قال تعالى : ﴿ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبَرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾ المائدة 2 في الآية دليل على مشروعية التعاون بين المسلمين ، والنهي عن التعاون على الإثم والعدوان مع أي طرف، وعلى وجوب تعاون المسلمين بعضهم مع بعض ، أما الدخول في التحالف الدولي ، واتخاذ داعش ، وما تقوم به من مخالفات ، ذريعة لحرب ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في العراق والشام ، الذي حقق لأمريكا ، مبررات الانفراد بالقرار الأممي ، والحروب الاستباقية ، التي قادتها بعنوان “حماية الأمن القومي”، وقد جاء هذا التحالف ضد التنظيم ، لِتَوسُعه في التكفير ولإسرافه في القتل ، ولجنايته على فقه الخلافة بالتأويل والتهويل ، وإلى تقديمه أنموذج مشوه للمشروع الإسلاميّ ، وإن أقصى ما يمكن أن يوصف به جماعة التنظيم ، أنهم بغاة ، يُكّفرون ويقتلون ، ويمتطون ظهر الخلافة عن طريق التوسع في التأويل، وهذا يجعلهم طائفة منحرفة باغية وأمثال هؤلاء إن استمروا في بغيهم ، وجب قتالهم ، حتى يفيئوا إلى أمر الله، عملاً بقول الله تعـالى : ﴿ فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله ﴾ الحجرات ، أمّا الاستعانة بالكفار على قتالهم ، والدخول فيما يسمى بالتحالف الدولي لحربهم ، بغرض القضاء عليهم ، فهذا ما لا نجد له في دين الله مسوغاً لاختلاف العلماء ، في مسألة الاستعانة بالمشركين في القتال ، فمنهم من قال بالجواز ، بشرط أن تكون الحاجة داعية إليه ، ومنهم من قال بعدم الجواز ، ولا مجال لبحثها ، فقد فصلها العلماء في كتب الفقه تحت عنوان «الاستعانة بالمشركين» وبحثوا اختلاف العلماء ، في استعانة المسلمين بالمشركين ، على حرب المشركين ، لا على حرب المسلمين، بينما نحن بصدد التحالف على حرب المسلمين ، والدول الغربية كأمريكا وبريطانيا ليسوا أهل ذمة؛ ومن ثم فإنه لا يصح أن نسحب حكم مسألة الاستعانة بأهل الذمة على أهل البغي- داعش- فجمهور أهل العلم من المالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية ، على أنه لا يجوز أن يستعان بالكفار عليهم ، والذي دعا العلماء للتشدد في مسألة الاستعانة بأهل الشرك على أهل البغي ، هو أن القصد من قتال أهل البغي ، هو كفهم ، أما قصد هذه التحالفات التي يدعى إليها ، فهو قتل المسلمين، لهذا يحرّم علينا الإسلام ، أن ننضم إلى قوى الطاغوت في الأرض وأن نعاون على الإثم والعدوان : ﴿ والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت ﴾ وما من شك أن بواعث هذا التحالف وأهدافه ، ليست بحال من الأحوال في سبيل الله ، وإن الإسلام ليُحرِّم علينا ، أن نمد أيدينا إلى الذين يؤذون المسلمين ، ويخرجونهم من ديارهم ، ويظاهروا على إخراجهم ﴿ إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون ﴾ آل عمران ، وقد شاركت هذه الدول في إخراجنا من فلسطين ، ومقاتلتنا وإيذائنا وما يزالون ، وعليه فكل معاهدة وكل تعاون مع هذه الدول ، يحرمها الإسلام ، وقد ثبت ذلك في كتاب الله وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، وفي إجماع أئمة المسلمين ، قال تعالى:﴿ لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً ﴾ آل عمران 28 ، وقال تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءكُم مِّنَ الْحَقِّ ﴾الممتحنة 1، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ) ، وأجمع علماء المسلمين على حرمة تعاون المسلمين فيما بينهم على الإثم والعدوان ، ومن باب أولى ، فإن تعاون المسلمين مع أعدائهم ، ضد إخوانهم المسلمين ، على الإثم والعدوان أشد حرمة . وعليه يحرم شرعاً التعاون مع التحالف الأميركي سواء كان ذلك بالقتال إلى جانبها ، أو فتح الأجواء أو المطارات أو القواعد أو الموانئ لقواتها من أجل تسهيل مهمتها ، بل إن ذلك من أكبر الكبائر ، وأفظع الجرائم عند الله ، وخيانة لله ورسوله والمؤمنين ، والأولى بالمسلمين جميعا ، أن يتعاضدوا ويتساندوا ، ضد أي خطر يهدد أمنهم لقوله تعالى : ﴿ وَالَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ﴾ الأنفال 73 ولقوله صلى الله عليه وسلم : ( المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم ، وهم يد على من سواهم ) . وأما التعاون بين المسلمين ، فيما فيه مصلحتهم فهو واجب شرعي ، تحتّمه طبيعة الحياة، وتعاونهم فيما بينهم ضد أعدائهم ، واجب شرعي يوجبه الانتماء لهذا الدين، وتوجبه في زمننا هذا طبيعة الحياة المعاصرة ، التي تقوم على التكامل والاندماج بين القوى الإقليمية والعالمية، ومن المعلوم أن أمريكا عندما تريد استهداف جهة ما تسلط عليها كل وسائل الإعلام ، للتنبيه على خطورتها ، كي تبرر استهدافها. وقد رأينا كيف واجه الإعلام خطر داعش ، بسرعة البرق، بينما ظل ساكتاً على كل ما فعله النظام الصهيوني من ذبح وقتل ، وتشريد وتدمير في غزة ، وتجاهل لجرائم إسرائيل ، مما يدل على أن الإعلام الغربي إذا سكت عن جهة معينة ، فإن ذلك يدل على أن السياسة الغربية تؤيدها، أو لا تعاديها، وإذا ما تحرك ضد جهة ما، فإن ذلك يدل على أن المواقف ضدها ، وقد رأينا الفرق بين رد الفعل الأمريكي ، على جرائم الاحتلال في غزة وعلى ذبح الصحفيين الأمريكيين ، ففي الأولى كان نائماً وفي الثانية صحي ضميره. إن حكم التحالفات ، يرتبط في الأصل ، بحال المسلمين قوةً وضعفاً، فإن استغنى المسلمون عنها بالكلية ، وصاروا من التمكن والقوة بحيث لا يحتاجون في إقامة الحق ، والدعوة إليه ، إلى من يعينهم، وأنهم من القوة والتمكن بحيث يوصلون كل خير وبر ، إلى مستحقيه من البشر ، ولا يجدون في ذلك مضايقة من أحد؛ فإنه لا ينبغي لهم التحالف ، أما إن كانوا في حالة ضعف ومواجهة مع المخالفين للإسلام، فإنهم يترخصون في هذا الباب ، بما لم يكن لهم حال القوة.
وقد فرق العلماء في الحكم ، في حال الضعف عنه في حال القوة، وفصلوا الحكم في التحالف والاستعانة بالمشرك في حال الحرب ، في كتب الفقهاء ، وكتب السياسة الشرعية ، والحديث هنا مقصور على التحالفات السياسية مع غير المسلمين ، فاعتبرت المصلحة ركن أساسي في فقه التحالف السياسي، فحيث توجد المصلحة المشـتركة يوجد التحالف بين الأحزاب والدول والمنظمات والقبائل
وقد حرم الإسلام كل سياسة ظالمة ، تنقص من حقوق الإنسان ، وتصوغ الاعتداء عليه ، وأقرَ كل سياسة عادلة، منطلقة من العدل ، الذي جاء به الإسلام ، فـي شـريعته الربانيـة ، وأقر الإسلام من التحالفات السياسية وغيرها ، ما كان منها موجهاً ضد غيـر المسـلمين, ويحقق مصلحة شرعية لهم, ويخلو من الشروط الفاسدة كما أن الإسلام يقر كل التحالفات ، التي تسـعى مـن خلالها البشرية ، لإحقاق الحقِ وإنصاف المظلوم, ولو لم تكن للمسلمين مصلحة خاصة في ذلـك , كما يقر كل تحالف يعزز وحدة المسلمين ، ويصـون حقوقهم . و يحِّرم الإسلام السياسات التحالفية مع الأعداء ، التي تكون مدخلاً للهيمنة علـيهم, واسـتعمار بلادهم ، والاعتداء عليهم ، من دون وجه حق .
إن الإسلام إذ يرفض الذل والهوان، ويرفض الظلم والعدوان، واستعباد الإنسان لأخيه الإنسان، فإنه في الوقت نفسه ، لا يتوانى عن الاستجابة لكل بادرة خير ، تلتقي فيها البشرية على نصرة المظلوم والأخذ على يد الظالم . وما أحوج المسلمين اليوم ، إلى تجميع قواهم واستحضار عوامل الوحدة لديهم ، ليواجهوا قوى الشر ، المتحالفة المتآلفة ضدهم, لنهب خيراتهم ، والاستيلاء على أوطانهم ومقدراتهم .
