فرق كبير بين من يعيش بروح التفاؤل والأمل وبين من بات ضحية القنوط والانهزامية ، وفرق بين من يضع هدفاً نصب عينيه ، يبعث فيه الجد والعطاء ، وبين من يصبح يائساً قانطاً ضعيفاً لا يقدر على صنع شيء ، والأمة التي يدب اليأس والقنوط وقلة العمل في أفرادها ، لهي أمة لا تستحق النصر ولا النجاح ، ولقد أحسن القائل :
لا تحسب المجد تمراً أنت آكله لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا
فالقلوب المؤمنة ، لا تعرف اليأس ، ولا تستجيب لدعاوى الإحباط ، ولا تقبل المواقف الانهزامية التي تخالف شرع الله ، مهما كانت التضحيات ، وتلك سنة ربانية ، لا تختلف باختلاف الأزمان لأن المواقف الانهزامية تؤدي إلى إذلال المسلمين ، وانتهاك الأعراض والحرمات، وما داس أعداؤنا على رقابنا، وانتهكوا أعراضنا، واستحلوا محارمنا وجاهروا بانتقاص ديننا، ورسولنا وقرآننا، إلا لما رأوا الهزيمة قد تملكت من نفوسنا، والهلع قد احتل كل زاوية في قلوبنا ، ولما لم يجدوا من يصدهم ولا من يردعهم وقديما قيل :
تعدوا الذئاب على من لا كلاب له وتتقي مربض المستأسد الضاري
ومن يدعون للتهدئة مع العدو ، وعدم مقاومته ، وعدم مقاومة من يتعاون معه ، يتحملون أمام الله مسئولية كل عرض انتهك ، وكل نفس قتلت بغير حق ، وكل منشأة هدمت ، كل أمن ضاع وستكون هذه المواقف الانهزامية ، لعنة على أصحابها ، وعلى من عمل بها إلى يوم الدين وسيسجل التاريخ هذه المواقف الانهزامية المخزية في سجله الأسود ، الذي سجل فيه من قبل من تعاونوا مع المحتل الصهيوني .
وعلى كل مسلم أن يبرأ إلى الله ، من هذه المواقف الانهزامية ، لأن الله ورسوله ، يبرآن من كل موقف ، يساعد أعداء الله ، على السيطرة على بلاد المسلمين ، ونهب ثرواتهم ، وتضييع استقلالهم ، وتفردهم بتوحيد الله ، وعبادته وحده لا شريك له ، قال تعالى محذراً لنا من ولاية هؤلاء ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ، فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ ﴾ المائدة 51. خطاب موجه إلى المسئولين عرباً ومسلمين ، بأن لا يوالوا اليهود والنصارى ، لأنهم يضمرون لهم البغضاء والشر كما اتفقوا على كراهية الإسلام والمسلمين ، وها هم خالفوا أمر الله ، بتعاونهم مع اليهود ، في تشديد الحصار ، بدل مساندة أهل غزة الذين يتعرضون لغارات ، أتت على الشجر والحجر وأحالت الأجساد إلى أشلاء متناثرة . وقد بلغ التواطؤ مع هذا العدوان الإسرائيلي التقدم بمبادرة ، الهدف منها تحقيق ما لم تستطع القوة العسكرية ، ولا سياسات الحصار والتجويع تحقيقه ، وهو نزع سلاح المقاومة ، ففقدوا احترامهم ، بعد أن فقدوا دورهم الإقليمي والدولي ، بسبب هذه السياسات والمواقف المخجلة، وقد قوبلت المبادرة التي تقدموا بها لوقف الحرب ، بالاستهجان والاستهتار ورفضت ، لأنها تخدم أهداف العدوان ، الذي عجز عن تحقيق أهدافه ، لاستسلام المقاومة وعدم إطلاق الصواريخ ،فلم تستسلم المقاومة ، وإطلاق الصواريخ لم يتوقف، بل ازداد اتساعاً ، والألم يعتصرنا ونحن نرى أهلنا ، يواجهون آلة القتل الإسرائيلية وحدهم، ونتألم بحرقة ، عندما نرى الدمار والقتل ولكن ما يطمئننا أن هذه الدماء لن تذهب هدرا، لأنها ستؤسس لمرحلة جديدة عنوانها المقاومة، وإسقاط كل مشاريع الهزيمة والاستسلام.
ها هي الطائرات الحربية الإسرائيلية تواصل تقطيع أوصال أبناء غزة ، بصواريخها الفتّاكة، وها هي الدبابات تقتحم الحدود ، في محاولة لانجاز ما عجزت عنه الطائرات من الجو، ولكن الأمر المؤكد أن ظاهرة المقاومة ستتكرس، وأن ثقافة الاستسلام ستنتكس ، وتلفظ ما تبقى فيها من أنفاس.
نعلم أن إسرائيل دولة إقليمية عظمى ، تتربع على ترسانة عسكرية ، حافلة بأحدث الأسلحة والمعدات، وخصمها مجموعة مؤمنة مقاتلة تواجه الحصار ، من اقرب المقربين إليها، ناهيك عن مؤامراتهم وتواطئهم، فالمعركة لا يمكن أن تكون متكافئة، فصواريخ المقاومة جرّت إسرائيل إلى المصيدة الأخطر في تاريخها، باستفزازها ودفعها للعدوان على قطاع غزة، وقد نجحت من خلال هذا العمل ، في إحياء ضمير الشارع العربي وإحداث فرز واضح ، بينه وبين أنظمته، وإحراج كل حلفاء إسرائيل في الغرب ، بهذا فضحوا إسرائيل ، مثلما فضحوا المتواطئين معها، واظهروا للعالم مدى نازية هذه الدولة، كما كشف صمودهم وتضحياتهم ، الأنظمة التي تدعي العجز وقلة الحيلة، فمن يملك جيوشاً انفق عليها مئات المليارات من الدولارات، لا يمكن أن يكون عاجزاً، ومن يملك نفطاً وأرصدة ضخمة ، يتوسل إليه الغرب لاستخدامها ، في إنقاذ اقتصاده ، لا يمكن أن يكون عاجزاً، فلحظة الحقيقة تنطلق الآن ، من الدماء الزكية الطاهرة لشهداء غزة التي حققت بصمودها ، معجزة في زمن قلّت فيه المعجزات، صمود أشغل العالم كله ، في كيفية توفير الأمن والحماية للإسرائيليين، وإيجاد الطرق والوسائل لنزع سلاح المقاومة ، وتوفير المعدات المتقدمة لمنع تهريب الأسلحة إلى الصامدين المحاصرين في غزة ، الصغيرة في مساحتها ، الكبيرة في عزيمة أبنائها ، ولن نستغرب أيضا ، أن ينطلق لسان الجبناء الطاعنين في الظهر ، من الإعلاميين وأنصاف المثقفين ، في تحميل المسؤولية للمقاومة ، واعتبار كل الخسائر البشرية والمادية في غزة فاتورة وجود المقاومة ، بينما يتواصل العدوان الإرهابي الهمجي ، على أهلنا في غزة، وترتفع حصيلة الشهداء والجرحى ، لحظة بلحظة، ويهدد قادة الإرهاب الصهيوني بما هو أبشع، يستمر الصمت المتواطئ على ما يجري ، كما لا يكتفي بعض المسئولين الدوليين ، بإعلان المواقف ، التي تفوح منها رائحة التواطؤ والمشاركة في الجريمة، بل ويذهبون إلى المساواة بين الجلاد والضحية ، ويتمادى بعضهم إلى حد تبرئة الجلاد ، ولوم الضحية ، بدل تحمل مسؤولياتهم الكاملة ، في صد العدوان، والتي بدونها يكونون شركاء في الجرم.
إن الحرب الحالية على شعب غزة ، هي بالون اختبار ، لنظرية الأمن والعقيدة العسكرية الصهيونية ، التي انهارت فبانَ عجزها ، وتقهقرت معها ، واندثرت أسطورة الدرع الصاروخي الذي فشل باعتراض صواريخ مجموعات فلسطينية مسلحة صغيرة، تتسلح بصواريخ تقليدية وبدائية زهيدة الثمن للغاية. فصواريخ القبة الحديدية باهظة الأثمان، تصاغرت في مواجهة صواريخ بسيطة ، وأكدت فشل العلوم العسكرية والحربية والدفاعية الأمريكية، مما ينعكس على طلبيات وأوضاع الصناعات العسكرية الأمريكية في كل العالم ، إن شعورنا بالتقصير ، لا يمكن إنكاره، سواء لأننا لم نستطع إغاثة أهل غزة وهم يذبحون، في حين وقفنا موقف المتفرج عليهم، أو لأن بعضنا كان عليهم ، وليس معهم أو لهم.
إن ما يجري في غزة ليس مأساة ، ولكنه ملحمة لكن الهزيمة الحقيقية ، والمأساة التي يندى لها جبين الشرفاء، هي من نصيب الواقفين الذين يرون ما يجري ، فتقاعسوا وولوا الأدبار ، حين جد الجد وهم الذين وصفهم القرآن بأنهم : ﴿ يحلفون بالله أنهم لمنكم وما هم منكم، ولكنهم قوم يفرقون ﴾ .
النهي عن اليأس والانهزام والاستسلام
