النجاة من النار

قال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذابٍ أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله } هذه وصية وإرشاد من الله تعالى لعباده المؤمنين لأعظم تجارة ، وأجل مطلوب ، وأعلى مرغوب يحصل بها النجاة من العذاب الأليم ، والفوز بالنعيم المقيم وقد أرشدنا رسولنا صلى الله عليه وسلم إلى الطريقة التي نتقي بها النار حيث قال صلى الله عليه وسلم (من أستطاع منكم أن يتقي النار فليتصدق ولو بشق تمرة ، فمن لم يجد فبكلمة طيبة)رواه أحمد ومسلم ، فالإنفاق في سبيل الله والصدقة على الفقراء والمساكين والأرامل تعتبر من أفعال الخير العظيمة ، التي تقي مصارع السوء وتقي من النار ، وقد أمر الله المسلمين بالتصدق والإنفاق فقال تعالى : { يا أيها الذين أمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلةٌ ولا شفاعةٌ والكافرون هم الظالمون } البقرة 254 .
وهذا من لطف الله بعباده ، حيث أمرهم بتقديم شيء مما رزقهم ، ليكون لهم ذخراً وأجراً ، في يوم يحتاج فيه العاملون إلى مثقال ذرة من الخير ، وحتى من لم يجدوا ، فقد أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتصدق ، فقال صلى الله عليه وسلم : ( على كل مسلم صدقة ، فقالوا يا نبي الله ! فمن لم يجد ، قال يعين ذا الحاجة الملهوف ، قالوا فإن لم يجد ، قال : فليعمل بالمعروف وليمسك عن الشر ، فإنها له صدقة ) البخاري ، وأكد لنا صلى الله عليه وسلم أن الصدقة في الدنيا تطفئ غضب الرب ، وتقي من ميتة السوء – أي أنها تقي المسلم من الخاتمة السيئة – فقال صلى الله عليه وسلم : ( إن الصدقة تطفئ غضب الرب ، وتدفع ميتة السوء )رواه الترمذي وحسنه . ومع ذلك فإن هذه الصدقة لا تنقص من مال المتصدق شيء ، مهما كان مقدارها فقد روى الترمذي عن أبى كبشة الأنماري أن رسول صلى الله عليه وسلم قال : ( ثلاثة أقسم عليهن وأحدثكم حديثاً فاحفظوه : ما نقص مال من صدقة, ولا ظُلم عبد مظلمة فصبر عليها إلا زاده الله بها عزا, ولا فتح عبد باب مسألة ، إلا فتح الله عليه باب فقر ) , وقال صلى الله عليه وسلم : ( ما من يوم يصبح العباد فيه ، إلا وملكان ينـزلان فيقول أحدهما : اللهم أعط منفقاً خلفاً ويقول الآخر : اللهم أعط كل ممسك تلفاً ) رواه مسلم
وهناك أعمالٌ تنجي من النار ، جعلها الله أسباباً للمغفرة والعفو والرضوان ، منها : الصبر على موت ثلاثة من الولد ، قال صلى الله عليه وسلم : ) من دفن ثلاثة من الولد حرّم الله عليه النار ) الطبراني وصححه الألباني . ومنها : من عال ثلاث بنات أو أخوات ، وأحسن إليهن لما روت عائشة أن رسول صلى الله عليه وسلم قال : ( ليس أحد من أمتي يعول ثلاث بنات أو ثلاث أخوات ، فيحسن إليهن إلا كن له ستراً من النار ) رواه البيهقي وصححه الألباني . ومنها : من دافع عن أخيه المؤمن وهو غائب قال صلى الله عليه وسلم : ( من ذبّ عن عرض أخيه بالغيبة ، كان حقاً على الله أن يعتقه من النار ) رواه أحمد وصححه الألباني .
ومنها : من صلى أربعين يوماً في جماعة يدرك التكبيرة الأولى فقد روى أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من صلى لله أربعين يوماً في جماعة ، يدرك التكبيرة الأولى كتب له براءتان : براءة من النار وبراءة من النفاق ) رواه الترمذي وحسنه الألباني . ومنها : من حافظ على صلاة الفجر والعصر قال صلى الله عليه وسلم : ( لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس ، وقبل غروبها ) رواه مسلم ومنها : فعل المعروف قـال صلى الله عليه وسلم : ( لكل معروف صدقة ) فالجزاء الذي وعد الله به صانع المعروف ، وفاعل الخير مع الخلق ، هو أمر يرخص عنده كل غالٍ ، روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من يسر على معسر ، يسر الله عليه في الدنيا والآخرة ) رواه ابن ماجه . ومما يغفر الذنوب وينجي من عذاب الآخرة ، ما روى حذيفة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( تلقت الملائكة روح رجل ممن كان قبلكم ، فقالوا: أعملت من الخير شيئاً ؟ قال : لا ، قالوا: تذكر ، قال : كنت أداين الناس فآمر فتياني أن ينظروا المعسر ، ويتجوزوا عن الموسر ، قال : قال الله : عز وجل تجوزوا عنه ) رواه البخاري وفي رواية عند مسلم ( فقال الله أنا أحق بذا منك تجاوزوا عن عبدي ) .
فاصنعوا المعروف ، تنالوا مغفرة الله تعالى ، وتدخلوا جنته ، وأحسنوا إلى عباد الله , وأدوا إليهم حقوقهم الواجبة والمستحبة ، حتى يحسن الله إليكم , وييسر لكم أموركم , ويفرج عنكم كربكم في الدنيا والآخرة ، قال زيد بن علي بن حسين : ” ما شيء أفضل من المعروف إلا ثوابه وليس كل من يرغب فيه يقدر عليه ، ولا كل من قدر عليه يؤذن له فيه فإذا اجتمعت الرغبة والقدرة والإذن ، تمت السعادة للطالب والمطلوب منه ” وكان يقال : اصنع المعروف إلى كل أحد ، فإن كان من أهله فقد وضعته في موضعه ، وإن لم يكن من أهله ، كنت أنت من أهله . وقال الشاعر :
ولم أر كالمعروف أما مذاقه فحلو وأما وجهه فجميل
وقيل : من زرع معروفا حصد خيرا ، ومن زرع شرا حصد ندامة ، وقال ابن المبارك : “يد المعروف غنم حيث كانت تحملها شكور أو كفور ففي شكر الشكور لها جزاء وعند الله ما كفر الكفور ، وقد قيل : ليس للأحرار ثمن إلا الإكرام ، فأكرم حرا تملكه ” وقال المتنبي :
إذا أنت أكرمت الكريم ملكته وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا
وقيل : دواء من لا يصلحه الإكرام الهوان ، ومن لم يؤدبه الجميل ، ففي عقوبته صلاحه ، ولذلك قالوا : فعل الخير مع الأشرار تقوية لهم على الأخيار ، ولا ينبغي أن يحرم الخير أهله ، ولا ينبغي أن يحرم الخير حقه ، فإن وضع الخير في غير محله فهو ظلم للخير كما قيل : لا تمنعوا الحكمة أهلها فتظلموهم ، ولا تضعوها في غير أهلها فتظلموها وقال علي رضي الله عنه : ” كن من خمسة على حذر ، من لئيم إذا أكرمته ، وكريم إذا أهنته وعاقل إذا أحرجته ، وأحمق وفاجر إذا مازجته ”
إن في الاستقامة على أمر الله بمراد الله لوجه الله نجاة من النار ، لأن الاستقامة جزء لا يتجزأ من أركان الإيمان ، لما تبنيه في نفس العبد من ثبات لأركان الإسلام ، فهي طريق المؤمنين ونهج الصالحين بها يسدد العبد ويقارب ، فيكسب الحسنات ويفعل الطاعات ، بها تقال العثرات وتمحى الزلات ، ويوسع للعبد المؤمن في رزقه ، ويغدق الله عليه الخيرات ، قال تعالى :{ وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقاً } 16 الجن . بها يقبل الله العمل ، و يمحو الزلل قال الله تعالى : { إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنـزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم بها توعدون } . إنّ الاستقامة والثبات عليها أمر لا مناص منه للمؤمن خصوصاً في زمن التقلبات والأهواء والفتن ، وفي زمن المساومة على دين الله تعالى ، إنها أفضل سلاح يستطيع المؤمن من خلاله أن يتخطى هذه العقبات التي تقف في طريقه ، وتعترض سبيله وحينئذٍ لا يضره من خالفه ، ولا من خذله ، حتى يأتي أمر الله إن الاستقامة كلمة جامعة ، معناها الثبات على شريعة الله ، كما أمر الله ظاهراً وباطناً ، وهي تتعلق بالأقوال والأفعال ، والأحوال والنيات فالمستقيم على دين الله ، يكون ثابتاً على الحق لا يزيد ولا ينقص ، ولا يبدل ولا يغير ، بل يكون معتدلاً مقتصداً ، لا يشدد ولا يتساهل ، وعن سفيان بن عبد الله رضي الله عنه قال : قلت يا رسول الله قل لي في الإسلام قولاً لا أسال عنه أحداً غيرك ، قال : ( قل آمنت بالله ثم استقم ) رواه مسلم . هذا الحديث يبين المنهج الصحيح الذي فيه نجاه العبد ويتلخص في صحة الإيمان وسلامة المعتقد والالتزام بشرع الله ، وموافقته ظاهراً وباطناً . فلا يكون الإنسان مستقيماً على دين الله بمجرد قوله أمنت بالله لقوله تعالى : { ومن الناس من يقول آمنا فإذا أُوذي في الله جعلَ فتنَةَ الناسِ كعذابِ الله}العنكبوت 10 . فإذا أوذي بضرب أو أخذ مال ليرتد عن دينه ، جعل ذلك صاداً له عن الإيمان والثبات على دين الله ، فينحرف عند أدنى محنه ، ويضل عند أدنى شبهه ويستسلم عند أول شهوه ، أولئك الذين يقولون ما لا يفعلون , دينهم ما تهواه أنفسهم , وما يوافق رغباتهم متجاهلين أن الدين ليس بالأقوال والأماني ، بل هو إيمان ، وتصديق واستسلام ، وقول وعمل ، بذلك يحصل للعبد ما وعده الله به من خصال الكرامة قال تعالى : { إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا } فصلت30 .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *