النهي عن اليأس والإحباط

إني لأعجب أن يصيب الإحباط أمةً القرآن كتابها وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم سنتها ، ورجال تاريخها ليس لهم مثيل في تاريخ الأمم الأخرى ، رجال لهم الأثر البالغ على فكر قادة العالم عامة ، وقادة اليهود خاصة وهذا ما دفع نائب الليكود داني نافيه ، في مقابلة له في الإذاعة الناطقة بلسان المستوطنين اليهود أن يتساءل : لماذا يدعو خطباء المساجد في طول الوطن العربي وعرضه ربهم ، أن يبعث لهم قائداً على غرار صلاح الدين لطرد اليهود والقضاء على الحركة الصهيونية ، بنفس الطريقة التي تم بها القضاء على الصليبين في الماضي وطالب المستشرق اليهودي يهشموع أحد حكومات إسرائيل ، أن تتوجه إلى العالم وعلى الأخص أمريكا للضغط على الدول العربية ، لتنقية مناهجها التعليمية وبيئتها الثقافية من كل صلة بصلاح الدين وما يمثله ، وأضاف قائلاً : إن على إسرائيل أن تطالب العرب باستبدال أسماء الشوارع التي أطلق عليها اسم صلاح الدين بأسماء أخرى ، وكذلك أسماء الميادين والمؤسسات ، ووصف إصرار العرب على التمسك بتراث صلاح الدين ، بأنه إصرار على ثقافة العنف ، وكان الجنرال شلوموا باوم يوصف بأنه أسطورة الجيش الإسرائيلي وكان بن غوريون يعتبره مفخرة الدولة اليهودية ، وكتب عنه شارون بأنه آلة حرب متحركة ، تتجسد في جسمٍ بشري ، وبالرغم من انه خدم 35 عاماً في الجيش ، إلا أنه رفض بإصرار الحصول على إجازة ولو ليوم واحد ، شارك في أكثر من ألف عملية عسكرية ، معظمها خلف مواقع القوات العربية اشتهر بالقسوة الشديدة في تعامله مع العرب الذين وقعوا في أسره ، وكانت سيرته الذاتية تدرس لطلاب المدارس وفي ذكرى وفاته نشر كاتب إسرائيلي في صحيفة معاريف ، أنه لكثرة ما سمع من إطراء على باوم ، قرر التعرف عليه ، بعد تسرحه من الجيش للتعرف على الدوافع الكامنة وراء معنوياته العالية وشعوره المطلق بعدالة ما يقوم به يقول الكاتب : عندما توجهت إلى باول في شقته ، وجدت إنساناً غير الذي سمعت عنه وجدت شخصاً قد تملكه الخوف ، واستولى عليه الهلع واستبد به القلق وعندما سألته عن السر الذي دفعه لقتال العرب ، وحرمان نفسه الراحة لعشرات السنين إذا به يصمت ، ثم يقوم ويحضر ملفاً كبيراً ، فيقلب صفحاته ويقول : هل سمعت عن الحروب الصليبية ؟ هل سمعت عن معركة حطين ؟ هل سمعت عن شخص يدعى صلاح الدين ؟ وعندما قلت له مستنكراً : لكن العالم العربي في أعلى مستويات الضعف في كل المجالات ضحك ساخراً وقال : لقد كانت أوضاع المسلمين قبل معركة حطين ، تماثل من حيث موازين القوى أوضاع العرب حالياً ، فقد كانت الدويلات العربية ، التي كانت قائمة في ذلك الوقت ، تقوم بدور كلاب حراسة للمالك الصليبية ، وإن مخاوفي جعلتني أحاول رصد الأسباب التي جعلت المسلمين ، يحققون ذلك النصر الأسطوري ، وفق منطق العقل والتحليل العسكري ، وما جعلني أتعلق بالحرب ، هو حرصي على أن أقوم بكل شيء ، من أجل عدم تهيئة الظروف ، لمولد صلاح الدين من جديد ، وفي مقابلة صحفية مع شارون عندما سئل كيف تسير الأمور في إسرائيل ؟ أجاب وهو مهموم ليس على ما يرام وقال : اخشي من ظهور صلاح الدين من جديد بين المسلمين لأنه نشأ في مثل هذه الظروف .
وإني لأعجب أن تقنط أمة يخاف أعدائها ، أن تسير على نهج سلفها ، وهي تملك من الثروات والمقدرات ، التي لا يملكها أعدائها ، وإني لا أتصور أمةً تؤمن بالله ربا والقرآن نهجاً ودستورا ، أن يجد اليأس إليها سبيلا ، وكيف تقنط أمةٌ يدعوها القرآن إلى التفاؤل، وحسن الظن وانتظار الفرج ، وأن تستبشر بالخير وتطمئن بما قدره الله ، وتنتظر الفرج من الله عز وجل ، الذي نهى الله عن اليأس والقنوط ، مهما كانت الظروف والمصائب حتى إن القرآن يضع اليأس في مرتبة الكفر، ويقرن القنوط بالضلال قال تعالى: ﴿ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّآلُّونَ ﴾ الحجر56 . لكنها أصبحت حقيقة مشاهدة وواقع لا ينكر ، ضاع فيه الأمل والحلم ، فخضعت الأمة خضوعاً مذلاً ، في حين يرجى لها الانتفاض وركعت ركوعاً مخزياً ، في حين يرجى لها القيام ، فلماذا صارت إلى هذا المصير ؟ في تقديري أن ذلك راجع إلى تفريط المسلمين بدينهم وابتعادهم عن منهج ربهم ، وتعاونهم على التخطيط لمستقبل أمتهم مع أعدائهم ، وقد اهتموا بالسنن والمندوبات والمستحبات ، وأهملوا الفرائض والواجبات ، أضف على ذلك ، ما تبثه القنوات الفضائية من الإباحية والمجاهرة بكل فسق ومجون وانحلال ، وإهمال لمشاعر الأمة التي عاشت قروناً تحترم كل قانون وأدب إسلامي قال تعالى :
﴿ وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا ﴾
وقد انعكس هذا على الواقع الاقتصادي ، الذي يعاني من الانهيار والديون المتراكمة ، والسيطرة الهائلة للاقتصاد الأجنبي على معظم مقاليد الأمور في البلاد الإسلامية وهذا ما أوجد في نفوس كثير من المسلمين إحباطاً ويأساً يشعرون معه أن القيام من جديد ، إن لم يكن صعباً فهو من ضروب المستحيل ، ناسين أن اليأس من رحمة الله جريمة في حد ذاتها ؛ فلا يجوز لأنه من صفات الكفار والذين لا يعرفون حقيقة دين الله ، بل إن القرآن يقرر أن اليأس من رحمة الله كفر بالله قال تعالى : ﴿ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ﴾ يوسف 87. وأنه لا بد من اتخاذ الأسباب ، ويقرره القرآن ناموساً كونياً لا يتبدل، ونظاماً ربانياً لا يتغير وسنة من سنن الله ، ولن تجد لسنة الله تبديلاً ، وإن الأيام دول بين الناس، وإن القوي لن يستمر على قوته أبد الدهر ، والضعيف لن يدوم عليه ضعفه مدى الحياة ، فهي أدوار وأطوار، تعترض الأمم والشعوب كما تعترض الآحاد والأفراد ، فمداولة الأيام بين الناس من الشدة إلى الرخاء ، ومن الرخاء إلى الشدة ، ومن النصر إلى الهزيمة ، ومن الهزيمة إلى النصر ؛ هي من السنن الربانية قال تعالى : ﴿ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ﴾ آل عمران140 . وهذه السنة نافذة بحسب ما تقتضيه سنة تغيير ما بالأنفس قال تعالى : ﴿ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ ﴾ الأنفال 53 . وسقوط الأمم وعدمه مرتبط بهذا التغيير النفسي في مسارها عبر التاريخ والحاضر والمستقبل، وهي سنة ماضية ثابتة لا تتغير ولا تتبدل . فحين يغير المؤمنون ما بأنفسهم ويستكملون أدوات النصر ، لا يضيرهم تفوق الأعداء عليهم ؛ لأن سنة أخرى تتدخل ، وهي وعد الله بالتمكين والنصر لعباده المؤمنين : ﴿ وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ الروم 47 وقوله تعالى : ﴿ وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً ﴾ النساء 141 وقوله : ﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ ﴾ غافر51 . وقد يتأخر ويبطىء نصر الله لحكمة ما ، لكن في نهاية المطاف فهو آت لا محالة قال تعالى : ﴿ حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاء وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ﴾ يوسف 110. ولم تتخلف هذه القاعدة الربانية -وهي أن النصر لا يأتي إلا إذا اشتد الضيق، وزاغت الأبصار، وبلغت القلوب الحناجر حتى في الأمم السالفة، فكم من أمة ضعيفة نهضت بعد قعود وتحركت بعد خمود ، وكم من أمة بطرت معيشتها وكفرت بأنعم الله فزالت من الوجود ، وأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون.
فهذا رسول الله يعلن إعلاناً عاماً للبشرية كلها ويقول : (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، ولا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا فإن لو تفتح عمل الشيطان، ولكن قل قدر الله وما شاء فعل) رواه مسلم.
ففي هذا الحديث تقوية للآمال، ورفع للهمم ، وحب للقوة والشجاعة وترك للفتور أو انتظار مقتضيات اليأس والإحباط، ودفع محاولة تبرير اليأس والقنوط، فالمؤمن هو الأقوى في كل الأمور: في الإيمان، في العلم والعمل، وفي كل شؤونه، يعد مؤمناً قوياً يستطيع بعون الله- أن يخرج من كثير من المشاكل والأزمات.. لا كما يفعله كثير من ضعفاء الإيمان من تبرير الفشل والكسل ، فالمؤمن القوي يحرص على ما ينفعه دوماً لا يخاف دون الله أحداً.. ثم هو مع ذلك الإقدام قد يصاب بمصيبة.. لكنه لا ييأس ولا يصاب بالإحباط بل يزيد إقدامه، ويقول عن تلك الأقدار والمصائب: قدر الله وما شاء فعل ، فما أعظمها من كلمات لو تدبرهن عاقل.. إنه تفويض للأمور وإرجاع لها إلى باريها.. الله الله بالتفاؤل والأمل، فإن ما ترونه اليوم من كيد أعداء الإسلام ، ليس إلا سحابة سوداء سوف تنجلي عن قريب.. واعلموا أن ما أصاب الأمة من فتور ، وتركٌ لمسايرة الركب ، إنما جاء من حصول إحباط ويأس استولى على القلوب ، فلا تيأسوا فالنصر قادم ، أما تؤمنوا بقول الله تعالى : ﴿ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ﴾ التوبة 33 . ويقول صلى الله عليه وسلم : ( والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلا الله، والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون) البخاري ومسلم . إن القرآن ليمد الصابرين الآملين الذين لا يجد اليأس إلى قلوبهم سبيلاً بمعين من القوة ، تتحطم أمامها قوى المخلوقين، وتعجز عن إضعافها والنيل منها محاولة العالمين ، وما يعلم جنود ربك إلا هو..وهل يليق بنا أن نقول : ماذا نصنع ونحن ضعاف وخصومنا أقوياء ؟ وفي صدورنا الأمل الواسع بنصر الله ، ومن ورائه التأييد الإلهي الشامل!! اللهم.. لا.. فأمِّلوا خيراً ، وإياكم والارتماء في مستنقع الذل والهزيمة واليأس من رحمة الله ، اللهم إنا نسألك عزاً للإسلام والمسلمين اللهم آمين .

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *