قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه :
من كثر ضحكه قلت هيبته، ومن مزح استخف به، ومن أكثر من شيء عرف به ومن كثر كلامه كثر سقطه – خطئه- ومن كثر سقطه قل حياؤه، ومن قل حياؤه قل ورعه، ومن قل ورعه مات قلبه.
لقد رغب الرسول صلى الله عليه وسلم في الابتسامة لما صح عنه : ( تبسُّمك في وجه أخيك لك صدقة ) الترمذي وابن ماجه وقوله : ( لا تحقِرَنَّ من المعروفِ شيئاً ولو أن تلقى أخاكَ بوجه طَلق ) ولا شك بأن الإنسان المبتسم قريب من قلوب الناس، وصدق من قال : “عندما يبتسم الإنسان لنفسه فمن السهل أن يبتسم للآخرين ” ولقد أحسن القائل:
إذا كان الكريمُ عَبوسَ وجهٍ فما أَحلى البشاشَـةَ في البخيلِ
إن للضحكة فعل سحريّ في شفاء الناس وكشف الغمّ ، وإعادة الحياة والنشاط للروح والبدن ، وهي جالبة للمحبة في قلوب الناس، ومُظْهرة للتواضع ، وعدم الترفع بخلاف الضحك ، الذي يصاحبه قهقهة فإنه مذموم إن كان كثيرا ، لما صحّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أوصى بعض أصحابه، فقال:(لا تكثروا الضحك، فإن كثرة الضحك تميت القلب ) صحيح مسلم ولأن الإكثار منه مُذهب للهيبة ، ومخالف للمروءة ، وقد قيل :كثرة الضحك تقلل الهيبة، وكثرة الكلام يقلل الوقار، وكثرة الزيارة تقلل القدر، وكثرة التواصل تقلل الشوق ، أما المزاح فلا بأس به ، ما لم يكن سفها ، فهو خُلق ، وسلوك بشري له ضوابطه وحدوده ، يشتمل على المداعبة والمضاحكة والمفاكهة ، بقصد الترويح عن النفوس ، وإدخال السرور والبهجة إليها حتى لا تمل ولا تكل ، وتجنب الإكثار من المزاح ، لأنه يُسقط الهيبة ، ويُزيل المحبة والاحترام من قبل الآخرين ، ويخل بالمروءة ويجرئ السفهاء والأنذال، وكان يقال:” لكل شيء بدء وبدء العداوة المزاح” وأنشدوا :
مازحْ صديقك ما أحبَّ مزاحا وتوقَّ منه في المزاح جماحا
فلربما مزح الصديق بمزحةٍ كانت لِبـابِ عداوة مفتاحـا
ومن أكثر من شيء عرف به ، فإن الرجال يُعرفون بالدين ، ولا يُعرف الدين بالرجال ولا يُعرف الحق بالرجال ، بل الرجال يُعرفون بالحق، لأن الحق متبوع لا تابع ، قال تعالى : ﴿ ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات واﻷرض ومن فيهن﴾ ولا يصح الاستدلال بالرجال على الحق ، والاحتجاج عليه بفعل فلان وفلان ، لأن الواجب أن يُنظر إلى القول لا إلى القائل، وإلى الدليل لا إلى الفكرة ، والقاعدة : “يُعرف الرجال بالحق ولا يُعرف الحق بالرجال” ومن كثر كلامه كثر سقطه ، ومن كثر سقطه ، ومن كثرت ذنوبه كانت النار أولى به ، قال الغزالي : ” لا تبسطن لسانك فيفسد عليك شأنك ” وفي المثل السائر ” رب كلمة تقول لصاحبها دعني دعني ” فالكلام حسنه حسن وقبيحه قبيح ، واللسان إنما هو آلة يستخدمها صاحبها ويسيرها، فإن سار بها طريق الخير ، أفلح ونجح، وإن سار بها طريق الشر ، خسر وخاب، ومن ملَك لسانه فقد ملك أبواب الخير، وقد أحسن القائل :
يموت الفتى من عثرة بلسانه وليس يموت المرء من عثرة الرِّجْلِ
فعثرته بالقول تُذهب رأسه وعثرته في الرجْل تبرا على مهلِ
ومن كثر سقطه قل حياؤه ، ومن قل حياؤه جاهر بالذُّنوب والمعاصي ، وعدم الخوف مِن الله ، وسوء الأدب في الأقوال والأفعال فلا يجد البعض حياءً يمنعه ، ولا دينا يردعه ويرده إلى الصواب ، لأن الحياء خُلُقٌ يبعث على فعل كل مليح ، وترك كل قبيح ، وهو دليل على الخير والاستقامة ، ومُخْبِـرٌ عن المدح والسلامة ، ومُجِـيرٌ من الذم والملامة ، فهو من صفات النفس المحمودة ، التي يحبها الله تعالى ولا يأتي إلا بخير، بل هو خير كله ، لقوله صلى الله عليه و سلم في الحديث المتفق على صحته : ( الحياء لا يأتي إلا بخير) ولم يكن في شيءٍ إلا زانه ، وهو شعبة الإيمان وخلق الإسلام ، كما روى الإمام مالك في الموطإ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (إن لكل دين خلقا وخلق الإسلام الحياء) ، وقد قيل:” من كساه الحياءُ ثوبَه لم يرَ الناسُ عيبَه “، وقال أحد شعراء العباسيين :
حيـاؤك فاحفظه عليك فإنما يدلُّ على فضل الكريم حياؤه
إذا قلَّ ماء الوجه قلَّ حيـاؤه ولا خير في وجهٍ إذا قلَّ ماؤه
وقيل: خمسٌ مِن علامات الشَّقاوة :” القسوة في القلب ، وجمود العين ، وقلَّة الحَيَاء والرَّغبة في الدُّنْيا ، وطول الأمل ” وهو الباعث على فعل المأمور ، وترك المحظور ، فهنيئاً لمن كان الحياء خلقاً له ، ولا خير في المرء إذا ذهب منه الحياء .
إذا لم تخش عاقبة الليالي ولم تستحي فاصنع ما تشاء
فلا والله ما في العيش خير ولا الدنيا إذا ذهب الحياء
يعيش المرء ما أستحيا بخير ويبقى العود ما بقي اللحاء
ومن قل حياؤه قل ورعه ، بأن يُطهَّر القلب من الدنس ،كما يُطهِرُ الماء دنس الثوب أو ترك ما يريب، ونفي ما يعيب، قال شيخ الإسلام ابن تيمية : ” تمام الورع أن يعلم الإنسان خير الخيرين ، وشر الشرين ، ويعلم أن الشريعة ، مبناها على تحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها ، قال صلى الله عليه وسلم: (كن ورعًا تكن أعبد الناس ، وكن قنعًا تكن أشكرَ الناسِ ، وأحب للناسِ ما تحب لنفسك تكن مؤمنًا ، وأحسِنْ جوار من جاورَك تكن مسلمًا، وأقِل الضحكَ فإن كثرةَ الضحك تميت القلبَ ) وأحسن من قال :
تَوَرَّعْ وَدَعْ مَـا إِنْ يَرِيبُـكَ كُلَّـهُ جَمِيعًا إِلَى مَـا لا يَرِيبُـكَ تَسْلَمِ
الورع نوعان : واجب ، وهو اتقاء ما يكون سببا للذنب والعذاب ، بترك المحرمات ومستحب ، باتقاء ما يمكن أن يؤدي إلى محرم أو ترك ما يكون سببا للذم والعذاب ، سأل الحسن غلاما فقال له: “ما ملاك الدين قال: الورع ، قال: فما آفتة قال: الطمع ، فعجب منه الحسن” إن الإنسان ليخجل من قلة زهده وورعه ، وخوفه وحياءِه من الله عز وجل ، وكم نتجرأ على الله ، بارتكاب المعاصي والذنوب التي نستصغرها ، وكم هي الفتن التي حولنا ولا نستطيع أن نحمي أنفسنا منها ، من قلة ورعنا ، وكثرة حبنا للدنيا ، وترك ما عند الله فمتى نتوب إلى الله توبة نصوح ، ونأخذ بأيدينا إلى طريق السلامة ، وأين أهل الآخرة ، الذين نشد أيدينا على أيديهم ، حتى ندرك سبيل النجاة في الدنيا والآخرة ، ومتى ندرك أن الورع هو ملازمة الأدب ، وملازمة الأعمال الحميدة بموافقة الشرع ، واجتناب الشبهات خوفاً من الوقوع في المحرمات ، ومحاسبة النفس ، ومن كان حاسب نفسه حساباً عسيراً كان حسابه يوم القيامة يسيراً ومن حاسب نفسه حساباً يسيراً ، في الدنيا كان حسابه يوم القيامة حساباً عسيراً ، ومن الوُرع : هو حجز اللسان عن قول الزور ، والخوض في أعراض الناس وعدم سوء الظن بالآخرين أو ظلمهم، أو إلحاق الضرر بهم وأنْ يَجْعَلَ الإنسانُ بينْهُ وبينَ الحَرَامِ حَاجِزا . قَالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ : (كُنْ وَرِعًا تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ ، وَكُنْ قَنِعًا تَكُنْ أَشْكَرَ النَّاسِ وَأَحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ تَكُنْ مُؤْمِنًا وَأَحْسِنْ جِوَارَ مَنْ جَاوَرَكَ تَكُنْ مُسْلِمًا ، وَأَقِلَّ الضَّحِكَ ، فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ الْقَلْبَ ) رَوَاهُ الإمامُ أحمدُ والترمذيُّ وابنُ ماجَه والبيهقيُّ في الشُعبِ وصَحَّحَهُ الألبانيُّ
