ليس أطرد لهموم الإنسان ، ولا أقر لعينه من أن يعيش سليم القلب ، مبرأً من وساوس الضغينة ، وثوران الأحقاد ، إذا رأى نعمة تنساق إلى أحد رضي بها وأحس فضل الله فيها ، وذكر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اللهم ما أصبح بي من نعم أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك ، فلك الحمد ولك الشكر ) وإذا رأى أذى يلحق أحداً من خلق الله ، رجا الله أن يفرج كربه ويغفر ذنبه ، بذلك يحيا المسلم ، راضياً عن الله وعن الحياة ، مستريحَ النفس من نزعات الحقد الأعمى ، وما أسرع أن يتسرب الإيمان من القلب الحاقد ، كما يتسرب السائل من الإناء المثلوم !. أضف إلى أن الحقد يفسد الأعمال الصالحة ويعكرُ صفوها.
كما أن الخصومة إذا نمت وغارت جذورها، وتفرعت أشواكها، شَلَّتْ زهرات الإيمان ، وعندئذ لا يكون في أداء العبادات المفروضة خير ، وكثيراً ما تطيش الخصومة بألباب ذويها، فتتدلى بهم إلى اقتراف الصغائر المسقطة للمروءة والكبائر الموجبة للَّعنة ، وعين السخط تنظر من زاوية سوداء فتعمى عن الفضائل ، وتضخِّم الرذائل ، وقد يذهب بها الحقد إلى التخيل وافتراض الأكاذيب ، وذلك كله مما يمقته الإسلام ويحاذر وقوعه ويرى الابتعاد عنه من أفضل القربات ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة ؟ قالوا: بلى قال: إصلاح ذات البين فإن فساد ذات البين هو الحالقة ، لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين ) .
ربما عجز الشيطان أن يجعل من الرجل العاقل عابد صنم ولكنه لن يعجز عن المباعدة بينه وبين ربه ، وهو يحتال لذلك بإيقاد نيران العداوة في القلوب ، فإذا اشتعلت استمتع الشيطان برؤيتها ، وهي تحرق حاضر الناس ومستقبلهم ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ، ولكنه لم ييأس من التحريش بينهم) ذلك أن الشر إذا تمكن من الأفئدة فتنافر ودُّها، وانكسرت زجاجتها، ارتد الناس إلى حال من القسوة والعناد يقطعون فيها ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض .
وقد تيقظ الإسلام لبوادر الجفاء ، فَلاَحَقَها بالعلاج ، قبل أن تستفحل وتستحيل إلى عداوة فاجرة ، خصوصاً وأن البشر متفاوتون في أمزجتهم وأفهامهم، وأن التقاءهم في ميادين الحياة قد يتولد عنه ضيق وانحراف ، إن لم يكن صدام وتباعد . ولذلك شرع الإسلام من المبادئ ما يرد عن المسلمين عوداي الانقسام والفتنة ، وما يمسك قلوبهم على مشاعر الولاء والمودة ، فنهى عن التقاطع والتدابر .
والإنسان في كل نزاع ينشب ، هو أحد رجلين: إما أن يكون ظالماً ، وإما أن يكون مظلوماً ، فإن كان عادياً على غيره ناقصاً لحقه ن فينبغي أن يُقلعَ عن غيه ، وأن يُصْلحَ سيرته . وليعلم أنه لن يستل الضغينة من قلب خصمه ، إلا إذا عاد عليه بما يطمئنه ويرضيه . لذا أمر الإسلام المرء أن يستصلح صاحبه ويطيب خاطره قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرض أو من شيء فليتحلله منه اليوم ، من قبل ألا يكون دينار ولا درهم ، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته ، وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه ) هذا نصح الإسلام لمن عليه الحق .
أما من له الحق فقد رغب إليه أن يلين ويسمح ، وأن يمسح أخطاء الأمس بقبول المعذرة ، عندما يجيء له أخوه معتذراً ومستغفراً ، ورفض الاعتذار خطأ كبير ولا يكون إلا من صاحب قلب عليل مريض ، وفي الحديث : (من اعتذر إلى أخيه المسلم فلم يقبل منه كان عليه مثل خطيئة صاحب مكس) وفي رواية : (من تُنُصِّل إليه فلم يقبل ، لم يرد على الحوض ) بهذا الإرشاد يحارب الإسلام الأحقاد ويرتقي بالإنسان المؤمن إلى مستوى رفيع ، من الصداقات المتبادلة ، أو المعاملات العادلة .
وقد اعتبر الإسلام من دلائل الصغار والخسّة ، أن يرسب الغل في أعماق النفس فلا يخرج منها ، بل يظل يموج في جوانبها كما يموج البركان المكتوم ، وكثير من أولئك الذين يحتبس الغل في أفئدتهم ، يتلمسون متنفساً له في وجوه من يقع معهم ، فلا يستريحون إلا إذا أرغوا وأزبدوا ، وآذوا وأفسدوا : روي عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ألا أنبئكم بشراركم ؟ قالوا : بلى ، إن شئت يا رسول الله ! قال : إن شراركم الذي ينـزل وحده ، ويجلد عبده ، ويمنع رفده ، أفلا أنبئكم بشر من ذلك ؟ قالوا : بلى ، إن شئت يا رسول الله ، قال : من يبغض الناس ويبغضونه ، قال : أفلا أنبئكم بشر من ذلك ؟ قالوا : بلى ، إن شئت يا رسول الله ، قال : الذين لا يقيلون عثرة ، ولا يقبلون معذرة ، ولا يغفرون ذنباً . قال : أفلا أنبئكم بشر من ذلك ؟ قالوا : بلى يا رسول الله ، قال: من لا يرجى خيره ولا يؤمن شره ) والأصناف التي أحصاها هذا الحديث أمثلة لأطوار الحقد عندما تتضاعف علته وتفتضح سوأته ، وقديماً أحس الناس ، حتى في جاهليتهم ، أن الحقد صفة الطبقات الدنيا من الخلق وأن ذوي المروءات يتنـزهون عن الحقد قال عنترة :
ولا ينالُ العلا من طبعهُ الغضبُ ولا يحملُ الحقدَ من تَعْلو به الرُّتَبُ
وهناك رذائل رهب الإسلام منها ، وليس يفوت النظر القريب أن تعرف مصدرها الدفين . إنها على اختلاف مظاهرها ، تعود إلى علة واحدة إنها الحقد .
فالافتراء على الأبرياء جريمة ، يدفع إليها الكره الشديد . ولما كان أثرها شديداً في تشويه الحقائق ، وجرح المستورين ، عدها الإسلام من أقبح الزور ، روت عائشة أن رسول الله قال لأصحابه : (أتدرون أربى الربا عند الله ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : فإن أربى الربا عند الله استحلال عرض امرئ مسلم ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم :﴿ والذين يؤذونَ المؤْمِنِينَ والمؤْمِنَاتِ بِغَيْر ما اكتسَبُوا فَقَد احتَمَلُوا بُهْتَاناً وإثماً مُبِيناً ﴾ .
ولا شك أن تلمس العيوب للناس ، وإلصاقها بهم عن تعمد يدل على خبث ودناءة ، وتربية وضيعة بل وقلة دين ، ولذلك رتب الإسلام عقوباتٍ عاجلة لبعض جرائم الافتراء . وما أعدّه الله في الآخرة لصنوف الافتراء أشد وأنكى . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من ذكر امرأ بشيء ليس فيه ، ليعيبه به ، حبسه الله في نار جهنم حتى يأتي بنفاد ما قال فيه ) . وفي رواية : ( أيما رجل أشاع على رجل مسلم كلمة ، وهو منها بريء يشينه بها في الدنيا ، كان حقاً على الله أن يذيبه يوم القيامة في النار حتى يأتي بنفاد ما قال ) . وما دام الذي قاله بهتاناً ، فكيف يستطيع أن يثبت عند الله باطلاً ؟ وكيف يتنصل من تبعته؟ إن سلامة الصدر تفرض على المؤمن أن يتمنى الخير للناس ، إن عجز عن سوقه إليهم بيده . أما الذي لا يجد بالناس شراً فينتحله لهم انتحالاً ، ويزوره عليهم تزويراً فهو أفّاك صفيق عند الله وخلقه قال الله عزل وجل :﴿ إنَّ الَّذِينَ يُحبُّونَ أن تَشيعَ الفاحشَةُ في الَّذين آمَنُوا لهمْ عَذابٌ أليمٌ في الدُّنيا والآخرةِ واللهُ يَعلمُ وأنتمْ لا تعلمونَ ﴾ .
ومن فضل الله على العباد أنه استحب ستر عيوب الخلق ، ولو اتصفوا بها ، وما يجوز لمسلم أن يتشفى بالتشنيع على مسلم ولو ذكره بما فيه ، فصاحب الصدر السليم يأسى لآلام العباد ، ويشتهي لهم العافية . أما التلهي بسرد الفضائح والأكاذيب وكشف الستور ، وإبداء العورات ، فليس مسلك المسلم الحق ، لذا حرَّم الإسلام الغيبة ، لأنها متنفس حقدٍ مكظومٍ ، وصدرٍ فقيرٍ إلى الرحمة والصفاء عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( أتدرون ما الغيبة ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ! قال : ذكرك أخاك بما يكره . قيل : أرأيت إن كان في أخي ما أقول ؟ قال : إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته ، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهتَّه ) .
ومن آداب الإسلام التي شرعها لحفظ المودات ، واتقاء الفرقة تحريم النميمة لأنها ذريعة إلى تكدير الصفو وتغيير القلوب .
وقد كان النبي ينهى أن يبلغ عن أصحابه ما يسوؤه ، قال : ( لا يبلغني أحد منكم عن أحد من أصحابي شيئاً ، فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر) ومن لوازم الحقد سوء الظن ، وتتبع العورات ، واللمز ، وتعيير الناس بعاهاتهم ، أو خصائصهم البدنية والنفسية ، وقد كره الإسلام ذلك كله كراهية شديدة . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من علم من أخيه سيئة فسترها ستر الله عليه يوم القيامة ) .
