قال تعالى : ﴿ يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظنِّ إثم ولا تجسسوا ﴾ الحجرات 12 . في الآية ينهى الله عباده المؤمنين عن كثيرٍ من الظن وهو : التهمة والتخوّنُ في غير محله للأهل والأقارب والناس أما كيف يمكن أن نُمَيِّز الظنون التي يجب اجتنابها ؟ وذلك باعتبار أن كل ما لا يثبت بدليل صحيح وسبب ظاهر فهو حرام واجب الاجتناب ، لأن الله حرَّم دم المسلم وعرضه وأن يُظن به ظن السوء واعتبر بعض الظن ذنبٌ موقعٌ في الإثمٌ يوجب العقاب . لذا حرص الإسلام على تربية الضمائر والقلوب فجاء هذا الأمر باجتناب كثير من الظن ليكون سياجاً حول حقوق الناس الذين يعشون في مجتمعه النظيف الذي لا يقيم وزناً للظنون لقوله صلى الله عليه وسلم : ( ثلاثٌ لازماتٌ لأمتي الطيرة والحسد وسوء الظن . فقال رجلٌ ما يُذْهبْهُنَّ يا رسول الله ممن هنَ فيه ؟ قال : إذا حسدت فاستغفر الله وإذا ظننت فلا تحقق وإذا تطيَّرت فأمض ) أخرجه الطبراني . فليس لأحد أن يظن أو يتعقب بواطن الناس ولا مانع أن يأخُذَ بما ظهر له ويدعَ ما ستر الله التزاماً بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:(إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ولا تجسسوا ولا تحسسوا ولا تباغضوا وكونوا عباد الله إخوانا )رواه البخاري . جاء النهي عن التجسس لأن من حق المسلم أن يخلو بنفسه دون أن يطّلِع عليه أحد إلا الله ومن حقه أن يستر قبائحه ومعاصيه إذا كان له منها شيء ، وليس من حق المجتمع أن يراقبه في خلواته الخاصة ، فكان على المسلم الحق لزوم السلامة بترك التجسس عن عيوب الناس والانشغال بإصلاح عيوب نفسه لأن من اشتغل بعيوبه عن عيوب غيره أراح بدنه ولم يتعب قلبه وإذا ما اطلع على عيب نفسه هان عليه ما يرى مثله من أخيه أما إذا اشتغل بعيوب الناس عن عيوب نفسه عمى قلبه وتعب بدنه وتعذر عليه ترك عيوب نفسه وإن من أعجز الناس من عاب الناس بما فيهم وأعجز منه من عابهم بما فيه ومن عاب الناس عابوه . ولقد أحسن القائل
فإذا عبت قوما ًبالذي ليس فيهم فذلك عنـد الله والنـاس أكبر
إن عبت قوما بالذي فيك مثله فكيف يعيب العور من هو أعور ؟
وأنشد أخر :
لا تلتمس من مساوي النـاس ما ستروا يهتك النـاس ستراً من مساويك
واذكـر محـاسن ما فيهم إذا ذُكـروا ولا تعـب أحـداً عيباً بـما فيك
النهي عن التجسس وسوء الظن
