النهي عن القيل والقال في المجالس

النهي عن القيل والقال في المجالس

المجالس فرصة خير لمن أراد الله به الخير، ومن أراد الله واليوم الآخر، وذكر الله كثير، وهو فرصة للازدياد من الشر والسيئات، والوقوع في حبائل الشيطان ، ولهذا ورد النهي عن القيل والقال في المجالس ، فقال تعالى : ﴿ لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ﴾ وكتب معاوية إلى المغيرة بن شعبة أن اكتب إلي بشيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فكتب إليه سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( إن الله كره لكم ثلاثاً, قيل وقال وإضاعة المال وكثرة السؤال ) أخرجه البخاري . وللجليس صفات ، وله حقوق، قال سعيد بن العاص : ” لجليسي علي ثلاث خصال: إذا دنا رحبت به  وإذا جلس وسعت له، وإذا حدث أقبلت عليه “

هناك أناس  يستهزئون في المجالس بأشياء كثيرة بأحكام الدين، وشرائع الله، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولذلك جاء النهي عن فضول ما يتحدث به المتحدثون ، وزوائد ما يتكلم به المتجالسون  كالخوض في أخبار الناس ، وحكاية أقوالهم وأفعالهم ، ونقل أحداث الزمان ووقائعها     في عالم مليء بالقيل والقال ، من مئات القنوات الفضائية, وأمثالها من الإذاعات ، ناهيك عن الجرائد والمجلات والكتب, بشتى مجالاتها ومستوياتها, أقوال اختلط فيها الحابل والنابل  والمفيد بالمضر ، والترهات والسخافات. وقد قيل :” من اشتغل بالفضول  فاته المأمول , ومن اشتغل بما لا يعنيه ، فاته ما يغنيه ” وما أكثر الكلام الفاسد الذي يدور في مجالس المسلمين ، مما يزكم الأنوف ، ويصم الأذان ويصيب بالدوار والغثيان وهذا ما نهى الله فقال : ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ﴾ الأنعام68 . ولو تعاون الناس على النصح لمن ينطق بالباطل ، ويفسد المجالس بكلماته  لصلحت أحوالنا ، وصارت مجالسنا مجالس نور وحق وصدق ، قال الشافعي رحمه الله: “نزِّهوا أسماعكم عن استماع الخنا- أي الكلام الفاسد-  كما تنزهون ألسنتكم عن النطق به، فإن المستمع شريك القائل، وإن السفيه ينظر إلى أخبث شيء في وعائه ، فيحرص أن يفرغه في أوعيتكم، ولو رُدت كلمة السفيه لسعد رادُّها، كما شقي بها قائلها”ابن عساكر في تاريخ دمشق . قال ابن القيم في الجواب الكافي : ” من العجيب أن الإنسان يهون عليه التحفظ والاحتراز  من أكل الحرام ، والظلم والسرقة ، وشرب الخمر  والنظر المحرم وغير ذلك  ويصعب عليه التحفظ من حركة لسانه ، حتى ترى الرجل يُشار إليه بالدين  والزهد والعبادة ، وهو يتكلم بالكلمة من سخط الله ، لا يلقي لها بالاً  يزل بها أبعد مما بين المشرق والمغرب ، وقال : ” إن العبد ليأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال   فيجد لسانه قد هدمها عليه كلها , ويأتي بسيئات أمثال الجبال فيجد لسانه قد هدمها ، من كثرة ذكر الله تعالى وما اتصل به ” أخرج الترمذي في سننه وأحمد في مسنده من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه قال : قلت : يا رسول الله ما النجاة ؟ قال صلى الله عليه وسلم : ( املك عليك لسانك وليسعك بيتك وابكِ على خطيئتك ) وفي لفظ : ” أمسك عليك لسانك ) والحديث صحيح بشواهده ، لأن من كثر كلامه كثر سقطه ، ولأننا نرى الناس قد أطلقوا العنان لألسنتهم ، فأصبح ذلك اللسان سلاحاً ، لبث الفرقة والنـزاع والخصام ، بل وفي مجالات الحياة كلها  ولأن الكلام فاكهة هذه الجلسات , كان لا بد من وضع ضابط ، ولا بد من تحذيرٍ وتذكيرٍ للناس  في مثل هذه الجلسات ، التي تخلو من ذكر  الله   والصلاة على رسول الله ،  ولو كان الكلام مباحاً لذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (ما اجتمع قوم في مجلس فتفرقوا ولم يذكروا الله، ويصلوا على النبي صلى الله عليه وسلم إلا كان مجلسهم ترة عليهم يوم القيامة) . يعني: حسرة وندامة ، والسنة الإمساك حتى عن الكلام  المباح ، لأنه قد يؤدي إلى حرام أو مكروه  وذلك مكتوب ومحسوب ، فقل ما شئت ، وتكلم بما شئت ، فهناك من يسجل، ومن يراقب قال تعالى :﴿ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيد  مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ قّ 17 قال ابن عباس :” يكتب كل ما تتكلم به من خير وشر ، حتى إذا كان يوم الخميس عُرض قوله وعمله ، فأقِر منه ما كان من خير وشر  وألقي سائره  فربك راصد ومسجل قال تعالى:﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ﴾الفجر 14. هذا تطمين لمن يدور عنه الحديث في المجالس ، وتحذير لمن أطلقوا العنان لألسنتهم في أعراض العباد ، وبالمرصاد للطغيان والشر والفساد ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يزل بها في النار أبعد ما بين المشرق) أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما. ترهيب غليظ لمن يلقون الكلمات ولا يحسبون لها حساباً  وهي عند الله في كتاب لا يضل ولا ينسى ، ألا يعتبر من ينشر الشائعات في المجالس ، فكم من كلمة قصمت ظهر صاحبها وهو لا يعلم ,  وفي حديث معاذ الطويل قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( ألا أخبرك بملاك ذلك كله ؟” قال معاذ : بلى يا رسول الله , فأخذ بلسانه ثم قال : كف عليك هذا قلت : يا رسول الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به  قال النبي صلى الله عليه وسلم :ثكلتك أمك يا معاذ  وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم؟” والحديث أخرجه الترمذي في سننه وقال حسن صحيح. في حديث سهل بن سعد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة) والحديث أخرجه البخاري في صحيحه.وقد غفلت النفوس  وتجاهلت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت)  وتعلقت بالدنيا وشهواتها ولذاتها  ونسيت الحساب والعذاب ، وانطلق اللسان يفري في لحوم العباد فرياً  وتجاهل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده) وغيرها من الأحاديث التي تذكّر  كلما أراد اللسان أن ينطلق بكلمة ، أن يحسب لها حسابها ، كان عبد الله بن أبي زكريا يعاتب جليسه ويقول :” إن ذكرتم الله أعنـّاكم , وإن ذكرتم الناس تركناكم ” في مجالسنا نقول : نخشى عذاب الله من فعل فلان  ونخاف من عقاب الله من قول علان  ولا نخشى الله من قولنا وفعلنا ، وهذا ظاهر في مجالسنا نقول : نخشى من عذاب الله من عمل فلان وعلان , ولكننا ننسى أن نخاف على أنفسنا من عذاب الله من ذنوبنا وأفعالنا وأقوالنا.

لنرجع إلى أنفسنا وننظر إلى عيوبنا قبل أن ننظر إلى عيوب الآخرين ، ونقول : إن فلاناً فيه أخطاء وفلان فيه تقصير، وآخر فيه غفلة، ولا يسلم من العيب الفلاني ، وهكذا أقاموا أنفسهم لتقييم الآخرين وجرحهم ولمزهم ، ونسوا أنفسهم    وعيوبهم وتقصيرهم وغفلتهم وكثرة أخطائهم , كثيراً ما نرى في المجالس ، من إذا حدث كذب ، وإن وعد أخلف ، وإن جاء للصلاة نقرها نقر غراب  مقصر في الفرائض مهمل في النوافل , في وظيفته تأخر وهروب ، وإهمال واحتيال، وفي بيته وسائل الفساد ، وضياع الأولاد ، وعقوق الأرحام , نسي هذه النقائص في نفسه ، وذكرها في إخوانه ولم يسلم منه حتى الصالحون المخلصون ، وصدق القائل :   

إذا رمت أن تحيا سليماً من الردى   ودينك موفور وعرضك صيّن

فلا ينطقن منك اللسان بسوءةٍ   فكلك سوءاتٍ وللناس ألسن

وعينك إن أبدت إليك معائباً   فدعها وقل يا عين للناس أعين

وعاشر بمعروف وسامح من اعتدى   ودافع ولكن  بالتي هي أحسن

كثير من الناس يجلس في مجلس، ينتهكون أعراض الناس، أو يتبادلون قصص المنكرات، هؤلاء أيضاً لا يجوز لك أن تسكت عما يقولون، لأن الساكت عن الحق شيطان أخرس  ولأن المستمع شريك للقائل ما لم يرد ، لقوله صلى الله عليه وسلم :   (من ردّ عن عرض أخيه بالغيبة كان حقاً على الله أن يعتقه من النار ) أخرجه أحمد والترمذي وغيرهما ،  ويقول ابن تيمية في الفتاوى : ( ومنهم من يخرج الغيبة في قوالب شتى ، تارة في قالب ديانة وصلاح فيقول : لي ليس عادة أن أذكر أحداً إلا بخير ولا أحب الغيبة ولا الكذب وإنما أخبركم بأحواله  ويقول : والله إنه مسكين أو رجل جيد ولكن فيه كيت وكيت وربما يقول : دعونا منه الله يغفر لنا وله   وإنما قصده استنقاصه وهضم لجنابة  ويخرجون الغيبة في قوالب صلاح وديانة يخادعون الله بذلك كما يخادعون مخلوقاً ” . ولا يجوز في المجالس  التسرع في النقل أو القراءة، أو نقل ما لم يُقل  وقديماً قيل : وما آفة الأخبار إلا رواتها.

وكم من عائبٍ قولاً صحيحاً   وآفته من الفهم السقيمِ

ولكن تأخذ الأذهان منه     على قدر القرائح والفهومِ

ومن أخطر ما يدور في المجالس ، إطلاق العنان للسان في التحليل والتحريم ، والسخرية والاستهزاء بالدين ، وقد نهى الله تعالى عن ذلك ونهى عن   فقال تعالى : ﴿ وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ ﴾ النحل 116 . يقول الإمام مالك رحمة الله تعالى عليه : (لم يكن من أمر الناس ولا من مضى من سلفنا ولا أدركت أحداً أقتدي به يقول في شيء هذا حلال وهذا حرام، ما كانوا يجترئون على ذلك وإنما كانوا يقولون : نكره هذا , ونرى هذا حسناً , ونتقي هذا ولا نرى هذا , ولا يقولون حلال ولا حرام) جامع بيان العلم .

 ثم اعلم أنك تجالس كثيراً من الناس من أحبابك وخلانك وأصدقائك , ولا تخلو المجالس من مخالفات قلّت أو كثرت , فمن حقهم عليك أن يسمعوا مثل هذا الكلام وأن يُذكّروا بالآيات والأحاديث , التي تنهى عن ذلك ، فإن القلب يغفل ، والنفس تسلو ، فاسمع وسمّع ، واستفد وأفِد  والدال على الخير كفاعله ، وأخيراً لابد من ذكر كفارة المجلس ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (من جلس في مجلس فكثر فيه لغطه فقال : قبل أن يقوم من مجلسه ذلك: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، إلا غفر له ما كان في مجلسه ذلك).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *