في اللسان: النصح: نقيض الغش . وفي الحديث: ( الدين النصيحة، لله ولرسوله ، ولكتابه ، ولأئمة المسلمين وعامتهم ) . قال ابن الأثير: ” النصيحة كلمة يعبر بها عن جملة ، وهي إرادة الخير للمنصوح له فليس يمكن أن يعبر عن هذا المعنى بكلمة واحدة تجمع معناها غيرها “.
وإذا علم أن النصيحة هي إرادة الخير للمنصوح ، فقد بين الله تعالى أن النصح هو وظيفة الأنبياء والرسل وأتباعهم ، وأن الأنبياء والرسل وأتباعهم لا يريدون إلا الخير للمنصوح لوجه الله تعالى ، لا يريدون من الناس جزاءً ولا شكوراً . فقال تعالى عن نوح عليه السلام: ﴿ أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ ﴾ الأعراف: 62 . وقال عن هود عليه السلام: ﴿ أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ ﴾ الأعراف: 68.وقال عن صالح عليه السلام: ] فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ ﴾ الأعراف: 79 . وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبايع أصحابه على النصح لكل مسلم.. كما في حديث جرير بن عبد الله البجلي، رضي الله عنه، قال: ) بايعت رسول صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة… والنصح لكل مسلم ) رواه البخاري ومسلم .
ومن الأحاديث في النصيحة الشاملة لمستحقيها ، حديث تميم الدارمي رضي الله عنه : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( الدين النصيحة ) قلنا : لمن يا رسول الله ؟ قال: ( لله ، ولكتابه ، ولرسوله ، ولأئمة المسلمين وعامتهم ) رواه مسلم . ولم يكتف النبي صلى الله عليه وسلم بهذا العموم في النصيحة الذي تضمنه حديث جرير:( النصح لكل مسلم ) وحديث تميم ( ولأئمة المسلمين وعامتهم ) . بل نصَّ صلى الله عليه وسلم على النصح في أبواب متعددة اهتماماً به ، لما يحققه من الخير في المجتمع الإسلامي ، إذا نصح كل فرد فيه لأخيه المسلم وأسرته ومجتمعه ، فقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على النصح في محيط الأسر كما في حديث أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول : ( ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله خيراً له من زوجة صالحة ، إن أمرها أطاعته.. وإن نظر إليها سرته ، وإن أقسم عليها أبرّته ، وإن غاب عنها نصحته في نفسها وماله ) ابن ماجة . والمرأة إذا نصحت عمَّ خير نصحها الأسرة كلها ، في التربية والخدمة وحفظ المال ، وحفظ نفسها والقيام بكل واجب ، إما بنفسها أو عن طريق أولادها وخادمها .
أما النصح في محيط الولاية السياسية حثَّ بعض الرعية على النصح لواليها ، وحثَّ الوالي على النصح لرعيته ، وإذا أدت الرعية النصح لواليها ، وأدى الوالي النصح لرعيته ، استتب الأمن في البلاد وتمتعوا جميعاً بالعدل والسلام ، ولم يقدر أعداء الإسلام على إثارة الأحقاد بين الراعي ورعيته لأن النصح يقتضي من الراعي الإشفاق على رعيته ، والعدل بينهم وإيتاءهم حقوقهم ، وكف الظلم عنهم وتنفيذ أحكام الله فيهم ، والنصح من الرعية يقتضي طاعة ولي الأمر في غير معصية الله ، ومناصرته والوقوف ضد من أراد به سوءً ، وعدم الخروج عليه ما لم يأت كفراً بواحاً.. وأعداء الإسلام إنما يُحْدِثون الشقاق بين الولاة ورعيتهم بسبب اعتداء يقع من الولاة على الرعية ، أو بغي من الرعية على ولاتهم ، فإذا نصح كل منهم للآخر النصح الشرعي الذي يحقق مصالح الأمة ، لم يجد الأعداء إلى التحريش بينهم سبيلا . روى أبو هريرة رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إن الله يرضى لكم ثلاثاً، ويبغض لكم ثلاثا: يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا ، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ، وأن تناصحوا من ولاّه الله أمركم ، ويسخط لكم قيل وقال وإضاعة المال وكثرة السؤال ) الموطأ ومسلم وليس فيه ( وأن تناصحوا ) وفي حديث معقل بن يسار رضي الله عنه قال في مرض موته لعبيد الله بن زياد : إني محدثك بحديث لولا أني في الموت لم أحدثك به ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( ما من أمير يلي أمر المسلمين ، ثم لا يجهد لهم وينصح إلا لم يدخل معهم لجنة ) مسلم وروى ابن مسعود رضي الله عنه :عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( نضّر الله امرأً سمع مقالتي ، فوعاها وحفظها وبلغها ، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم إخلاص العمل لله ومناصحة أئمة المسلمين ، ولزوم جماعتهم ، فإن الدعوة تحيط من ورائهم ) الترمذي . ومن ذلك النصح لجماعة المسلمين الذي أوصى به بعض السلف، وهو الربيع بن خيثم قال : ” بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا ما أوصى به الربيع بن خيثم وأشهد الله عليه ، وكفى بالله شهيدا وجازيا لعباده الصالحين ومثيبا ، فإني رضيت بالله ربا ، وبالإسلام دينا ، وبمحمدٍ صلى الله عليه وسلم نبيا ، وإني آمر نفسي ومن أطاعني أن نعبد الله في العابدين ، ونحمده في الحامدين ، وأن ننصح لجماعة المسلمين “. سنن الدارمي وفي محيط الخدمة وأداء العمل . حضَّ النبي صلى الله عليه وسلم عل النصح كما في حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما : عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا نصح العبد سيده وأحسن عبادة ربه ، كان له أجره مرتين ).
وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه : عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( خير الكسب كسب يد العامل إذا نصح ) أحمد . ترى لو نصح كل مسلم لأخيه المسلم ، وأسرته المسلمة ومجتمعه المسلم ، هذا النصح الشامل الذي لا يشذ عنه أي مجال من مجالات الحياة ، هل يخاف أحد من أحد على نفس أو مال أو عرض؟. وهل يفقد الأمن في أغلب المجتمعات الإسلامية ، لا والله .
