومورد الخلائق أجمعين ، ولو جعل الله الخلود لأحد من خلقه لكان ذلك لأنبيائه وصفوة خلقه محمد صلى الله عليه وسلم كيف وقد نعاه إلى نفسه وخاطبه بقوله : ﴿ إنك ميتٌ وإنهم ميتون ﴾ .
عزائي نبي الله من كلِّ ميتٍ وحسبي ثواب الله من كلِّ هالك
إذا ما لقيت الله عني راضياً فإن سرور النـفس فيما هنالك
فاتقوا الله ولا تغُرَنَّكُمُ الحياة الدنيا ، ولا تفرحوا بمتاعها الزائل فهي دار بلاء وفناء .
نبكي على الدنيا وما من معشر جمعتهم الدتنيا فلم يتفرقوا
أين الأكاسرة البابرة الأولى كن زوا الكنوز فما بقين وما بقوا
من كل من ضاق الفضاء بجيشه حتى ثوى فحواه لحدٌ ضيق
لكن القلوب قست وتحجرت ولم تتعظ بالموت الذي لا واعظ مثله ، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : (كفى بالموت واعظاً) . وحتى تلين هذه القلوب القاسيةُ أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإكثار من ذكر الموت فقال : ( اكثروا ذكر الموت فما من عبد أكثر ذكره إلا أحيا الله قلبه وهون عليه الموت) . وإن أفضل المؤمنين أكثرهم استعداداً للموت عن ابن عمر قال: (كنت جالساً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء رجلٌ من الأنصار ، فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! أي المؤمنين أكيس ؟ قال صلى الله عليه وسلم : أكثرهم للموت ذكرا وأحسنهم لما بعده استعدادا أولئك الأكياس) .وقال صلى الله عليه وسلم : (عش ما شئت فإنك ميت وأحبب من شئت فإنك مفارقه واعمل ما شئت فإنك مجزيٌ به) .

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *