إن النفوس حين تستحوذ عليها الغفلة لا تصلح للنهوض بعبء، ولا للقيام بواجب، تغدو الحياة فيها عاطلة هينة رخيصة، وحين يهون المرء في نظر نفسه يهون على الآخرين، وحين ينسى العبد ربه، ينساه الله وتحيق به الخسارة في الدارين. لقد ميز الله الخلق بمدارك ، يدركون بها ما يضرهم وما ينفعهم، وحين تعطل هذه الحواس، وتحيط الغفلة بالناس ينحدرون إلى درك الأنعام، بل هم أضل: { وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ } الأعراف:179 ، إن مظاهر الغفلة في حياتنا الافتتان بالدنيا ، في مقابل الإعراض عن الآخرة ، وضعف الغيرة لدين الله. ومن مظاهر الغفلة في حياتنا الضعف في أداء الواجبات والزهد في عمل المستحبات، والتسامح في مقارفة السيئات، وهتك أستار المحرمات. ومن مظاهر الغفلة تعلق نفوسنا بتوافه الأمور، وعجزها عن التعلق بالمعالي، وكسلها عن جلائل الأعمال الصالحة ، نغفل عن الموت وسكرته، وعن الحساب وشدته، نغفل عن ذوات أنفسنا وما يصلحا أو يفسدها، وكثيرة هي الأسباب الجالبة للغفلة، فأنفسنا الأمارة بالسوء تدعونا للغفلة، وإبليس يعدنا ويمنينا ويخوفنا تارة، ويزين لنا أخرى، ويأتينا من بين أيدينا، ومن خلفنا، وعن أيماننا وعن شمائلنا، ولكن الله لم يجعل له سلطاناً من فوقنا، وجعل الباب بيننا وبينه مفتوحاً، فمن استعاذ به أعاذه، ومن لاذ بحماه أجاره، ومن استعان به أعانه: { إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} الحجر:42، ويتلمس شياطين الإنس المراصد والوسائل التي بها يصدوننا عن ديننا، ومن أبرز وسائلهم الفن الرخيص، والرياضة الفاتنة، وكم نسي المسلمون قضاياهم الكبرى بسبب هذه الوسائل الملهية الفاتنة؟ وكم غفلوا عن مخططات أعدائهم في سبيل الترويح عن أنفسهم ، فقست القلوب، وقل أثر المواعظ في النفوس، وكثر الفسوق والفجور، ودونكم هذا التشخيص لهذا المرض فاعقلوه، يقول ابن قدامة يرحمه الله: واعلم أن السب في طول الأمل شيئان: أحدهما: حب الدنيا، والثاني: الجهل. أما حب الدنيا فإن الإنسان إذا أنس بها وبشهواتها ولذاتها ثقل على قلبه مفارقتها، فامتنع قلبه من الفكر في الموت الذي هو سبب مفارقتها، وكل من كره شيئاً دفعه عن نفسه، والإنسان مشغول بالأماني الباطلة، فيمني نفسه أبداً بما يوافق مراده من البقاء في الدنيا، ما يحتاج إليه من مال وأهل ومسكن، فيلهو بذلك عن الموت ولا يقدر قربه، فإذا خطر له الموت في بعض الأحوال، والحاجة للاستعداد له سوف بذلك ووعد نفسه، وقال: الأيام بين يديك إلى أن تكبر ثم تتوب، وإذا كبر قال: إلى أن تصير شيخاً، وإن صار شيخاً قال: إلى أن يفرغ من بناء هذه الدار، وعمارة هذه الضيعة أو يرجع من هذه السفرة، فلا يزال يسوف ويؤخر إلى أن تتخطفه المنية في وقت لا يحتسبه، فتطول عند ذلك حسرته ولو تفكر أن الموت ليس له وقت مخصوص ولا يبعده الشباب أو تدفعه الصحة واكتمال القوى لعظم ذلك عنده واستعد للموت وما بعده قال تعالى : { وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ * إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ } الأعراف: 205-206. ولما سئل حذيفة -رضي الله عنه- عن ميت الأحياء قال: “هو الذي لا ينكر المنكر بيده ولا بلسانه، ولا حتى بقلبه”، وفي الحديث ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنْ الإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ) رواه مسلم .
